الحروف الآمنة.. قراءة في ديوان "كمكان لا يُعوّل عليه" لنوارة لحرش

24-6-2017 | 14:11

 

"هل غادر الشعراء من متردم؟ أم هل عرفتُ الدار بعد توهم؟"..، هذا ما قاله عنترة من أربعة عشرة قرنا -أو وصلنا أنّه قاله، فهل كان عنترة يعي هذه الغربة التي نخفي وجوهنا منها حين نقرأ الكثير، الكثير ممّا يُكتب هنا وهناك، فنراه يمضي بنا إلى عكس ما تعلّمنا عن الشعر من كونه نقلا للامتلاء بالحياة وما يدور فيها وحولها؛ ليعبّئها بجماله، ثم يفرغ منها ليواصل رحلته بحثا عمّا يرّجها، وتدير وجهها عنه، ويسيران كلّ في اتجاه ليتعانقا كلّ مرة في حركة لا مبالية تمنح كليهما التجدّد اللامتناهي؟

لابدّ أنّ الغربة -وقوفا على بيت عنترة- عميقة، وليست جديدة في مخيالنا، ولابد أنّ سوسها أكل من قديم قدرتنا على ضبط معاييرنا، وإلاّ من أين لنا هذا الاستعداد للاستسلام للصمت، والاِنكفاء على أنفسنا متّهمين إيّاها بقلّة المتابعة، وعدم الإلمام بالنظريات والطرق الجديدة للكتابة، التي تتطلّب -في اِصطلاح الكثيرين- الغموض، وكلّ ما يستعصى على التفسير، وفتح معابر النّصوص والوصول إلى عطورها، وجواهرها؟
ومن أين هذه الشكوك والاِحباطات التاريخيّة التي تجعلنا نرضى بما تجود به موضات الكتابة بحجة الحداثة وما بعدها ولو دمرت قناعاتنا عن الجمال والحق التي يلبسها النقد الجديد ألبسته إنما لا يتخلى عن جوهرها؟
وهو ما نجده ونتمسك به حين نلتقي بعض متبقاه في كتب بقدر ما تفاجئنا، بقدر ما تزيد تشوّشنا بوجودها إذ إنّها ما تزال تحمل بين طيّاتها روح أصحابها، وآلامهم، وآمالهم، ويومياتهم التي نقاسمهم إيّاها ولو بعيدين عنهم، إنّ هذه الكتب تبلبلنا ونحن نستعيد الإحساس بأرجلنا على هذه الأرض العجوز التي مازلت تحلم وتتزيّن للحياة برغم الغياب، والعذاب الذي يجرّعه الإنسان لأخيه الإنسان، ليسميه حياة صعبة!

أمّا الشاعرة الجزائرية نـوّارة لحـرش، فتسميها الاستمرار في "مكان" غير آمن، قابل لكلّ الرجّات والتوقّعات وهو ما يحمله مضمون عنوان ديوانها الجديد الصادر سنة 2016 في طبعة أنيقة من القطع الصغير عن دار "الوطن اليوم" بعنوان "كمكان لا يعوّل عليه".

الغلاف

غلاف الديوان صورة كرسيّ فارغ مقلوب لا تظهر أرجله، كأنّما الشاعرة في حركة واحدة تلوم الغائبين، وتحاول تجاهل ألم فراقهم بالأمل والأمنيات التي تسقيها داخل غرفة الحروف الآمنة.

تشرع نوّارة لحـرش في تقشير الفجائع التي تسبّب فيها الإنسان، وبكلّ هدوء تنكأ جرح الذرائع التي يتوسّلها لتبرير قسوته سليلة خوفه وريبه، فتختار لهذا الديوان المتناص مع مقولة ابن عربي "كلّ مكان لا يؤنث لا يعوّل عليه" قصائد على غير ما عهدنا منها نثرية تعجّ بالأسئلة والموسيقى. ومع أنّ بوح الشاعرة فيه ينساب على بساط الأوراق إلاّ أنّنا نلمح بعض متبقى سيطرتها وتحكمّها خوف أن ينفلت منها ما لا ترغب قوله كما يظهر بين الحين والآخر في بعض التعابير المنطقية، التي في تحليلي تتوّغل بنا في تأكيد أنّ الشاعرة أمام صدقها وخشوعها في محراب الحروف لا تحب لبعض التفاصيل أن تتمرّد عليها أو أنّها تريد الوصول إلى وجهتها بطريقتها وأسلوبها:
"أتمدّدُ في اللّغةِ
معصومةً منَ الهناتِ وبعضِ الأخطاء".(24)
وربّما يكون ذلك من حقها إذ إنّها تسوي عوالقها مع الحياة، وتتعامل معها كمن يريد أن يبيع آخر ما يملك ويرحل بعيدا إلى عزلته وهمّه متحمّلا مسؤولية خيباته، متقبّلا قسوة رهاناته. ومع ذلك حين تحب أن تقول فبلا مواربة وببساطة نفتقدها في قراءة الكثير من الشعر اليوم؛ ودون أن تتسلّق الغموض، أو تلتف ببعض الأفكار المستهلكة عن ضرورة الظهور في شكل غريب أو صادم تأكيدا لشاعريتها، ودون لفت الانتباه؛ فعَينُ حدسها الشعريّ تكاد تكون كشّافا يرينا تلك التفاصيل الصغيرة الموجعة، وتلك الأمنيات والخيبات التي سبّبتها قلوب عوّلت عليها أو ظنّت فيها المتّكأ والحضن:
"أتبيّن أنّ القلبَ تماما بمُحاذاةِ الأذى
يُتَمْتِمُ منْ تعبهِ الفادحِ أو يَهْذي..."(ص43)
وهي بهذه التقنية تبدّي لنا كيف أنّ الحياة التي جرحت أنوثتها لا يعوّل عليها، تماما صنوَ الحياة التي رآها ابن عربي لا يعوّل عليها لأنّها تبخس الإناث ما يستحقون من آمانِ وأمنيات وأغنيات حلمن بها صغيرات:
"كنتُ لا أغادرُ نهاري إلاّ إلى أحلامٍ
مُتزاحِمَةٍ في البالِ
كنتُ لا أغادِرُني إلاّ إلى غدٍ يلوّحُ لي من شرفةِ
خيالاتٍ شاهقةِ الغِبطةِ" (31)
وتؤكّد أنّه بقدر العلوِّ كان السقوط موجعا، لعلّ هذا يتأكّد في السجّل اللّغويّ للشاعرة حمّال الألم والوحدة: "حين يُهرع اللّيل كعادته، لينهشها وينُشّني عنها، أفتح قميص اللّغة أنزوي فيه كما لو أنّه جنّتي...، وحده قميص اللّغة، وطني ومنفاي. ووحدها العزلة العالية، هويّة واِنتماء.. اِتكأت على دمعتي المشرئبّة بغابات حزنها، اِنطفأت، أشجاني، مقلّمة الغبطات، الحسرات إخوة العزلة، والدمعات سلالة نبيلة وملائكة، لوحّت بسرب غصّات...".
وهو سجّل كما أشرنا أعلاه بسيط في اِختياراته اللّفظيّة، وصوّره التي تؤكّد اِنغماس الشاعرة في اليوميّ لاِمرأة لا تنفشُ شعرها ليُقال عنها متحرّرة، ولا تستفزّ ذوق القارئ المكبوت بألفاظ شهوانيّة كي تتجذّر في النضال والبوح لأنثى مدحوسة تحت قدمي الحياة الصعبة، فتقول يومها وواقعها بلا تصنّع، وبلا هروب من تلك اليوميات التي تنسى فيها جسدها وحلمها وذاتها:
"أتسلّقُ نهاري مرتعدةً
لا مرايا تضيءُ ملامحي، لا حكايا تُهدهدُ اللّيل" (18)
أمّا الصوّر التي ظهر فيها ذكاء الشاعرة في القبض على القارئ إلى النهاية، بإخراجه من موسيقى الاكتئاب والحزن؛ فمنسوجة من خيوط الحياة اليوميّة أيضا؛ ويمكن لأي إنسان آخر أن يعيشها ويسردها في حافلة، أو قاعة انتظار، دون أن ينتبه إلى أن يخيط منها هذه المعاني، إلاّ إذا كان يملك من الحسّ الشعريّ والوعي الذي يكون لشاعرة تعمل على تطوير لغتها وأدواتها في صمتٍ وانتباه، فتلتقط بحواسها الرقيقة جمال ما يحيط بها وإن كان روتينيا.

فديوان "كمكان لا يعوّل عليه" يعود بنا إلى عصر الرومانسيّة، ويأخذ بيدنا خارج هذه السرعة والأتوماتية التي سرقتنا من أحلامنا التي تسميها لحـرش "جحيما" سرُّه "كبسة زر تغلق العالم... وتعبث بأقدار الدمى"، بصوره المصنوعة من أزرار ومعاطف تارة، ومن الحدائق والمزهريات والأصص تارة أخرى، ومستمدّة من نهر الموسيقى الأسيل، وكمنجاته التي تنبت من بين أزهار حزننا تارة ثالثة. فها تعيد لنا "الأنين" في شكل:
"ثمرة مرّة تكبر في آنية من نشيج قديم".
وتركّب يدا للبرد أخذها من يد تلميذ لسعته برودة الشتاء: إذ "يخربش على كراسة الدفء، لـ"يلطّخها بأبجديات من زمهرير
وبحبر آثم"!
وإذ نذكر الحبر والأبجديات فإنّما تكون فرصة لكشف أنّ اللغة/الكتابة هي الفراش الذي تتوسّده الشاعرة لأسئلتها وحيرتها، وما الحروف إلاّ الغطاء الذي تلتحف به لتتدثّر من كلّ برودة الحياة الخائنة، وهي لا تعرف بذلك أنّها تحفر لكلماتها مكانا في مشهدنا الشعريّ، بعيدا عن التهويلات اللّغوية التي تسرق منّا الشعر، وتحاول أن تقف دوننا وتقفي حجره؛ بل تفتح لنا سيّاج صمتها لندخل براريه بهذا السؤال:
"لو مرّة سقطتُ سهوا من شجر المعنى
كيف للعصافير
أن تفتح قميص الرفرفة
في أمزجة السماء؟ (ص6)
فلا غرو أنّ الكتابة قوّة نوّارة، وقدرتها على قول ذاتها، وجسر تحرّرها من كلّ خوف فقد اعترفت لنا –في مكاشفة ليست عزيزة- أنّ المكان خائن الود علّمها أن تنزوي إلى ملاذ آمن هو اللّغة: "قميص اللّغة وحده الكفيل بما لا تسعه الحياة"(ص8)
فاللّغة لا محالة تشرّع القلب، والحلم على الآتي وتحرّر الرؤيا من الضيق، والخيانة، والحبس الذي تقابله الشاعرة في أزقة حياة خاذلة بكلّ صلافة، لتحدّجها بعينين عميقتين لا تلومان ولا تستدران العطف:
"أهدرت الكثير من الوقت
وأنا أرقع ندوبا تزدهي بحياةٍ ضالة عن قاموسها
عنوة
أهدرَتني دون جدوى".(39)
بهذا الديوان تفتح الشاعرة نوّارة لحـرش تجربتها الشعرية على الحياة مرّة أخرى، وتبقى كما في دوانيها السابقين "نوافذ الوجع"2005، و"أوقات محجوزة للبرد" 2007، وفيّة للشعر، والإنسان بألمه، وحاجاته التي لم يمحها كلّ التنظير الذي طال الشعر والكتابة، فلا تجري وراء ما يطلب القارىء، ولا ما يثير أقلام النُقاد من الخوض في الطبوهات التي يظنونها تخلخل البنيّة العقليّة لمجتمع مازال يرفل في قسوة يسلّطها على نفسه، وبالتالي على الإناث اللّواتي يمضين مغتربات إلى نماذج لا تشبه معاشهن، إلاّ القليلات المشبعات بالوعي والحسّ، أولئك اللواتي يملكن تصوّرا حقيقيّا عن سوداوية الوضع، ويتحدينه مع ذلك بإيمانهن أنّ الفن بحفره المستميت الهادئ يسهم في إعادة تشكيل زاوية ما من الحياة التي عدّتها الشاعرة "جوربا قديما" إمعانا في الإنقاص من شأنها، وعدم الاِحتفاء بما يغري بعض البشر فيها، وهي بذلك تكشف عن حكمة الأنثى التي تخذلها الحياة فتتمسك بها أكثر، فتزيح قرونا من الأفكار الجاهزة بباقة من الكلمات الرقيقة تكاد تقفز طفولة وحلما.
-----
ياسمينة بريهوم
(كاتبة من الجزائر)

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]