على حجر

24-5-2017 | 10:37

 

أعود أخيراً من مكان إلى مكانٍ لم أبارحْه. جلْتُ وضِعتُ ومتُّ وعدتُ وأنا في مكاني. تحدَّثتُ مع الغيم وأنا أخرس. سمعتُ صهيلَ مجرَّاتٍ وأنا أطرش. رأيت موتي وأنا أعمى. وفي طريقي عرَّجتُ على منعطفات، وحاولتُ ترتيبها.
كان الأعمى أعمى والرائي لم يكن موجوداً. استعار الأعمى وَهْمَ الرؤية من غير الموجود، واستعار غيرُ الموجود وهْمَ رؤية الأعمى، وحاولا معاً ترتيب كونٍ من عمى الرؤية. كون ترتِّبه أيادٍ متخيَّلة. توضع فيه عيونٌ وآذان من كواكب لا عيون لها ولا آذان. كون يرتِّبه ويسمعه ويراه عدمُ وجوده.
أعود أخيراً من ذاك الكون الذي لم أكن فيه ولا بارحتُه. أعود من منعطفات لم أمرَّ عليها، ومن كواكب لم تكن هناك، إلى أرض ليست هنا.
لا كنتُ هناك، ولا عدتُ. خيالُ ذاهبٍ وخيالُ عائدٍ وخيالُ مقيم. ومن هذه الخيالات لحمتُ ضلوعاً ولحمتُ حروفاً وجعلتُها جسدي وكلماتي. وها أنا أجلس الآن كائناً كاملاً تقريباً، آكل وأشرب وأتمشّى في الحديقة، وتحرس كينونتي كائناتٌ صغيرة تقفز فوق أسيجة التخيُّلات.
يغمرني فرحٌ كبير أنّي جالسٌ الآن في الحديقة وأرى أشجاراً وعشباً ونملة تتسلَّق جذع شجرة أمامي. ويغمرني فرحٌ أنّي أسمع الآن صوتاً في بيت جارٍ لي. هذا يعني أنّي في حياة حقيقية: الحياة التي فيها شجر ونمل وأصوات.
المسافات التي أعارتني تصوُّرات خطواتها أعيد التصوُّرات إليها. الأمكنة التي وهبتني تخيُّلَ السكن فيها أعيد إليها كراسيها وبيوتها. أعود من الكواكب الوهميّة وأسكن مع النمل والشجر. أسكن مع الصوت الذي يخرج من نافذة الجيران، ومع رؤية الخطوات في الشارع، والعصفور الذي يأتي ليسرق طعام كلبتي وأهتف: إنّني في الحياة الحقيقيّة!
أعيد الكراسي إلى الكواكب، وأجلس على حجر في الحديقة.
إنّها نهاية رحلة الوهم، التي لم تبارحْ هذا الحجر.
ومن النهاية هذه، أبدأ تعلُّم معنى أن تكون على الأرض نملة تعيش معي، أو أكون أعيش مع نملة. وأن تكون أصوات الجيران خارجة أيضاً من فمي ولو لم أتفوَّه بكلمة. وأن تكون قدمي هي التي تخطو خطى الماشين في الشوارع، ولو إلى هاويتي.
نهايةُ رحلة، لم تبتدئ أصلاً. وأحاول بدأها، لكنها انتهتْ، وبقيتْ على جوانبها نملة وشجرة وعصفور، ورجلٌ يجلس في الحديقة، وينظر إلى نملة.
رحلةٌ يحاول صاحبُها أن يبدأ، من نملة!
نملةٌ حقيقيّة، وتسلُّقٌ حقيقيّ، وجذع شجرة حقيقيّة. يا لهذه الحياة الحقيقيّة البسيطة التي غفلتُ عنها طويلاً! وإذا كان في مقدوري أن أكون، بعد، حيّاً حقيقيّاً، فعليَّ أن أبدأ من هنا، من النملة.
اخترعتُ أشجاراً في مجرَّات، نسوراً لا تأبه بنمل، ووضعتُ كرسيّاً في هواء، وحاولتُ رصفَ أحجار على غيم.
لا، ليس هذا بيتاً للعقلاء. فليس عاقلاً من لا يعيش مع نملة.
الغيم أتى فأهلاً يا صديقي؟ أيُّ غيم أتى؟ فلا غيم هناك ولا حتّى سماء. والنظرة التي قلتُ إنّها تبحث عن عين، لم تكن سوى حَوَلِ فراغٍ في محجريَّ. والنافذة التي اعتقدتُها تطلُّ على كون جديد، كانت شقَّ جدارٍ في ذاكرتي.
لا كونٌ جديد. كلُّ الأكوان الجديدة رَصْفُ أحجارٍ من الذاكرة. فقط هذه الأرض العتيقة، وأريد أن أعود إليها، إلى الحجر الذي وضعه أوَّلُ إنسان، وأجلسَ عليه.
بودّي أن أكتب رواية عن موت التخيُّلات. عن الصرخة التي لا تعود إلى صاحبها، والصوت الذي لا يبحث صاحبُه عنه.
بودّي أن أكتب فقط عن شخص حقيقيّ، يجلس على كرسيّ حقيقيّ، في حديقة حقيقيّة، ويعيش مع شجرة ونملة حقيقيّتين.
الأحلام تقتل الحدائق، وتقتل الأحجار والجالسين عليها.
بودّي أن أكتب عن حجر، لا يتحرَّك أبداً من مكانه
وعن شخص
يجلس مطمئنّاً
على ذاك الحجر.
----
وديع سعادة
(شاعر لبناني مقيم في أستراليا)

اقرأ ايضا: