"كعك العيد" من علامات الهوية المصرية.. وظاهرة اجتماعية- ثقافية تضرب في أعماق التاريخ

24-6-2017 | 17:39

صورة أرشيفية

 

أ ش أ

بقدر ما يشكل " كعك العيد " مظهرا من مظاهر البهجة ال مصر ية في الاحتفال ب عيد الفطر فإنه يومئ أيضا لهوية ال مصر يين وتراثهم وتاريخهم الثقافي .


وفي مصر "أرض الكنانة" تتجلى العلاقة بين ال ثقافة والغذاء والهوية في تلك الأيام المباركة أو التي يصفها التعبير ال مصر ي الدارج والعبقري "بالأيام المفترجة"، بينما يجمع كعك العيد الذي يعد من أهم ملامح عيد الفطر المبارك ما بين مظاهر البهجة وعلامات الهوية .

ومع أن بعض الطروحات تربط بشدة مابين الحقب الطولونية والإخشيدية والفاطمية في مصر و كعك العيد كما تتردد الروايات حول " كعك العيد الذي كان يحشى أيام الأخشيديين بالدنانير الذهبية" فإن هناك طروحات ترجع بالكعك إلى الأعياد في عصور مصر القديمة وأيام الفراعنة، كما توضح رسومات وصور على مقابر طيبة ومنف.

وإذا كانت "حالة الاستنفار"، التي عرفتها البيوت ال مصر ية في أيام خلت قبيل عيد الفطر لإعداد كعك العيد قد تراجعت نسبيا قياسا بالماضي، فإن هذه "الحالة من الاستنفار المبهج" مازالت تشكل مددا لكتابات بمداد الحنين للأيام الخوالي.

 أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتورة نيفين مسعد تقول إن الكثيرين منا عندما يستحضرون ذكرى العيد "تأتي على بالهم لمة العائلة والجيران لصناعة الكعك البيتي والبسكويت ولم تشذ أسرتي التي تنتمي للطبقة الوسطى عن هذا التقليد في شيء".

وتستعيد الدكتورة نيفين مسعد وقائع "استئجار الصاجات من الفرن المواجه لبيت أسرتها في حي المنيل" مضيفة :"كان نقش الكعك طقسا مبهجا لنا نحن الأطفال كل البهجة، كنا نزاحم الكبار حين يفترشون أرض المطبخ وننهال عليهم ب آسئلتنا وأيضا بطلباتنا".

وتقول :"كنا نصر على أن ننقش البسكويت على شكل نجوم أو طيور وفي كثير من الأحيان كنا نفسد الصنعة وكانوا يتسامحون معنا. هذه الذكرى موجودة في إحدى زوايا الذاكرة لا تبارحها وهي تلح علي حاليا وأنا اقف في الطابور في انتظار شراء كيلو من الكعك الجاهز".

وتذهب بعض الكتابات التاريخية إلى أن ال مصر يين القدامى عرفوا في أيام الفراعنة نحو 100 شكل من نقوش كعك وأقراص الأعياد ومن بينها "اللولبي والمخروطي والمستدير والمستطيل".

ومع أن التطور أفضى لابتكار أنواع جديدة من الكعك لم تكن معروفة من قبل وحاول تقليص السعرات الحرارية الضخمة لهذه الحلوى المحببة فإن نيفين مسعد تؤكد على أن "كعك الستينيات كان ألذ ومذاقه كان أطيب والأهم أنه كانت بيننا وبينه علاقة حميمة فقد ولد على يدينا وخبز أمام أعيننا ولسعت حرارة صاجاته أصابعنا ونحن لا نصبر على رزقنا كما يقول لنا الكبار ونتعجل استكشاف كيف تحول الدقيق إلى حلوى شهية".

"إنها روائح العيد تهل علينا بذكرياتها وناسها الذين ذهبوا من سنين طويلة وما زالوا يعيشون فينا" كما تقول الدكتورة نيفين مسعد في طرحها المعبق بالشجن والحنين للأيام الخوالي معتبرة أن "العيد الصغير هو العيد الأكثر إثارة لأنه يروي العطش ويرتبط بالحلوى".

وإذا كان ال مصر يون قد أبدعوا في صناعة الحلوى التي تجاوز عدد أنواعها في عصورهم الوسطى 50 نوعًا حسب كتابات ودراسات تاريخية، فإن "سوق الحلاويين" عند "باب زويلة" في قاهرة العصور الوسطى كان يتحدى كل أسواق العالم بمعروضاته من ألوان وأصناف كعك العيد وتلال الحلوى.

وبصورة عفوية وتلقائية يشكل تبادل كعك العيد بين الأسر ال مصر ية نوعًا من التواصل الحميم الذي يميز الحياة ال مصر ية ويجمع ما بين كل ال مصر يين، وهو طقس دال من طقوس ال ثقافة ال مصر ية وموروثها الحضاري وصورها الذهنية وتجلياتها في واقع الحياة اليومية.

والأمر هنا في مصر الخالدة قد يشكل نموذجا هاديا لكاتب غربي مثل الكاتب الايطالي ستيفانو بيني الذي تناول في طرح بعنوان "الطعام والتعايش" الدور الذي ينهض به إعداد الطعام وتبادله أحيانا كهدايا بين العائلات المختلفة في تعزيز المناعة المجتمعية وترسيخ بنية المجتمع و"بث الألفة بين كل من يعيشون تحت سماء واحدة في بلد واحد".

وفيما يقول ستيفانو بيني :"إذا نجحنا في أن نشم رائحة مطبخ الآخرين وأن نعرف شيئًا عن تراثهم فقد تمضي الأمور على نحو أفضل؛ "فالطعام في ال ثقافة الغربية كما هو في ثقافات عديدة يقترن بقدر من البهجة كما يؤشر كتاب صدر بالانجليزية لكين الابالا وعنوانه "قارئ تاريخ الغذاء:مصادر أساسية" والمؤلف مؤرخ متخصص في تاريخ الغذاء وهو في هذا الكتاب يتطرق طقوس البهجة عندما يجتمع البشر معا لتناول الطعام كما يتحدث عن اتجاهات الثقافات المختلفة حيال الغذاء.

ويوضح كين البالا أن "الغذاء يساعد في تعريف الهوية" فيما التاريخ الغذائي لمجموعة إنسانية ما يكشف الكثير عن ثقافتها ويتوغل من منظور تاريخي ثقافي في الوان الطعام لأرض الرافدين و مصر القديمة والإغريق والرومان وانجلترا في العصر الفيكتوري محتفلا بحب الإنسان للطعام عبر الزمان والمكان.

ولاريب أن كعك العيد كمظهر من مظاهر البهجة يعبر عن احتفال ال مصر يين بالحياة بقدر مايشكل ظاهرة اجتماعية- ثقافية تضرب في أعماق التاريخ وتعبر عن الهوية في تجلياتها الثقافية الغذائية.

وإذ تفيد بيانات منشورة أن نسبة إنفاق الأسرة ال مصر ية على الغذاء يصل لنحو 36 بالمائة من إجمالي دخلها.

ولئن احتفظ متحف الفن الإسلامي في القاهرة بقوالب لصناعة الكعك تحمل عبارات دالة مثل :"كل هنيئا واشكر" أو "كل واشكر مولاك" ففي الموروث الشعبي ال مصر ي يكتسب رغيف الخبز أهمية كبيرة ويقترن أيضا "بالمؤاكلة بين الأصدقاء والخلان" أومفهوم "العيش والملح" الذي يحفظه الأوفياء ويجحده الذين لايقيمون للأخلاق الكريمة وزنا أو اعتبارا .

وللعالم والفقيه ال مصر ي الكبير جلال الدين السيوطي كتاب بالغ الطرافة عنوانه " منهل اللطايف في الكنافة والقطايف", وهذا الكتاب وضعه العالم ال مصر ي الكبير الذي توفي في القاهرة في شهر أكتوبر عام 1505 وكان نموذجا للمثقف الموسوعي في زمنه في سياق شكوى عامة لل مصر يين من ارتفاع الأسعار ومن بينها الحلوى .


وهكذا قال جلال الدين السيوطي ضمن ما قاله عن الكنافة والقطايف في هذا الكتاب رافعا شكوى ال مصر يين للمحتسب :"لا عيب فيها غير أن محبها يبدد فيها ماله ويضيع" ويزيد القول:"ما قاضيا بالله محتسبا عسى ترخص لنا الحلوى نطيب ونرتع"!!.

ولئن أفادت بيانات لمنظمة التنمية الصناعية العالمية "اليونيدو" أن مصر تحتل المركز التاسع في قائمة أكثر دول العالم تصديرا للتمور رغم أنها تحتل المركز الأول بقائمة الدول المنتجة فمن الطريف أن تنشر صحيفة نيويورك تايمز موضوعا عن التمر كغذاء رمضاني أصيل وأن تتحدث جوليا موسكين في هذا الموضوع عن "التمر بالكريم والفستق المبشور" وتستعرض انهماك ربات البيوت العربية في افانين المأكولات الرمضانية.

وتقول الصحيفة الأمريكية الشهيرة، إن التمر علامة رمضانية أصيلة كما أنه يوحد غذائيا كل المسلمين مهما تناءت أماكن إقامتهم في الدنيا الواسعة مشيرة إلى أن النخيل وهو مصدر البلح يرمز ثقافيا للحفاوة والكرم والطمأنينة والسلام.

والتمر يدخل أيضا في صناعة كعك العيد فيما توضح كتابات تاريخية من بينها كتاب "لغز الحضارة ال مصر ية" للدكتور سيد كريم أن ال مصر يين القدماء كانوا يقومون بحشو كعك أعيادهم بالتمر المجفف "العجوة"، كما أن عسل النحل كان يخلط بالسمن ويقلب على النار ويضاف للدقيق ويقلب حتى يتحول إلى عجين يسهل تشكيله على أي نحو.

ووفقا لأرقام معلنة يقدر عدد النخيل في مصر بنحو 15 مليون نخلة ويصل إنتاجها من التمور إلى نحو مليون ونصف المليون طن سنويا فيما تنتشر زراعة النخيل في ربوع ارض الكنانة من السلوم حتى اسوان ناهيك عن ارض الفيروز في سيناء وواحة سيوة ومحافظة الدقهلية وهي من المحافظات ال مصر ية التي تنتشر فيها زراعة النخيل بكثافة عالية.

ولفتت النيويورك تايمز إلى أن المسلمين في كل أنحاء العالم يحرصون على بدء إفطارهم بتناول التمر تأسيا واقتداء بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فيما تتفنن بعض الفنادق والمطاعم التي يرتادها المسلمون في الغرب في تقديم التمر بصيغ متنوعة وحداثية غير أن المبدأ الرئيس يبقى :"لا إفطار بلا تمر" كما أنه يحق القول في الحالة ال مصر ية :"لاعيد بلا كعك".

وإذ يسعى بعض مشاهير الطهاة العرب لتقديم الأطباق التقليدية في قالب عصري وانتقل بعضهم لكبريات مدن الغرب مثل لندن ونيويورك وباريس وباتوا معروفين في أوساط "ذواقة الأكل" حتى باتوا في الواقع "سفراء للأطباق العربية في الغرب" كما يتجلى على سبيل المثال في تناول صحيفة نيويورك تايمز للمأكولات الرمضانية فقد يشكل " كعك العيد " كما أبدع فيه ال مصر يون جسرا أخرا للتواصل بين الثقافات الغذائية للشرق والغرب.

والكعك علامة ثقافية دالة على الهوية ال مصر ية واحتفال ال مصر يين ب عيد الفطر كما هو الحال في احتفالات عيد الميلاد وبداية العام الجديد في الغرب حيث تشكل "الديوك الرومي" عنصرا لاغني عنه في موائد تلك الاحتفالات كما أنها تدخل بعمق في الموروث الشعبي لثقافات الغرب وخاصة في الولايات المتحدة.

ولعل كعك العيد في مصر يلهم بمزيد من الكتابات الثقافية والكتب كما فعلت كاتبة وقاصة من "ابناء العم سام" عندما أصدرت كتابا عن " أجنحة الديوك المشوية !!..أنها كريستين ارنيت التي أصدرت مؤخرا كتابا عنوانه : " كيف تأكل أجنحة الدجاج" !.

وهو كتاب ليس من كتب المطبخ بالمعنى التقليدي وانما يجمع بطرافة مابين النظرة العلمية والمعالجة الثقافية وحتى الذكريات والتحيزات والميول الغذائية ومن يقرأه سيعرف قبل ان يلتهم جناح دجاجة كل شيء عن هذا الجناح الشهي ومفصلاته وموصلاته واوتاره التي تصافح غضاريفه وعناق اللحم والعضم !.

والمؤلفة كريستين ارنيت وهي قاصة وكاتبة مقالات في الصحافة الأمريكية تتحدث في كتابها عن علاقة حب-كراهية تربطها مع هذه الأجنحة المشوية وتحكي عن مطاعمها المفضلة في أجنحة الدجاج وذكرياتها عبر السنين وأفضل الأطباق والمشهيات المصاحبة من وجهة نظرها وحسب ذوقها أو ثقافتها الغذائية.

أما ال ثقافة الغذائية ال مصر ية فتولي " كعك العيد " مكانة عزيزة في الذاكرة والواقع معا..فرحة تنادي أهلها بعد صيام الشهر الفضيل وحكايات حميمة لشعب كريم..انه " كعك العيد "، الذي يوقظ الذاكرة ويجمع مابين التاريخ واللحظة ال مصر ية التي ترفع الحلم سقفا وتعانق الحياة لونًا لونًا!.

اقرأ ايضا:

[x]