الاغتيـال الأخطــر..

12-6-2017 | 00:08

 

في شتاء عام 1982 زار القاهرة الكاتب الأمريكي المعروف « آرثر ميللر » وحدث أن انفردت بحديث صحفي خاص ومطول معه بطول حياته وشخصه وشخصيته، وكان مما قاله لي آنذاك بمرارة أنه كان ضحية «المكارثية» اللعينة التي انتشرت كالسرطان في المجتمع الأمريكي في الفترة ما بين عام 1947 و1957، والتي تنتسب إلى السيناتور الجمهوري «جوزيف مكارثي» رئيس إحدى اللجان الفرعية بمجلس الشيوخ الأمريكي، للنَّيْل من المعارضين فاستخدم «مكارثي» وقتها ممارسات التفتيش في الضمائر وتلفيق الاتهامات والفضائح لإسكات الآراء المخالفة حتى للمكارثية نفسها.

وقال لي « آرثر ميللر » أيضًا إنهم نكلوا به - حتى هددوه باغتصاب زوجته النجمة الفاتنة «مارلين مونرو» - وكان ضمن رموز معروفة في الفنون والآداب والعلوم والسياسة والاقتصاد، منهم: «مارتن لوثر كينج» و«ألبرت أينشتاين» و«تشارلى تشابلن» وغيرهم، وامتدت «المكارثية» لجميع قطاعات المجتمع الأمريكي، وراح ضحيتها أكثر من 2000 شخص تم الزج بهم في السجون، فضلا عما يزيد على عشرة آلاف تم طردهم من وظائفهم والتنكيل بهم وفق تهم ملفقة، ولعبت «هيئة التحقيقات الفيدرالية» دورًا مخيفًا، فكانت تسرب «وثائق» تبدو كأنها تحمل أدلة تجسس ضد المئات من المهنيين كالمدرسين والأطباء والمحامين والأكاديميين، وراحت تبعث للإعلام برسائل مجهولة تحمل «وثائق» مزورة تفيد بأن فلانا أو علانا منهم يعمل مخبرًا لديها للوشاية بغيره لإثارة الذعر.
.................

كنت استدعي هذا المشهد من محاورتي تلك.. وأنا أنصت قبل أيام إلى محدثي الذي هو رجل سياسة لا يزال يتشبث بالأخلاق(!) مع أن السياسة لا قلب لها، ولا تعرف الأخلاقيات ولا تعترف بها إلا قليلا.. 


محدثي مهموم إذ يتساءل مستنكرًا أكثر منه مستفهمًا: «أصبح التبلي والبهتان من خلق الله على خلق الله شطارة، هذا نتاج الدور التربوي لكل سلطة وأي سلطة تمارس هذه الشطارة، وهو دور يسهم كثيرًا في إفساد أخلاق الناس والمجتمع، مع أن مؤسسات هذه السلطة أو تلك هي قدوة، أو يفترض ذلك، أو ليس القائمون على إدارتها نخبة، إنها تستمد سلطاتها من احترامها للقانون والدستور والقيم، وتطبيقها، إذا ما اختلف شخص معها أو أبدى رأيًا يخالف توجهها فلا تتورع عن أن تحيك المؤمرات لاغتياله معنويًا وتشويه صورته، وبالتالي تفقد شرعيتها؛ لانها تصبح سلطة فاسده تتصرف بالهوى، ويحق لمن تمارس عليه السلطة ألا يعول عليها، ويحق أيضًا لمن شوهت صورته كذبًا أن يشوه صورتها ويفضحها..».

إنها لعبة لها لاعبوها في كل زمان ومكان وفي كل عصر وكل حقبة.. فمتى تكفون عن هذه اللعبة المدمرة لكم قبل غيركم؟ لماذا تصرون على ارتكابها برغم علمكم أنها تخلق أعداءً لكم من حيث تحتسبون ولا تحتسبون؟ كيف تحولت إلى ظاهرة ماثلة للعيان بشواهدها ومشاهدها؛ لتصبح وكأنها عملية مؤسسية لها قوانينها ورجالها ودوائرها؟
هل هذه شطارة.. مهارة.. عبقرية.. ذكاء..؟ أبدًا!

من حقي أن أختلف معك، ومن حقك أيضًا.. لكن لا تصل الأمور إلى اغتيالي واغتيالك.. بأن تحبك ضدي أو أحبك ضدك مؤامرة وهمية، مبنية على القيل والقيل، ثم تتعامل معها على أنها حقيقة، باعتمادها على تقارير مجهولة المصدر وأخبار ملفقة ومزيفة.. طريقة ناجعة في اغتيال الخصوم معنويًا عبر اتهامات بالجملة تطعن في شرفهم ووطنيتهم ثم التنكيل بهم وإقصائهم.


لماذا تفسد الأخلاق إلى هذا الحد المرعب؟ لماذ نسمح بانهيار منظومة القيم إلى هذه الدرجة من التدني فيتمزق المجتمع الذي هو أنت وأنا ونحن؟ حالات لا حصر لها ولا تستطيع أن تحصيها هم ضحايا هذه اللعبة المرعبة، فنحن ضحايانا..!

تغضب السلطة، أي سلطة - سياسية كانت أم دينية أم اجتماعية أم ثقافية أم اتخذت أي شكل آخر - على «سين» من الناس فإذا بكمية من حجارة من سجيل عصري تنهال عليه من كل صوب وهات يا سب.. يا قذف.. يا رجم.. يا اغتيال معنوي، وهو أخطر من القتل المادي المادي.. تلفيق اتهامات.. هتك خصوصيات كشف أسرار.. تحطيم ذمم.. تمزيق علاقات.. تدمير أجيال حاضرة وبث الكراهية في نفوس المقبلة.. هدم عائلات.. هد كيانات.. و..و...

إنه ضرب من نوع آخر.. والإحساس الحقيقي بألمه قاتل، لا مجرد الألم الموضعي للضربة أو الألم العام الناتج عنها، إنما بألم آخر مصاحب أبشع.. أقوى، ألم الإهانة، كل ضربة توجه إلى جزء من روحك.. إلى كيانك كله.. إلى إحساسك وكرامتك كإنسان. ضربة ألمها مبرح؛ لأنها تصيب نفسك من الداخل إصابة مباشرة لا يحجبها أو يخفف منها جلد أو لحم أو عظام أو حرية..

والذين يتعاطون هذه اللعبة في العالم لا يقرأون التاريخ، ولا حتى التفسير السياسي للتاريخ، فمن المفارقات أن «جوزيف مكارثي» بعد أن أبكى آلاف الأمهات وشرّد عشرات آلاف العائلات تلقى تعنيفًا شديدًا من الكونغرس، خاصة حينما فشلت كل تحقيقاته، في تقديم دليل حول وجود جيش الجواسيس الحمر المزعوم، بالإضافة إلى انتقاد عدد من الصحفيين والسياسيين والمثقفين الأمريكيين لمكارثي واتهاماته.. ومن المفارقات أيضًا أن مكارثي أدمن المخدرات بعد ذلك إدمانًا، لكنه توفي سريعًا في 2 مايو 1957 متأثرًا بإصابته بالتهاب الكبد الفيروسي!! ولكن «المكارثية» تحولت إلى «فكرة» لا تزال تجوب أرجاء العالم، فأصبح هناك أشخاص ومؤسسات تلقي بالاتهامات جزافًا لكل من يخالفها الرأي والرؤية، طبقًا لتوصيف الأدبيات السياسية في العالم.

المفروض.. أن مجتمعنا لا يتقبل مثل هذه الفكرة القذرة.. صحيح أنه ليس معزولا عن العالم الذي صار قرية إلكترونية صغيرة...إلا أننا لم ولن نعدم الأمل في عدم استشراء هذه الفكرة.. بسلام وسلاح المرجعيات العرفية والمعرفية والأخلاقية والجمالية للمجتمع.

لا أملك إلا أن أقول لهؤلاء.. «فوقوا بقى»...!.

كاتب المقال:
رئيس تحرير أخبار الأدب السابق

مقالات اخري للكاتب

سلام على أبطال أكتوبر ٧٣

ليس فقط لأن الندوة كانت عن نصر أكتوبر العظيم.. وليس فقط لأن الحالة المجتمعية صار ت أكثر احتياجًا لاستلهام الروح الأكتوبرية..

اللعبة الخفية على رقعة الشطرنج

تتجلى حكمة إنسانية بواحدة من القيم التي يجب أن تلفح وجه كل من يفكر في دمار شعب، أو إزهاق الأرواح بالحروب التي يتفننون فيها تكنولوجيًا وإلكترونيًا، ويروعون بها خلق الله الأبرياء، وحتى غير الأبرياء.

الجوهرة السمراء تصفع القبعة البيضاء

أستعيد هذه الورقة السمراء المعبأة بالحكمة والتحدي والثقافة والتجربة والكبرياء من حياة الزعيم الإفريقي الراحل (نيلسون مانديلا)، في مواجهة الرجل الأبيض، الذي لا يزال يمارس الغطرسة بصورة أو بأخرى، والذي يستند إلى تراثه البغيض في امتصاص دماء الشعوب في خدعة ما يسمى وهما بــ (العالم الثالث..).

رغم الجدل بالتي هي أحسن

أراد كاتب مغمور أن يشتهر، مع أنه لا يملك مقومًا واحدًا من مقومات النجاح، فكتب مقالاً عنيفًا - حتى حد السب والشتم - في سعد زغلول باشا، في عز عنفوانه السياسي كزعيم للأمة في مطالع القرن الماضي..

خطورة النجوم اللامعة…!

خطورة النجوم اللامعة…!

في نور هذا المشهد الكوني

في نور هذا المشهد الكوني

لو عـرف الشباب.. لو قـدر المشيب!

لو عـرف الشباب.. قـدر المشيب!

تساؤلات حول إشكالية الضريبة العقارية

أين الحقيقة في (إشكالية) الضريبة العقارية التي يملأ حديثها الدنيا هنا وتشغل الناس هذه الأيام؟

البَـركة الخفية...!

البَـركة الخفية...!

23 يوليو العُماني...!

في إحدى زيارات أستاذي أنيس منصور إلى سلطنة عمان، وقد عشت فيها ربع قرن من الزمن الحي المتحرك (1984 / 2010)؛ وهي فترة شديدة الحساسية السياسية عمانيًا وإقليميًا

إجابة تبحث عن سؤال!

سأل أحد الصحفيين إمبراطور اليابان (أوكيهيتوا يوهارا) عن سبب تقدم اليابان في هذا الوقت القصير فأجاب: اتخذنا الكتاب صديقًا بدلا من السلاح.. وجعلنا العلم والأخلاق قوتنا.. وأعطينا المعلم راتب وزير وحصانة دبلوماسي، وجلالة إمبراطور.

حتى لا نبقى مجرد كائنات بشرية..!

​يبدو أن أصحاب العقول المنيرة والمستنيرة يتخاطرون عن بُعد في منظورهم للحياة بعذاباتها وأشواقها، وبالتحديد في التحديق إزاء اللحظة الفائقة الحساسة التي تتوّهنا،

مادة إعلانية

[x]