"صرخة فرج فودة".. صوت "النذير" ما زال يتردد

15-6-2017 | 19:51

 

هناك إشكالية تواجه الخطاب العلماني عند تناول أية قضية، وهي الإشكالية التي تتعلق بمسألتين: الأولى مدى ارتباط القوى السياسية – النظام الحاكم أو المعارضة- بالأصولية الدينية، والثانية هي مدى ارتباط المؤسسة الدينية الرسمية نفسها بهذا الفكر، وإن كان ثمة فروق بينهما. هذه الإشكالية كان على الكاتبين شعبان يوسف و عزة كامل مواجهتها في

هما " فرج فودة .aspx'> صرخة فرج فودة " الصادر مؤخرًا عن مؤسسة "بتانة" للنشر.

ويأتي صدور ال كتاب مزامنًا للذكرى الخامسة والعشرين لاغتيال فودة، ويأتي أيضًا مزامنًا لحدث جديد على الساحة الثقافية المصرية، وهو إحياء وزارة ال ثقافة لذكرى اغتيال فودة، وهي المرة الأولى منذ اغتياله.

هذا القرار من وزارة ال ثقافة المصرية ربما يدعو للتساؤل حول ما وراء القرار، بين من يراه نوعًا من المواجهة السياسية التي تخوضها الدولة ضد التيار الديني، ومن يراه تحركًا جادًا في سبيل مواجهة المد الديني. وهذا التساؤل أيضًا يلقي بظلاله على ال كتاب ، حول ما إذا كان رغبة حقيقية في تحليل المشكلة ومواجهتها، أم هو مجرد استدعاء تقليدي لشخص فودة كسلاح سياسي أيضًا.

يجيب الكاتب شعبان يوسف عن  السؤال مبكرًا، في الصفحات الأولى من القسم الخاص به، حين يحاول الوقوف على مفتاح شخصية فرج فودة – إذا استعملنا منهج العقاد في عبقرياته- وهو، كما يرى يوسف، الرومانسية، التي تتجلى في احتفاء فودة بما يعرف بالحقبة الليبرالية، أو مصر الملكية، التي ربما غيبت عن ذهنه العلاقة بين النظام السياسي والفكر الديني.

"وهنا نجد أن فرج فودة نفسه يعلي من شأن ليبرالية ذلك العصر، وهذا النزوع ينبع من رومانتيكيته أو أحلامه على الأقل. . ."

هذه الرومانسية دفعت فرج فودة إلى الظن بأن السلطة السياسية في الحقبة الليبرالية، المتمثلة في الوفد وزعيمه سعد زغلول، كانت منفصلة تمام الانفصال عن السلطة الدينية، وهو ما سمح بصدور كتاب كـ"الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق.

"أما السؤال الذي أسأله هنا ل فرج فودة الرومانسي والشجاع ولكل الباحثين الذين كتبوا في ليبرالية عصر ما قبل ثورة يوليو: ماذا حدث للشيخ علي عبد الرازق بعد تأليفه ل كتاب ه (الإسلام وأصول الحكم) عام 1925؟. . ." هكذا يوجه يوسف النقد نحو هذا الفصل بين السلطتين، ونحو التصور الرومانسي لحقبة يراها فودة هي النموذج للدولة الليبرالية.

وتتوقف الكاتبة عزة كامل في القسم الخاص بها، وتحديدًا المخصص للمناظرات التي خاضها فودة ضد أنصار الدولة الدينية، عند الأمر نفسه، لتورد دفاع فودة عن الزعيم الراحل سعد زغلول، حين أشار د. محمد عمارة إلى موقفه من كتاب الإسلام وأصول الحكم، وذلك في مناظرة نقابة المهندسين بالإسكندرية في يناير 1992.

ورغم وصف اقتباس عمارة لموقف زغلول – وهو ما ضمنه مقدمته لل كتاب الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر- رغم وصف هذا الاقتباس بأنه "اقتطاع"، فإن رأي الزعيم الوفدي في ال كتاب يبدو واضحًا للعيان، وهو ما قاله في رده على سؤال سكرتيره محمد إبراهيم الجزيري عن رأيه في ال كتاب : "وقد قرأت للمستشرقين وسواهم، فما وجدت ممن طعن منهم في الإسلام حدة كهذه الحدة في التعبير. . . وإلا فكيف يدعي أن الإسلام ليس مدنيًا، ولا هو بنظام يصلح للحكم؟. . ."

الأمر نفسه بالنسبة لموقف زعيم الوفد من كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، الذي استخدمه حزب الوفد ردًا على منتقديه من أنصار التيار الديني الذين وصفوه بالعلمانية، لتنشر جرائد ومواقع الحزب هذا الرأي لتدرأ "التهمة".

موقف د. فرج فودة الذي يصفه ال كتاب بـ"الرومانسية" ربما يمثل احتماء بوفد سعد زغلول كسلاح للعلمانية، مبتعدًا بذلك عن مهمة النقد الذاتي التي مارسها على سبيل المثال الكاتب بهاء طاهر في "أبناء رفاعة" أو الباحث الراحل د.نصر حامد أبو زيد في غالبية كتاب اته، موجهين النقد لرجال النهضة الذين مثل مشروعهم مشروعًا للسلطة فلم يؤت ثماره.

يرد شعبان يوسف على فودة محاولًا إيضاح هذه العلاقة بين التيار الديني والسلطة، وكذلك الخطأ الذي يقع فيه دعاة التنوير الذين يتخذون من اتجاه سلطوي مشروعًا لهم: "ولكن الثابت أن آلات القمع والرجعية. . . قائمة وموجودة وفاعلة في شتى عقود القرن العشرين، وذلك بدعم السلطات خوفًا وتحسبًا، أو ممالأة للجماعات المتطرفة، أو استخدامًا لها. . ."

هذه الممالأة، أو الاستخدام، هي التي تجعل الخطاب التنويري المرتبط بالسلطة خطابًا غير فعال أو مؤثر؛ ربما بسبب افتقاده للمصداقية التي تسلبه إياها المواءمات السياسية بين السلطة وبين التيار الديني.

ويؤكد يوسف على وجهة النظر هذه حين يرى أن فرج فودة الذي "تخطى الأسوار الأكاديمية ليخاطب القارئ العام" نجح في ذلك بعد أن "بدا أن ذلك العقل النقدي الذي استدعته دولة مبارك كان إلى حد كبير عقلًا تقليديًا قديمًا. . . ولم يستطع أن يخاطب الجماهير مثل فودة الذي اعتمد على إمكانياته الفكرية خارج غرف التوجيه الحكومي. . .".

وفيما يلجأ فودة للحقبة الليبرالية ولتاريخ الوفد كدعم لمشروع العلماني يسير في كتاب اته، بخاصة "النذير"، في طريق انتقاد سماح الدولة للمد الديني، سواء من خلال وسائل الإعلام، أو حتى سياسيًا بدعم التحالف الإسلامي في مواجهة المعارضة الليبرالية واليسارية؛ ففودة الذي يرحب بمبادرة الرئيس السادات لعودة الحياة الحزبية يدرك أن "الجماعات الإسلامية في الجامعات قد تكونت على يد مباحث أمن الدولة. . ."

في كتاب ه المهم "نقد الخطاب الديني" الذي وسع من الفجوة بين الأزهر وبين الكاتب يوحد د.نصر حامد أبو زيد بين نمطي الخطاب الديني ". . .دون الأخذ في الاعتبار التفرقة المستقرة إعلاميًا بين المعتدل والمتطرف في هذا الخطاب. . ." ليذهب أبو زيد إلى أن ". . . الفارق بين هذين النمطين من الخطاب فارق في الدرجة لا في النوع. . ."، حيث يتفق الخطابان في عنصرين جوهريين هما: النص، والحاكمية، حسب أبي زيد.

الاستشهادات التي أوردها أبو زيد في كتاب ه ليوضح اتفاق نمطي الخطاب الديني في هذين العنصرين أثبتتها تجربة د. فرج فودة بشكل مباشر، سواء من خلال تواجد ممثلي النمطين في صف واحد في مواجهته في المناظرات (الغزالي/ الهضيبي ) على سبيل المثال، أو في المواقف التي اتخذها كل منهم بعد العجز عن إيقافه، وهي التي توقف عندها " فرج فودة .aspx'> صرخة فرج فودة "، والتي توقف عندها كذلك الحضور في الندوة التي أقامها ثقافة .aspx'> المجلس الأعلى لل ثقافة إحياءً لذكرى فودة.

يطرح ال كتاب هذا التوحد بقوة في مناقشته ل كتاب فودة "قبل السقوط" الذي هاجم فيه فودة الداعين للدولة الدينية، سواء من الجماعات الدينية أو رجال الدين المنتمين للمؤسسة الرسمية، مثل الشيخ محمد الغزالي ، والشيخ عبد اللطيف عبد الغني مفتي الجمهورية آنذاك، الذين رأوا في إعلان الرئيس السوداني آنذاك جعفر النميري السودان دولة إسلامية خطوة مبشرة على الدول الإسلامية أن تحتذي بها.

هذا التأكيد من ال كتاب على توثيق موقف كلا النمطين أو الجانبين من التيار الديني يلقي الضوء على إحدى الإشكاليات التي تواجه الخطاب العلماني، بخاصة الذي يتخذ طابعًا رسميًا بشكل أو بآخر، حين يتم تجاهل موقف التيار الرسمي بشكل شبه كامل.

". . . ونتابع بقلق التصريحات التي يصدرها شيوخ الدم مثل الراحلين محمد الغزالي وعمر عبد الرحمن، ولا نجد من يحاسبهم، ولا من يقدمهم لأي تحقيق ولا محاكمة واجبة. . . "

والملفت للنظر في هذه المواجهة بين فودة وأنصار الفكر الديني أن فودة لم يكن داعيًا لتغيير نظام الحكم إلى دولة علمانية وهو الذي أعلن مرارًا أن "الشريعة مطبقة بالفعل في مصر"، بل إن أنصار الفكر الديني، بكلا نمطيه، كانوا يدعون إلى إقامة الدولة الدينية، وهو ما توضحه مناظرة معرض ال كتاب الشهيرة، والفارق الوحيد بين النمطين أن منهم من يرى أن التطبيق لابد أن يكون بالقوة وفي الحال – الجماعات الإسلامية نموذجًا- ومنهم من يرى أن التغيير لا يحتاج لعنف وسيأتي بالتدريج – عمارة/ الغزالي نموذجًا.

يبدو ال كتاب محاولة لتعرية خطاب يحاول إمساك العصا من المنتصف، فيعلن – الخطاب- تأييده لفودة ولأفكاره في مواجهة "المتطرفين" وفي الوقت نفسه يستخدم وصف التطرف سلاحًا سياسيًا في مواجهة أحد نمطي الخطاب النمطي دون الآخر، فيما يورد ال كتاب أحداثًا مفزعة مثل وصف الشيخ محمد الغزالي فودة ود.فؤاد زكريا في الندوة التي أقيمت في مايو 1992بنادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة: "الاتنين بيرددوا كلام أعداء الإسلام في الخارج، ربنا يهديهم، وإن ما هداهمش، ربنا ياخدهم".

ثم بعد ذلك بيان جبهة علماء الأزهر للتضامن مع قتلة فرج فودة ، وهو البيان الذي دعا له الغزالي، ووقع عليه كثيرون من بينهم: الشيخ متولي الشعراوي ، ود. محمد عمارة – الذي كان مشرفًا على مجلة " الأزهر " حتى وقت قريب-، وبعد ذلك شهادة الشيخ الغزالي بأن قتلة فودة "قتلوا شخصًا مباح الدم ومرتدًا، وهو مستحق للقتل. . ."

" فرج فودة .aspx'> صرخة فرج فودة " ليس بحثًا مفصلًا في كتاب ات فرج فودة ؛ فالبحث في كتاب اته يتطلب بحثًا شاملًا في الظروف السياسية والثقافية مما لا يتسع له كتاب واحد، ولكنه يبدو محاولة للخروج من ال كتاب ة النمطية التي تستخدم شخصيات كفودة سلاحًا لغرض سياسي يستهدف حزبًا أو جماعة بعينها في معركة سياسية ضيقة، فيما تبقى المعركة الأساسية، معركة الفكر، متروكة بقصد أو غير قصد.


 

اقرأ ايضا:

[x]