"سِرُّ البقاء".. لغز الإنسان في قصص موجزة

22-6-2017 | 15:28

 

بحزن ينتشل الكاتب عامر فرسو أفكاره ويترجمها لقصص قصيرة جدًا اختار لها عنوان "سرّ البقاء". هذا العنوان الذي جاء اختصارًا و تكثيفًا للغز الإنسان منذ الأزل مرورًا بأسطورة الخلود وأسرار الموت، عن الإنسان حين يراه سماءً مفتوحة للحريّة، الحبّ، السّلام، الحكمة، العطاء والطبيعة، عن نفس ذلك الإنسان حين تشوّهه السّلطة، الحرب، القيود، السجون، والانتهازيّة.


بحزن يتناول هذا النوع المتميّز والحديث من الأدب ليعبّر من خلاله عن آلامه والمسامير التي تدقّ في روحه وهو يرى نبوءة الحرية تجهض على يد تجّار المكاسب وصراعاتهم ولتتكسر"... الأصابع التي تنازعت على أحقيّة وأفضلية قيادة الرّسن...". في قصته "المبشّرون".

في هذه القصة نلاحظ كيف استخدم الكاتب خاصية الترميز ووظفها في خدمة الفكرة الأساسيّة لقصّته التي يمكن تسميتها أيضًا بالقصة الومضة. يُشرِكُنا معه، مع شخوصه المتخيّلة يحمّلها جرحًا يعدّ على الإطلاق أخطر ما يواجهه الإنسان في هذا القرن في قصّته الإرهاب".. والماء سال مع دمه على تراب البلد الآمن, وساد صمت صاخب. " باثنتين وخمسين كلمة تهزّ وجدان القارئ على امتداد الألم والموت.

يدهش الطاغية الذي "مات غيظًا ولم يعرف سرّ أجنحة القصائد"، حين يحوّل القصائد إلى طيور لها أجنحة ترفض القيود وتحلّق رغم أنف الجلّادين إنّه في الوقت نفسه يحلّق بالقارئ إلى فكرته بلغة متمكنة معتمدًا التقديم والتأخير للكلمات ومقتصدًا فيها ودقيقًا في إيصال فكرته.

في الوقت ذاته ينتقد الكاتب ذلك التشبث المرضي بالسلطة ويسخر من هؤلاء ويؤكد على أن الكرسي ذاته هو الذي سيقرر نهاية مؤلمة لصاحبه، في "الكرسي" حين يلفظ الطاغية أنفاسه الأخيرة تحت قوائمه"، موقفه ثابت من السلطة حين تكون مستبدّة في: الصحفي، المواطن المثالي، مرض الحاكم، حكاية الأسوار، قوائم العرش، إنّه حتمًا يراها تلك السلطة التي تشوه الإنسان، موقفه من السلطة حين تسلّم "مفاتيح البلد " للمتاجرين به .. إنّه يراها حتمًا خائنة، موقفه أيضًا من الصراع من أجل السلطة وضياع القانون في كلمات منسيّة، هو حمورابي الحزين يحمل رقمه الغابرة ولا يموت.

يؤكد على حلم الإنسان الدائم بالحرية في "رؤية" حين ".. تنهار الجدران ويصبح السقف سماءً..." بقفلة مؤلمة تقتل الأحلام على عتبة الواقع حين يقول "وفي العتمة استفاق"، تتوهّج مرّة أخرى روحه التوّاقة للحريّة في "سر السماء" فيعتمد أنسنة العصفور الذي يحدّث الفتى عن سرّ السّماء ليفتح آفاق الإنسان و يحرّره من أفكار التملك البائدة ويحرّضه على التأمل وإدراك أن مفهوم الحياة والحريّة أكبر وأجلّ من القيود.

إنّه لشدّة عشقه للحرّيّة يجعلها عنوانًا صريحًا واضحًا لإحدى قصصه، هو الساخط على كل ما يقيّد الإنسان، يتجلّى سخطه في "ممنوع"، وذلك "الحارس" سجين الأصنام يحرّره الكاتب حين يراه يحطمها على عتبة الحرية.

لا ينسى الكاتب أبدًا مأساة الكردي المهدورالذي لم يعترف بكيانه القانوني في وطنه يغلّفها بقصصية وتكثيف وشخوص في "حكاية " مع الحفاظ على وحدة الفكرة وخطورة الموضوع وهي الحرمان من الجنسية في الوطن ونيلها في بلد غريب، يرتقي الحزن بأفكاره في "ناسياً عشقه"، يتأمل زهرة عبّاد الشمس, تومض لديه فكرة أنسنة تلك النبتة، يتخيل إنسان هذا الزمن واقفًا أمامه والأحزان قد أثقلت رأسه لينهمك بجوعه مثلًا و يـنسى عشقه لمفاهيم الحريّة المتمثلة بالشمس. هو الذي يحدثنا عن الإنسان المهدور أيضًا في: الهرم, مذكّرات، الموظف، المواطن المثالي، وميض العتمة، الزنيم واللقيط، تصل إلينا خلجة قلبه الباكي على ذلك الإنسان، المفجوع به.

هو نفسه يحدّثنا بومضة أخّاذة عن الحكمة والأمل وأن الأمل هو الأقدام التي تمكّننا من الوقوف دائمًا في وجه الريح، في "المقايضة"عن الأثرياء والمتملّقين في "المليونير والبعوضة"، عن الأوطان والحدود المرسومة بالدم في قصته خرائط، وكأننا نلمس روحًا توّاقة للحياة الأولى، حياة المشاع والبراءة الأزليّة، عن المقاومة وأبطالها في "قبضتان"، عن المتسلقين في "أكتاف" و"الفجر"، عن مسرحية الحياة وسخريتها وانتهاء صلاحية هؤلاء والنفوس التي تباع وتشترى، عن الحق والعدل بل عن القيم المطلقة في "قصر العدل، التوأمان، وحوار مقتضب.

يلجأ للمفارقة ويستعين بالنحلة، ذلك المخلوق الرقيق النشيط ليسخر من أحكام البشر على البشر في قصته "عسل"، كذلك يلجأ للحيوانات كالحمار في قصته "زائر" ليسرد فصلًا آخر من فصول أحزانهم والقيود في حياة المدنية الباردة المرادفة للخنوع والموت، النجوم وربط خياله بحكاياتها، وربطها بأقدار البشر, البشر الذين -رغم الموت- لا ينساهم أبدًا في "نجمتكِ"، المشاعر المزيفة في زمن مزيّف واستجداء دائم لنقاء الزهور والبراري المتواشجة مع روحه، لابتسامة جوكندا البسيطة الساحرة في "ابتسامة"، إلى جانب كونه كاتبًا فهو أيضًا ذلك الفنّان والرسّام والنحّات الذي يريد الحياة للجماد قبل الكائنات, يكره الجمود والسلبيّة، هو الخالق للروح في قلب الأشياء الباردة, في "لوحة غير صامتة" يستجدي خيال شخص مازال يعايش روحه المنثورة في زوايا بيت على جدرانه صور ثائر اسمه جيفارا، نبات صبار, آلة عود، اللوحة لم تكن صامتة كانت روحه تبكي فيها، يحملنا لمدينته في غموض تضاد المعنى والكلمات بين ضجيجها وصمتها!

يحزن من غزو الإلكترونيات لمشاعر البشر هو الذي يمجّد ديناميكية الحياة, يحزن من هذا الكم من الآلات التي كان أصلها إنسان في "من الشرفة"، عن العِلْم الذي في الصغر في "تداعيات" و"النصيحة"، إنه يحتضن الطفولة ويؤكد على احتوائها، ويربّت على كتفها بيد المعلمة المتسامحة مع الطفل الشقيّ, المعلمة التي تربّي جيلًا من الأطفال على التسامح في قصته "طفولة"، عن التناقضات التي نعايشها معه بألم، عن المفارقة بين الكتاب المدان حامله والمخدّرات التي تُفتَح لها الحواجز في قصته "الوافدون"، عن الحرب التي يمقتها, ووجودها البشع في حياة البشر في ومضة "الرّاء".

يأخذنا لعالم الكتب ومقاربتها من عالم البشر في "التركة", يهوي بنا لواقعه المزري و"كيف باتت " .. باقي الكتب من الرِّوايات والقصص ودواوين الشِّعر والمجموعات المسرحية وكتب النقد وكذلك المعاجم المختلفة وكتب التراث النفيسة فقد آلت للخدم الذين باعوها بالوزن إلى باعة مكتبات الرصيف! يعرّي الإنسان, يضعه في مواجهة ذاته وما اقترفت يداه من جرائم السجون والمقاصل والبوارج، يحمّل أجنحة الفراشات أحلامه, الراحلة نحو الشمس "... مفضلةً الموت على تركة الإنسان".
في "لماذا" الاستنكاريّة, بكل رهافة يحمل الأنثى الرقيقة الحالمة, لكن الرصاصة تخطفها بين يدي أنغامها ليصمت كل ذلك الألق بنهاية موجعة "... وغسلنا العار".

في "البطل" يقول لنا الكاتب إن الجرح هو الجرح الذي ظل في الظهر وإن الخيانة من وجهة نظره هي خيانة الصديق للصديق وإنّها مقياس هزائم الإنسان وانتصاراته. عن المحارب النبيل في "أمنيات الجدران", المحارب الذي لم يظفر من الحياة سوى بأقدام صناعيّة ووطن ضائع! يحدّثنا عن أؤلئك المقاتلين الذي تركوا السهول وأحضان الأمهات ليحاربوا من أجل كرامة شعب. عن ذلك المقاتل الذي عثر مؤخرًا على توسّلات أمّه له بالعودة في "رسالة قديمة"، أمّه التي ماتت بعيون تترقّب عودة ابنها الـ"مقاتل"!
يقارب الكاتب أيضًا بين العتمة والنور في "سقط سهوًا", لتتجلّى إشراقة الفكر النيّر أمام تحجر العقول المريضة بالسلفية, إنّه يحلم بأن تشرع النوافذ "علَّها تحظى بزهرة ما، بلون ما، بلحن ما، بكلمة ما...".

في بحثه الدائم عن السّلام يكره القتلة والطغاة يجدهم مرضى ومهزومين رغم المدن والقلاع التي ينصبون راياتهم فوقها في "مرض". في عشقه الدائم للطبيعة البسيطة وتراب التكوين, بحب يغرس نبتاته, من وجهة نظره ميت ٌذلك النبات المولود في الحدائق الصناعية والمشاعر البلاستيكية. شخوصه في قصة "حوار" قلم ومسدس مع سقوط الحاملين لهما هو العاشق للقلم ينحاز له ويجعله المنتصر بامتياز رغم موت صاحبه. في "عيد ميلاد القائد" لم يكن مهمًا لديه كل ذلك الاحتفاء. كانت نظراته لا ترى سوى حمامة تحلّق بسلام, حمامة قتلت على عتبة الاحتفال بعيد ميلاد الـ"قائد"! في "حقيقة النصر" يؤكد الكاتب أنّ النصر ليس نصر القوة بل هو نصر المنطق والحكمة حين خرّ القائد على ركبتيه واستوعب أخيرًا حقيقة النصر!
في "الشّريط الأسود" يؤمن الكاتب بقَدَرٍ ما يواجهه الإنسان برضا وقناعة.

الحبّ عند الكاتب قصص خلّاقة بنهايات مفتوحة تتعدى الواقع إلى سرمدية الكون, تتجاوز أقفاصه وسجونه لتعانق تلك الهالة المحيطة بالأبديّة, حكايات منسوجة من خيال مختلف, ممزوجة بقيم سامية بعيدة عن التملك. حكايات تخربط خيال القارئ ثم تعيد ترتيب ذلك الخيال من جديد, تربط العشق بالخلود, العشق لامرأة كانت غائبة دومًا, امرأة لم يلتق بها على امتداد المدى والأفق, يندمج بها ولا يلتقي, يبتعد عنها ولا يفترق, امرأة تأخذ بيد قلبه تمدّ روحه البيضاء بالسكينة حتى عتبة السكون الأبديّ الأبيض، قصة حب، انتحار عاشق والعاشق قصص تجسّد فلسفة الكاتب البريئة البسيطة عن الحبّ.

في هذه المجموعة تتكامل أركان القصة القصيرة جدًا: الجرأة، التكثيف، القصصية، وحدة الموضوع، البعد عن الإطالة، مع المحافظة على وهج الفكرة بلغة خاصة, شاعرية أحيانًا وساخرة أحيانًا أخرى, يسخّر فيها إمكاناته في التحليل والتركيب بين الترميز والأنسنة والتضاد, اللغة التي هي مفهوم مجرّد يوظّفها الكاتب بحرفية في قصصه, يتأنّى في بداية وقفلة كل قصّة, يدهش, يشعل خيال القارئ بعيدًا عن المباشرة , في انفتاح ووعي وإحساس عال بالألم.
--------
(*) " سر البقاء "، الكتاب الحاصل على المركز الأول في مسابقة ديوان العرب، الدورة السابعة (2016)، المخصصة للقصة القصيرة جدًا، للكاتب عامر أحمد أحمد (عامر فرسو).

(**)

شهناز عباس شيخه

(كاتبة سورية كردية)## ## ##

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]