فتيات الإيدز

25-5-2017 | 11:43

 
يبدو أن الخامس من يونيو لا يحمل ذكرى سيئة لنا نحن المصريين فحسب، بل يحمل للعالم كله ذكرى اكتشاف أخطر أمراض العصر، ففي مثل هذا اليوم قبل 36 عامًا، وتحديدًا في العام 1981، كشف العلماء النقاب عن المرض الذي أصاب البشرية بالهلع، إنه الإيدز، الذي كان بمثابة طعنة مدوية في صدر حرية الغرب التي استباحت لنفسها حق التصرف في الجسد دونما اعتبار لأي قيم أو رسالات سماوية، حين رصدوا أعراضًا مرضية متشابهة لم يألفوها من قبل في خمسة رجال من الشواذ في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا الأمريكية..

تلك كانت البداية لتوصيف مرض أصاب حتى اليوم أكثر من 35 مليون شخص حول العالم، ويوميًا يتم اكتشاف 6300 حالة إصابة جديدة في كل أنحاء العالم، وما إن تأكد العلماء من المرض وأعراضه، حتى اجتاحت العالم آنذاك موجة من الرعب، خاصة بعد ثبوت أن 80% من الإصابات يكون سببها العلاقات الجنسية والشذوذ وتعاطي المخدرات بالحقن.

لكننا توهمنا أن لدينا حصانة من المرض؛ باعتبار أن ديننا الحنيف يحرم العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج، وأننا "شعب متدين بطبعه".. نعم هذا كان عاملًا مباشرًا في عدم ظهور أي حالات إصابة بالمرض لدينا، لكن يبدو أن ذلك كان إسرافًا في التفاؤل، فلم يمر وقت طويل حتى ظهرت أول حالة إيدز في مصر عام 1986، واليوم تقدر الإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة عدد المتعايشين بالفيروس بنحو 10 آلاف حالة تقريبًا، نقولها تقريبًا؛ لأننا تفتقر دائمًا إلى دقة الإحصاءات، أو يتم إخفاؤها عمدًا، في حين أن مراكز وجمعيات متخصصة في مكافحة الفيروس تقول إن النسب تخطت 230 ألف حالة، وهذا يعطينا إنذارًا مبكرًا بأن هناك بداية انتشار خفي لعدوى الإيدز.

هذه المقدمة المؤلمة، أراها ضرورية للتحذير من تنامي حجم الكارثة في مصر، واستدعى الحديث عنها كشف النقاب عن حدثين كارثيين لانتشار المرض خلال هذا الشهر وحده، الأول ذكره طبيب فى تدوينة له على شبكة التواصل الاجتماعي، عن فتاة الشوارع التي أحضرتها إليه إحدى المُحسنات في عيادته، فاكتشف حملها سفاحًا، وتعدد علاقاتها الجنسية بالإكراه من "شباب التوكتوك" في منطقة المعمورة، وحذر الطبيب من كارثة، لكن تفاعل المسئولين معه، بدل أن تنقلب مديرية الصحة في الإسكندرية، وحتى وزارة الصحة نفسها رأسًا على عقب، أرادوا "الطمطمة" على الموضوع، من باب "نحن لانستطيع إرغام أحدٍ من هؤلاء الشباب على إجراء التحاليل الطبية، أو أن "البنت دي ممكن نقبض عليها في قضية آداب"، برغم أنها أولًا وأخيرًا "ضحية مجتمع، لفظها على الرصيف، ولم يتذكرها إلا بعدما أصبحت "بؤرة إيدز"، وبدل أن يسعوا لاحتضانها لعلاجها؛ ولحفظ ماتبقى لها من كرامتها، تراهم يلصقون بها مقدمًا تهم الدعارة والإجرام.. حقًا إنه العدل!!

وتناسوا أن المشكلة الأكبر هي في "شباب التوكتوك" الذين باتوا ـ في غفلة من الحكومات المتعاقبة ـ وهم وملايين "التكاتك" كالسرطان الذي أصاب جسد الشارع المصري في مقتل، دون رادع قانوني أو أخلاقي، وها هم يتحولون ـ إلى حاملين لمرض الإيدز، وموسعين لدائرة انتشاره بين أسرهم.

الحدث الثانى، كشفته طبيبة في محافظة كفر الشيخ.. أكررها.. كفر الشيخ، وهذا يعنى أن انتشار المرض لم يعد مقصورًا على المحافظات الحضرية كالقاهرة والإسكندرية، بل امتدت رقعة انتشاره إلى محافظة ذات طابع ريفي المفروض أنها "أكثر تدينًا بطبعها وطابعها الريفي"، وكانت أيضًا لفتاة فقيرة يساومها على عرضها عديمو الوازع الديني مقابل جنيهات معدودات، دون أن يدري الجميع بالكارثة التي حلت بهم.

وحتى لانتعجل في اتهام كل مرضى الإيدز بأنهم عديمو الوازع الديني، لاشك أن كثيرين منهم أصيبوا من دون حول منهم ولاقوة، والقصص كثيرة لزوجات انتقل إليهن المرض من أزواجهن، وللأسف غالبية الأزواج كانوا يعلمون إصابتهم بالمرض، ولا أنسى ما روته طبيبة عن مهندس مصري حمل المرض من دولة عربية ونقله لزوجته، ورفض إبلاغها خوفًا من الفضيحة، وكذلك السيدة الطاعنة في السن التي انتقل إليها المرض من دم ملوث بالفيروس في أثناء عملية جراحية، وأيضًا ضحايا المرض من الأطفال، ومن بينهم مرضى الهيموفيليا "سيولة الدم"، فأمثال هؤلاء على المجتمع ألا يتخلى عنهم، وعليه أن ينزع عنهم وصمة عار الإصابة بالمرض، وأن يمد لهم يد العون ويسعى لتحسين فرصهم في الحياة، فقد يتعايش الكثيرون منهم مع المرض أمدًا طويلًا، وعلينا أن نكف عن توزيع نظرات الاحتقار عليهم دون أدنى قدر من تأنيب الضمير وكأنهم ليسوا بشرًا مثلنا.

وعمومًا سواء من أصيبوا بالمرض سعيًا إليه طواعية أو من وقعوا ضحية غدر الأزواج أو الدماء الملوثة،، فالجميع من دون استثناء من حقه العلاج، برغم أنه لاعلاج شافيًا منه حتى اليوم، وكلها علاجات لتحسين نوعية الحياة، يوفرها البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز بنسبة 100% لمن طلبها من المرضى، حتى يقضى الله أمرًا كان مفعولًا.

والمشكلة الأخطر في مصر أيضًا والتي تسهم في تزايد معدلات الإصابة بالمرض، بالإضافة إلى ممارسة الرذيلة والشذوذ، هناك مشكلة تعاطي المخدرات، ويكفينا الاستشهاد بما قالته غادة والى وزيرة التضامن قبل أيام من أن نسبة التعاطي في مصر ضعف المعدلات العالمية، وأن الإدمان ينتشر في المرحلة العمرية ما بين 15 و60 سنة، ويزيد بين فئة السائقين 24%، والحرفيين بنسبة 19%، وأضيف إلى ذلك أن الحكومة أجرت بحثًا ضخمًا عام ٢٠٠٧/٢٠٠٨ أعلنت نتائجه عام ٢٠١١، أظهر أن متعاطي المخدرات بالحقن في مصر نحو مليون شخص!

فمتى نفيق، ونجد من يسعى لعلاج المنظومة برمتها، ولا ننسى الدور المهم للمسجد ودور العبادة في هذا الأمر؛ لأنها خط الحصانة الأول ضد انتشار المرض، حتى لا تتفاقم الكارثة فوق رؤوسنا جميعًا، وحينها ننتقل إلى مرحلة الوباء مع بلوغ معدلات الإصابة 900 ألف حالة.. فهل نفيق من الغيبوبة أم يظل شعار مسئولينا "الطمطمة"؟!

مقالات اخري للكاتب

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

ولكم في الكتابة .. علاج!

هل تخيلت يومًا أن ينصحك طبيبك بالكتابة؛ سواء على الورق أو على حسابك الإلكتروني، للبوح لنفسك أو للآخرين بما يعكر عليك صفو حياتك، أو ما يثير قلقك ويؤرقك ويزيد معاناتك مع مرض ما؟

مادة إعلانية

[x]