من التحرير للعباسية.. الثورة على المحك

24-12-2011 | 10:45

 

هبة عبدالستار

لا أحد يستطيع أن ينكر أن الاحتقان السياسي بين أطراف القوى السياسية المختلفة الفاعلة على الأرض فى الأشهر الأخيرة انعكس بشدة على أداء تلك القوى هذا الأداء الذى شهد بدوره قدرا من التصعيد صاحبته موجة من العنف المتصاعد فى تعامل قوات الجيش والداخلية مع المتظاهرين والثوارالأمر الذى اتضح بشده فى اعتياد استخدام القوة والعنف المفرط فى فض الاعتصامات، وهو ما برز جليا فى أحداث محمد محمود الشهر الماضى انتهاء بأحداث مجلس الوزراء الأسبوع الماضى .


إلا أن الطريقة التى تم التعامل بها مع أحداث مجلس الوزراء قد أثبتت من وجهة نظر قطاع عريض من القوى السياسية والثورية فشل الدولة ممثلة فى المجلس العسكرى فى إدارة البلاد والتعامل مع تلك الأزمات سواء بالحلول السياسية أو الأمنية مما دفع أكثر من 55 قوى سياسية من أحزاب وحركات وائتلافات إلى الحشد لجمعة أمس "رد الاعتبار لحرائر مصر " خاصة بعد الانتهاكات التى تعرض لها المتظاهرين من الشباب والفتيات على يد جنود من الجيش وسجلتها عدسات الكاميرات وتصدرت الصفحات الأولى للصحف العالمية مما تسبب فى شرخ بعلاقة الشعب والجيش بالنسبة لقطاع عريض من الشعب المصرى الذى أصابته تلك المشاهد بالصدمة والفزع.

احتشد التحرير أمس لرد الاعتبار مطالبا برحيل المجلس العسكري وتسليم جميع سلطاته السياسية والقضائية والتشريعية الى سلطة مدنية وإقالة حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة الدكتور كمال الجنزوري وتكوين لجنة تحقيق مستقلة من القضاة المشهود لهم بالنزاهة للتحقيق في جرائم قتل الشهداء وتحديد المسؤولين من العسكريين وغيرهم عن الانتهاكات التى وقع خلالها 17 شهيدا والعشرات من المصابين ومحاكمتهم بشكل فوري، بالإضافة إلى الإفراج عن جميع المعتقلين مؤكدا أنه لاتصالح أمام دماء الشهداء والمصابين معلنا أن الثورة مستمرة وأنه لن يقبل بنصف ثورة بعد مرور ما يقرب من عام فى ظل استمرار نزيف الشهداء وارتفاع أعداد المصابين وتحويل أكثر من 12 ألف مدنى إلى محاكمات عسكرية .

لم يخل المشهد فى التحرير أمس من الرسائل الرمزية التى بعث بها المتظاهرون لمديرى شئون البلاد حيث سادت أمس مشاعر الغضب على مشاهد سحل الفتيات والتعامل معهن بعنف مفرط من قبل جنود الجيش وتصدرت غادة كمال و الفتاة صاحبة الصورة الشهيرة التى تم سحلها فيها حتى تمزقت ملابسها المشهد الذى عبرت عنه لافتات المتواجدين فى الميدان فهذه فتاة ترفع لافتة ساخرة كتبت عليها " ارحل مش عاوزة ألبس الدولاب كله " وهذا شاب رفع لافتة حملت عرضا للزواج من الفتاة صاحبة صورة السحل الشهيرة كتب عليها "إلى الفتاة التى عرت رجالة مصر ..تتجوزينى!" بالإضافة إلى مسيرات أخرى من السيدات وشيوخ الأزهر والشباب جابت الميدان لتندد بتلك الواقعة .


كما كان من اللافت بشدة ظهور علم مصر الأخضر القديم الذى يتوسطه هلال أبيض ونجمات ثلاثة والذى كان أول ظهور له على استحياء فى الميدان فى مليونية 25 نوفمبر الماضى ليبرز مرة أخرى خلال اعتصام طلاب جامعة عين شمس الأسبوع الماضى فى احتجاجهم على أحداث مجلس الوزراء ويعود للظهور أمس بين أيدى عدد كبير من المتواجدين فى الميدان بهدف إرسال رسالة رمزية إلى المجلس العسكرى، يؤكدون بها موقفهم الرافض لعسكرة الدولة والتمسك بشرعية ثورة 25 يناير.


برغم إبراز مطالب أخرى من قبل البعض إلا أنها جاءت تأكيدا على مطالب أساسية طالبت بها الثورة ولم تتحقق بعد مثل حقوق شهداء ومصابي الثورة التى تكاد تقترب من الذكرى الأولى لها دون أن تتحقق العدالة المنشودة ويتم القصاص لشهدائها ومصابيها، وكذلك محاكمة رموز النظام السابق وعلى رأسهم الرئيس المخلوع حسنى مبارك محاكمة جادة.

بينما فى العباسية كان المشهد على النقيض تماما من حيث التأييد التام للمجلس العسكرى وسياساته والتنديد بمتظاهرى التحرير الذين اعتبروهم مأجورين يهدفون لإسقاط الدولة ويدعون التحدث باسم الأغلبية الصامتة وتوزعت اتهامات العمالة والتخوين على معارضي المجلس العسكرى مثل الدكتور محمد البرادعى، المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، وحركة شباب 6 أبريل، حيث وصفوا البرادعى بأنه عميل الأمريكان، و6 أبريل بأنهم أعداء الله فى مصركما لم تخل تلك الهتافات من هتافات تهاجم الطبيبة غادة كمال التى تم سحلها على يد قوات الجيش.

انعكست تلك المشاهد على مواقع التواصل الاجتماعى وانتقد نشطاء غياب التيارات الإسلامية عن المشهد فى التحرير متهمين إياها بالصراع على كعكة الانتخابات وتقسيم الكراسي مستنكرين ردود فعل تلك التيارات على مشاهد سحل الفتيات وضربهن بعنف لافتين إلى التناقض الشديد بين هذا الموقف وموقف بعض تلك التيارات من قبل حينما قام بعضها بتغطية تماثيل حوريات البحر العارية بالإسكندرية بدعوى أنها تشجع على الفحش والرذيلة وهى الواقعة التى أثارت جدلا شديدا وقتها حيث علق أحد النشطاء "مش عارف افهم بجد ..لسه بفكر فى الناس اللى بيغطوا التماثيل عشان عريانة و فى نفس الوقت ميهمهمش تعرية البنات وسحلهم فى ميدان عام قدام كاميرات العالم!! " ورغم ذلك أعربوا عن سعادتهم لغياب تلك التيارات معتبرين أنها لا تتواجد إلا من أجل مصالحها وحساباتها الخاصة ساخرين من ذلك الفراغ الذى ملأه حضور قوى لنساء مصر "سيذكر التاريخ أن نون النسوة هزت عرش العسكر أكثر مما فعلت واو الجماعة" وعلق آخر "فى الميدان النهاردة سألت نفسي هما فين الناس اللى كانت مالية الدنيا السنة اللى فاتت ..حسبتها لقيت معظمهم اللى استشهد و اللى بيتحاكم عسكريا والباقى بقى بيتخانقوا على الانتخابات ".

وقد حظي ما حدث فى العباسية أمس باهتمام من النشطاء الذين حرصوا على التواجد هناك لتغطية ما يحدث وبثه على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعى وهو ما أثار الكثير من الجدل الذى تولد عنه عده تساؤلات طرحها مرتادو التحرير من أمثلة تلك التساؤلات " ليه كل متظاهرى العباسية شعرهم قصير وحلقين دقنهم؟ ليه ستات وبنات العباسية من الطبقة الراقية أوى أو الطبقة الفقيرة أوى مفيش وسط؟ ، ليه كل الناس شايلة علم ؟ ، وبيجيبوا أعلام منين؟ ومين اللى بيوزع الاعلام دى كلها ؟،ليه مفيش بلطجية أو داخلية أو شرطة عسكرية بتهجم عليهم زى التحرير؟، منين بيجيبوا فلوس المنصة الفخمة اللى تكلفتها متقلش عن 20 ألف جنيه؟، ليه بشوف ناس كتير من اللى كانت فى مصطفى محمود موجودة فى العباسية؟ ، ليه الإعلام المصرى بيركز على ميدان العباسية أكتر ويتجاهل التحرير ؟، هو ماحدش بيموت فى العباسيه ليه ؟ الطرف التالت قاطع تذكره تحرير بس ؟" حاول البعض الاجابة عن تلك التساؤلات إلا أنهم خلصوا إلى أن المؤيدين قد يتغيرون من تأييد مبارك إلى تأييد المجلس العسكرى وقد يتغير مكانهم من ميدان مصطفى محمود للعباسية، ولكن سيظل المعارضون لنظام مبارك وسياساته كما هم ويظل ميدانهم هو التحريرمؤكدين أن التحرير سيظل دائما قوة ضغط من أجل استكمال الثورة فلم ترحل حكومة شرف إلا بالتحرير ولم يتم الإعلان عن جدول تسليم السلطة والبدء فى الانتخابات إلا بالتحرير ولن يتم تسليم البلاد إلى سلطة مدنية منتخبة إلا بالتحرير

واعتبر عدد من النشطاء أن المرحلة الحالية لا تتطلب الضغط من الميدان فقط بل يجب أن يتم استكمال الانتخابات البرلمانية حتى يصبح لدينا مجلس شعب منتخب يمكنه انتزاع السلطة من المجلس العسكرى معتبرين أن من المهم أن تتم الانتخابات بالتوازى مع استخدام قوة الميدان فى الضغط .

فيما اعتبر آخرون أن مايحدث فى التحرير والعباسية وما تبثه وسائل الإعلام الرسمية حول مؤامرة مدبرة لإسقاط الدولة بتمويل خارجى وما جاء فى رسالة المجلس العسكرى الأخيرة بهذا الشأن وقيام إحدى القنوات الخاصة التى ترددت شائعات عن تفضيل المجلس العسكرى لها لكونها تمثل من وجهة نظره إعلاما حياديا و موضوعيا بالحشد للمشاركة فى تظاهرة العباسية هو محاولة لإجهاض الموجة القادمة من الثورة والتى بدأ الحشد لها منذ أحداث مجلس الوزراء عندما أعلنت القوى السياسية على إصرارها على تسليم العسكرى السلطة لسلطة مدنية منتخبة سواء كان رئيس مجلس الشعب بصفة مؤقتة لحين التعجيل بانتخابات الرئاسة أو حتى الى الرئيس نفسه مؤكدين أن سياسة بث الشائعات وزرع حالة من الخوف سبق واستخدمها نظام مبارك فى الأيام الأولى للثورة وفشلت فى إجهاض الثورة متهمين المجلس بالسعى لبث الفرقة والانقسام فى الشارع بين مؤيد ومعارض له وتشجيع هذا الانقسام من أجل استمراره فى السلطة .

ومابين التحرير الذى يطالب برحيل المجلس والعباسية التى تطالب ببقائه وقف فريق ثالث موقف المتفرج القلق يترقب المشهد لا يستطيع أن يخفى قلقه واندفع فى نقاشات عبر مواقع التواصل فى محاولة لفهم ما يحدث و إلى أين ستسير الأمور موجها انتقاداته لفريق التحرير وفريق العباسية على السواء معتبرا أن الفريقين سواء فكلاهما يخون الآخر ويشكك به وإن أبدى تعاطفا وتفهما لأى منهما أو كلاهما كما علق أحدهم "مش كل إللي فى التحرير ثوار.ومش كل إللي فى العباسية مأجورين.الميدان زى ما فيه ثوار فيه بلطجية وأصحاب مصالح.والعباسية زى ما فيها ناس قابضة فيها ناس خايفة على البلد بجد..كفانا تخوين وإلا سنخسر جميعا " و أضاف أحدهم "مع اختلافي مع إللي بالعباسية؛لكن ملاحظ أن سكان التحرير بيعملوا معاهم كل شيء بيكرهوه علي نفسهم زي أنهم خونة؛قابضين؛قلة مندسة؛ تقليل الأعداد " بينما رأى ثالث أن المشكله لا تكمن فى رحيل المجلس بل فى كيفية أن يتم هذا " مافيش حد مختلف أن المجلس لازم يمشى بس الاختلاف كله على الآليه اللى المفروض يمشي بيها وفى ناس كتير معترضين على طريقة التحريرلأنهم شايفينهم عايزين يفرضوا رأيهم وخلاص من غير ما يطرحوا بدايل زى ما فى ناس مش عاجبها تمسك العباسية بالمجلس ورفضهم للاعتراف بفشله وده ممكن يكون عامل مهم يتم استغلاله فى زيادة تمسكه بالسلطة والبقاء فيها لمدة أطول وده خطر على البلد " واعتبرآخر أن ما يحدث فى مصر الآن أشبه بمباراة كرة قدم لخصها ساخرا على النحو التالى " الكورة لسه في الملعب بين فريقي التحرير والعباسية والإخوان على دكة البرلمان والكل منتظر الطرف الثالث يصفر ويبدأ الماتش".