مأساة الأطراف المتآكلة.. ترويها أسيرة "مستعمرة الجُذام".. "صابحة" التي نسيها أبوها 60 عامًا إرضاءً لزوجته| صور

8-6-2017 | 19:30

اسيرة مستعمرة الجُذام

 

ميادة عبد المنعم

ماتت أم " صابحة " وهي في سن الثالثة، وفي السابعة أحضرها أبوها لـ" مستعمرة الجُذام " فلم تتزوج سوى ال مرض ولم تنجب غير الأمل، وعندما طلبت أن أناديها بـ"أمي" فعلت لكن حين تحدثت معها لم أكن أتخيل أن الأسوار العازلة بالمنطقة المهجورة تُخفي قصصًا فريدة للمعاناة في أروع صورها.

المقيمون في "مستعمرة الجذام ، ليسوا غزاة أو فاتحين، بل مقاتلين ضد مرض جلدي لعين أكل أطرافهم واختطف أبصارهم فتركهم معزولين عن ذويهم وأصبح كوكب الأرض بالنسبة لهم مجرد إطلالة عبر الشاشات الصغيرة أو من خلف الأسوار العازلة.

صابحة (65 عامًا) قهرتها زوجة أبيها عندما كانت طفلة وطردتها من منزلها خوفًا من العدوى، فقضت المسنة سنوات عمرها وحيدة، برفقة حوالي 600 من المبتلين بال مرض .

بالقرب من المنفى الإجباري، في محافظة القليوبية ، بعيدًا عن رفاهية العاصمة، وفي منطقة مهجورة، بقرية أبو زعبل، تعيش العجوز، التي تجاوزت عقدها السادس.

داخل "بروجولة" خشبية جلست صابحة ترى الأشياء مشوشة بعد أن أفقدها الجذام معظم نظرها، تتطلع نحو الباب الحديدي العملاق للمستعمرة في انتظار زائر من أهل الخير يحنو عليها ويقتل الساعات والدقائق التي تمر ببطء من غير رحمة.

فاعلو خير ورجال أعمال وراهبات هم من يقطعون الرتابة والملل في " مستعمرة الجُذام " وهم أيضا من يتكفلون تطوعا بتقديم ما يجودون به.

ورغم أن ال مرض معدٍ، فإن صابحة بشوشة الوجه دائمة الابتسام خفيفة الظل، تلازمها كلمات الحمد لله كلما تحدثت، ولأنها تعلم حقيقة مرض ها فإنها تقف علي بعد خطوات وهي تحادث أي شخص خوفًا عليه من العدوى حتى بعد تعافيها من ال مرض .

ترحب السيدة العجوز بزوارها وتستقبلهم من أمام الباب وهي تتقدمهم بمتر على الأقل مبدية اعتذارها عن عدم المصافحة، ثم تصحبهم نحو منضدة تتوسط حدائق المستعمرة التي اصطفت علي جانبيها عنابر ال مرض ى.

وسط أوجاعها تغني لعدوية: "راحوا الحبايب" ثم تضحك وتبدأ حديث الألم بابتسامة.. "أبويا جابني هنا عشان يرضي مراته"، وبمرارة تتذكر كيف خدعها أبوها: " المستعمرة حلوة وفيها شجر وقعدة ترد الروح وتخففك" وعندما توسلت له باكية "آجى معاك يابا واغسل وأطبخ لأخواتي في الشرقية، هناك شجر وحلوه بردو" رفض متجاهلا دموعها ورد بحسم "هتنعزلي لوحدك هناك، خليك هنا أحسن".

تركها أبوها ثم انصرف إلى زوجته و 3 صغار آخرين، أشقاء من الأب فقط- حسبما قالت السيدة التي ظلت تستعيد الماضي تارة بدموع وأخرى بتنهيدات مريرة لتقول" مرات الأب يا بنتي وحشة".

وأضافت:" كان أبي يزورني في المواسم فقط لمدة عامين، وعندما طلبت منه أن أري اخوتي أخذني معه وليتني ما ذهبت" حيث قامت زوجة الأب بتعنيف الطفلة فور وصولها ثم عزلتها في غرفة مظلمة أمام "صحن واحد لا يتم غسله أو تغييره"- حسبما قالت.

تصمت صابحة قليلًا ثم تبتسم لتتابع السرد وكأنها تذكرت شيئًا كاد أن ينعش قلبها من جديد فتحكي:" الله يسعده أخويا الصغير كان يجلس بجواري ويقول لي ماتزعليش يا صابحه أنا هأكل من طبقك ويأكل معايا".

وبيقين كامل في الله العادل تقول العجوز:" يشاء ربنا وينجي أخويا من ال مرض رغم اختلاطه بيا وي مرض البنتين اللي رفضوا ياكلوا معايا، واحدة منهم تموت".

توفي الأب ولم يعد للفتاة سوى حبيبتها "رقية"التي تقول في حقها إنها صديقة كفاح العمر، وهي مريضة جذام كانت أول من استقبل " صابحة " في المستعمرة واعتنى بها لأنها كانت تكبرها بعشر سنوات تقريبًا.

"كانت رقية أمًا لـ صابحة في الصغر، أما الآن فتبادلا الأدوار بعد أن ضعفت الأولى.." أنا مهتمه بنظافة رقية وتشوفيها زي الفل".

تعافت صابحة من مرض الجذام ، بعد تلقيها العلاج، وانتقلت الطفلة لمرحلة الصبا، لكن ما فعله أبيها معها جعلها تصاب بعقدة نفسية وتعزف عن الرجال، غير أنها فكرت في صديقتها واختارت أن تبقى في خدمتها على أن تتزوج.

تتمني العجوز زيارة بيت الله الحرام بصحبة صديقتها مؤكدة أنهما تعافيا تمامًا ولم يعد هناك داعٍ للقلق على الحجيج من العدوى.

بتصلي يا أمي؟- سؤال أجابته المتعافية بتعجب وضحكة استنكار.."يا نهار ابيض يا بنتي! طبعًا وبصوم وعارفه ديني وكل اللي هنا أحسن مني".

وبسؤال آخر عن التمريض أكدت المرأة بعفويتها أن معاملة الم مرض ات "......." لتعود وتثني عليهن" كتر خيرهم وصباح الخير يا جاري أنت في حالك وأنا في حالي".

صابحة ..طباخة ماهرة متمكنة من أدواتها، تقوم بطهي ما تحبه "رقية" دون الاختلاط بباقي النزلاء، لديها قناعة تقول.."كل برغوت على أد دمه، لا أجرح غيري في لقمته ولا غيري توجعه أكلتي".

المستعمرة بمثابة دار مسنين إلي جانب أنها مستشفي لعلاج الجُذام، يعيش فيها ال مرض ي إقامة كاملة تتكفلها الدولة، لكنهم معزولون حتى بعد الشفاء، لذا يحلمون بتخطي السور العازل وإجراء رحلات ترفيهية لتخفيف عنهم وحدتهم- حسبما أخبرت صابحة .

تستيقظ المرأة النشيطة مع أذان الفجر، تتوضأ وتوقظ صديقتها للصلاة ثم تغادر حجرتها لتتنفس الطبيعة، حتى مطلع الشمس، ثم تعود لغرفتها لتجهيز طعام رمضان ثم تغُط في نوم عميق إلى ما شاء الله، لتستيقظ مجددًا وتستمع إلي إذاعة القرآن الكريم حتى ينطلق مدفع الإفطار.

أفقدها الجذام البصر لكن الله أبدلها البصيرة، سعيدة بابتلاء ربها تتذكر قصة النبي أيوب التي استمعت لها قديمًا من الشيخ الشعراوي رحمه الله، فيتجدد شعورها بالرضا، مع كل إشراقة شمس.

العجوز التي لم تقرأ وتكتب لم تجد حرجًا في أن تمتعنا بوصلة سياسية، حيث أعلنتها صريحة: " بحب عبد الناصر والسيسي حلو يا ولاد بس حكومته وحشه، ومحلب كان حلو، مشيتوه ليه"، ثم تصمت للحظات وتعود للحديث" الإبراشي دا شطة، أوقات يجيب حاجات عليها الطلب وأوقات يقول كلام مش موزون".

ووجهت السيدة الحكيمة، شكرها لوزارة الصحة، بعد أن أخبرتنا أن المستعمرة توفر لها تموين شهري عبارة عن "3 كيلو أرز، زجاجة زيت، 3علب جبنة و400جرام لحم أسبوعيًا".

يعرف الجُذام بأنه أحد الأمراض المزمنة التي تسببها بكتريا عصية تسمى المتفطرة الجذام ية، تتكاثر ببطء شديد، وتمتد فترة حضانة ال مرض 5 أعوام تقريباً، تظهر الأعراض في بعض الحالات بعد سنة وقد لا تظهر إلا بعد مرور 20 عامًا- حسب تعريف منظمة الصحة العالمية.

دكتور أحلام حمزة، مديرة المستعمرة تؤكد، أن ال مرض يؤثر في المقام الأول على الجلد والأعصاب المحيطية والغشاء المخاطي للقناة التنفسية العلوية والعينين وأنه قابل للشفاء ويمكن معالجته بالأدوية المتعددة وأنه ينتقل عبر رذاذ الأنف والفم أثناء المخالطة، لافتة إلى أنه قد يسبب تلفًاً تدريجيًا ودائمًا في الجلد والأعصاب والأطراف والعينين.

كما تشير الأرقام الرسمية لمنظمة الصحة العالمية، أن عدد الحالات المصابة ب الجذام بلغ 1.76176 حالة، في عام 2015، أما الحالات الجديدة المبلغ عنها في ذلك العام فبلغت 2.11973 حالة.

مرض ي" المستعمرة ".. أغراب يعيشون ويموتون دون أن يعرفهم أحد، 400 سيدة وحوالي 200 رجل، تتآكل أطرافهم شيئًا فشيئا، أما من يلقي حتفه، فيدفن في مقابرها المخصصة لهم، يصلي عليه الحي منهم.

"خللي بالك يا ريس من المستعمرة والغلابة ، أوعاك تشوف بعين غيرك يا بني..الله يرحمك يابا ولو إني قلبي موجوع..يا بنتي أخويا اللي أكل معايا اتجوز واتهني وعنده أطفال وأخواتي اللي رفضوا يأكلوا من طبقي مرض وا بالخبيث..الكلمة الحلوة ترد روح الميت وربنا يخللي الناس الحلوة اللي بتسأل علي مستعمرة الجذام "- رسائل اختتمت بها " صابحة " حديثها لـ " بوابة الأهرام " ثم غادرت لتوقظ صديقتها لصلاة العصر.



1

[x]