نقاد وشعراء حول رحيل شريف رزق: قديس قصيدة النثر ونموذج المثقف الحر الذي ظلمه بُعده عن القاهرة

14-6-2017 | 15:25

شريف رزق

 

سماح عبد السلام

شكل غياب الشاعر والناقد شريف رزق " 1965- 2017"، صباح اليوم الأربعاء، فاجعة كبيرة، وجاء رحيل ه بعد يومين من الإعلان عن إصابته بنزيف في المخ.


تميز رزق بالبحث والكتابة وفتح آفاق مهمة حول قصيدة النثر والتجارب الشعرية الجديدة طوال ربع قرن، من خلال دواوينه وبعض الكتب والدراسات النقدية التي نُشرت ببعض الصحف والمجلات.

"بوابة الأهرام" التقت عددا من النقاد والشعراء الذين تحدثوا عن تجربته الشعرية والنقدية.

في البداية، يقول الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، إن وفاته خسارة كبيرة للحركة الشعرية والنقدية، وأتمنى من وزارة الثقافة أن تهتم بتراثه الشعري والنقدي، حيث كان الراحل على تواصل حميم بالحركتين الشعرية والنقدية، وأعتقد أن تجربته سوف تظل طويلاً في ذاكرة ووجدان جيله من الشعراء.

ويقول الشاعر والناقد د.أمجد ريان: شريف رزق ظل حتى آخر أيامه نشيطاً طموحاً يحلم بمزيد من الإنجازات، فقد أرسل لي بالفعل قبل أيام دراسة مطولة عن الكتابة الشعرية، ووعدته بأن أخبره برأيي ولكنه فاجأنا ب رحيل ه، مضيفاً: هو صاحب مشروع كبير، مشروع لا ينتهي، إذ كان يحلم بالمزيد من تحقيق رؤى جديدة حول الكتابة الشعرية.

في السياق ذاته، يرى الشاعر محمد عيد إبراهيم، أن زرق قديس قصيدة النثر وأحد المتميزين بها، وهب نفسه لدراسة هذا التيار، وحاول أن يؤسس له عبر مجموعة من الكتب والدراسات النقدية التي كان يكتبها هنا وهناك، لكن المؤسف أنه لم يجمع كل هذه الكتب أو ربما جمعها وأرسلها لأماكن ولم تنُشر بعد.

ويتابع: هذا ما يثير الأسى عليه أكثر، أنه بعد وفاته يتم الاحتفاء به، والمشكلة أن المؤسسة الثقافية لا تهتم سوى بالمتملقين، وكل شخص جاد هو بعيد عن الحسابات وهو ما حدث مع الراحل.

وأوضح الشاعر إبراهيم داود أن رزق أحد شعراء الثمانينيات الذين ظلمهم بعدهم عن القاهرة، حيث يقيم بمحافظة المنوفية، فبالإضافة إلى شعريته الناصعه وإنحيازاته الجمالية المتقدمة، كان له دور كبير كناقد ومتابع للحركة الشعرية الجديدة فى مصر لا يقل من دوره كشاعر.

ويشير إلى قيامه برصد التجارب الشعرية الجادة من بداية التسعينيات، حيث كانت له إسهامات بالعديد من الدوريات العربية، كان رجلا إيجابيا وقضيته الحقيقية في الحياة هى قصيدة الشعر التي أخلص لها.

ومن جهته قال الشاعر فتحي عبد السميع: ب رحيل شريف رزق نفقد واحداً من أبرز وأهم أبناء جيله في الثقافة المصرية، وتأتي تلك الأهمية من عدة وجوه، منها ما يتعلق بتجربته الشعرية التي قدم خلالها عدة مجموعات شعرية مهمة، تظهر فيها جديته وروحه التجديدية، وثورته على التقليد واجترار القديم، ومنها ما يتعلق بتجربته النقدية.

ويلفت عبد السميع إلى تصدى رزق لإشكاليات الشعر العربي الجديد باجتهاد كبير وتقديمه مساهمات فريدة، من حيث قدرتها على النبش في الجذور وتحليل أحدث الظواهر في الوقت نفسه، على النحو الذي سد فراغا نقديا كبيرا، وأفضل تلك الوجوه في تقديري، هي حرصه على تقديم نموذج للمثقف العربي الحر والمستقل والنزيه.

وأردف: ظهر ذلك في مواقفه الثقافية العامة، وفيمن سلط عليهم ضوءه النقدي، وهو أمر بالغ الصعوبة يعبر عن حس بطولي، في ظل مناخ ثقافي مضاد في عمومه لذلك النموذج الحر والمستقل عن كل عصبة أو شلة.

من جهته، قال الباحث الدكتور عادل ضرغام: لا أدعي أني على معرفة وثيقة ب شريف رزق ، وفي الوقت ذاته فالمواقف التي جمعت بيننا لا تنفي نوعًا خاصًا من المعرفة بيننا، ولكنها معرفة خاصة ليست قائمة على الحكي والسرد والاستماع، وإنما قائمة على التأمل من بعيد، وقائمة على المراقبة من بعيد ورسم الصور المتجاورة. فقد كنت في منتصف التسعينيات الميلادية صغيرا في محراب القراءة، والتحصيل، أنهيت بالكاد خدمتي العسكرية، وبدأت عملي معيدا وأدركت أنه ينقصني الكثير، فآليت ألا أترك ندوة في أي مكان لا أحضرها.

وفي إحدى الندوات في معرض الكتاب وجدت فتى نحيلا، يقدم في كتاباته عن قصيدة النثر شيئا جديدا مقارنة بأناس راقبتهم عن كثب وهم يصعدون منصة الندوات دون معرفة حقيقية، ولديهم قدرة عجيبة ومهارة فائقة على الدجل وفي الحديث عن أي شيء إلا موضوع الرواية أو الديوان الشعري الذي يتعاملون معه.
فالصورة الأولى التي رسمت ل شريف رزق هي الجدية المفرطة المشفوعة بإيمان كبير بما يقول، ولديه قدرة للدفاع عن أفكاره، وهذا النموذج يعجبني جدا، ويؤثر في طريقة تفكيري، لأني أستطيع أن أقدم أفكارا، ولكني لا أستطيع الدفاع عنها بسبب خجلي الزائد عن الحد. وظلت هذه الجدية المفرطة المشوبة بشيء من الهم الذي يطل من العينين هي العالقة بذهني عن شريف رزق . واغتربت بعدها مدة طويلة، لأعود ونلتقي في مؤتمر أدباء مصر العام الماضي بالمنيا، حيث كان الناقد الوحيد المكرم ربما للمرة الأولى من الدولة، وكنت مشاركا ببحث عن القصة القصيرة في المنيا، وأتيح لي أن أقترب منه وأجلس معه على المقهى، وأدرك نبل هذا الرجل.

وعرفت بالتدريج أنه يعد بحق عراب قصيدة النثر نقدا وتأليفا حولها، وأن خريطة ذلك النوع الأدبي واضحة في ذهنه تمام الوضوح، وأن أي مؤرخ لا يستطيع أن يتجاهل منجزه في هذا الجانب. ولكن متعة الاقتراب من شريف رزق في أيام المؤتمر جعلتني أعاين جانبا مهما من جوانبه لم أكن أدركه قبل ذلك، هذا الجانب يتمثل في تبرمه على الوضع الثقافي، هذا التبرم الذي ولد لديه هشاشة إنسانية مفرطة في إطار سياق لا يعي ولا يقدر قيمة المؤثرين الحقيقيين الفاعلين في المشهد الثقافي، ويعطي الاهتمام لأناس لديهم قدرة خارقة على المطاوعة والانحناء والحركة بشكل لافت من جانب إلى جانب آخر، ومن اتجاه إلى آخر.

كان المشهد الأخير يتمثل في دعوته للمشاركة في جلسة من جلسات رؤى للإبداع والنقد في مارس 2017 في الاحتفاء بتجربة الشاعر محمد فريد أبو سعدة، وجاء شريف رزق في موعده منضبطا بجديته المعهودة، وقدم ورقة علمية لافتة محددا أهم المراحل والتحولات الفكرية والفنية للشاعر، لم يتخل لحظة واحة عن جديته المفرطة، وإن كنت ألمح في صوته المرتج بداية خوف وانكسار لم ألمحهما قبل ذلك، ولم أستطع معرفة السبب في ذلك، ولكني أدركت أن الفن حين يحيط بشخص، ويقارب واقعه الجامد بملامح ومتطلبات هذا الفن، يولد تلك الهشاشة الإنسانية، التي تظهر ملامحها في نغمة الصوت، وفي محاولة الانفتاح على العالم ظاهريا، وفي محاولة التصالح مع الجميع وإن كانوا أعداء، وكل هذه الجزئيات التي قد نراها ذات منحى إيجابي، يتجاوب معها ويتولد في إطارها هشاشة داخلية تفوق قدرة الإنسان على احتمال هذا العالم ببؤسه ومرضه وضغطه الذي لا يلين.. شريف رزق هو ضميرنا الذي يعنفنا، هذا الضمير الذي يدعونا جميعا للانسحاب من قبح العالم من خلال الاحتماء بهشاشته الإنسانية المفرطة.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]