العشوائية "تفترس" الاستزراع السمكي.. نشطاء رفعوا شعار "خلوها تعفن" وأحمد يصرخ "عاوز سمك يا بابا" | صور

7-5-2017 | 22:57

الأسماك

 

ميادة عبد المنعم

بينما تملكت الفرحة قلب هشام (37 عامًا) بعد خروج ابنه أحمد ذو الـ3 سنوات، عقب فترة احتجاز لمدة 3 أشهر بمستشفى الحميات، إلا أنه أصيب بإحباط وحزن شديدين، لأنه لم يستطع تنفيذ أول طلب لصغيره المتعافي، عندما قال له: "عاوز سمك يا بابا".

(65جنيهًا سعر كيلو البوري، البلطي35 والماكريل 30) لم تعد تسعيرة الأسماك بسوق الوايلي، في متناول هشام أو موظفي الدولة، لذا وقف الأب شاردًا يتمتم بكلمات يختلط فيها الغضب بالسباب، وهو ينظر في حيرة لـ"طاولة السمك" مترددا بين قرار الشراء، أو العودة لصغيره –في خيبة- من دون سمك.

"المقاطعة هي الحل"- وجهة نظر البعض، لكن أحمد سليمان الطالب بكلية الآداب، يقول "مفيش حد يعرف يغلب التاجر، حتى لو قاطعنا السمك، هيخللوه ويعملوه فسيخ ونرجع نشتريه في شم النسيم السنة الجايه بعشرة أضعاف سعره".

من خلف قفص خشبي يحمل "حزم الجرجير"، ارتفع صوت أم شيماء، بائعة الخضر: "ورور يا جرجير، بقدونس وشبت وكزبرة لزوم المحشي"، لكن حين سألناها عن الأسعار تبدلت ملامحها في حدة لتقول: "مفيش حاجة بترخص غيرنا، واللي يقول غير كده كداب، مؤكدة، أنها مبلية بالفول والبصارة -علي حد قول السيدة الخمسينية، التي تؤكد أنها لم تعد تثق في برامج الـ"توك شو".

نشطاء مواقع التواصل رفعوا شعار "خلوه يعفن" لكن ذلك لم يلقَ قبولًا عند "أم طارق" التي افترشت أحد الأرصفة لبيع أكياس الملح قائلة: "إحنا اللي معدتنا عفنت من قلة الأكل".

سليمان (45عامًا) يشير إلي أن غلاء الأسعار سببه أن العملة الوطنية انهارت، بعد أن أصبحت قيمة الجنيه 40 قرشًا فقط.

تتساءل هبه زيان (ربة منزل): إذا كان ارتفاع أسعار السمك والخضار بسبب جشع التجار، فمن المسئول عن ارتفاع البنزين وأسعار الكهرباء والأدوية والنقل؟

وقفت "أم طه" تزاحم الرجال في شواء الأسماك، وهي تعتبر أن المقاطعة خراب بيوت للعمال والمصانع والصيادين "على باب الله".

أفلت الصغير مروان من يد أمه -التي صرخت- ووقف أمام طاولة للجمبري، ووسط دموع والدته التي تعول 4 أطفال آخرين، شكت أن أطفالها أصيبوا بـ"أنيميا حادة" بسبب حرمانهم من أكل أي بروتين لمدة عامين.

يوضح الحاج أحمد محمود، صاحب مزرعة سمكية، أن طن العلف كان سعره 4000 جنيه قبل "تعويم الجنيه"، وأنه أصبح الآن 8200 جنيه.

يدفع الرجل عن نفسه تهمة الجشع: حوض السمك الواحد يخسر 50 ألف جنيه، تكاليف النقل والعمالة وأسعار الجاز، ثم ينفعل ويتهم هو الدولة بأنها تحارب أصحاب المزارع، ولا تدعمهم لتفسح المجال لمزارعها الجديدة.

وسط أجولة العلف، جلس سلامة ابراهيم (تاجر) الذي يكشف أن زيادة أسعار العلف سببها أن جميع مكوناته مستوردة، مطالبًا الدولة بالتصنيع المحلي.

لم يمنع الخوف إبراهيم، (تاجر تجزئة)، من الاعتراف بأن السمك المصري يتم تصديره للأردن ولبنان، وأحيانا منها لإسرائيل، لافتًا أن المقاطعة لن تجدي إلا مع الأنواع الرديئة التي لا تجد طريقها للتصدير.

يؤكد رأفت فهيم، من مصدري السمك، أن تصدير البلطي بات مهددًا بسبب ارتفاع أسعاره، مقارنة بأسعار مثيله الإندونيسي والصيني، الذي سحب البساط من السمك المصري.

تتباين آراء الخبراء، حيث أوضح الباحث أحمد حنفي، أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية لم يقابله أي زيادة في الأجور، مطالبًا بتحريك الرواتب لمجابهة هذا التضخم، والكَف عن فكرة التلويح بجشع التجار التي تعلق عليها الحكومة عجزها.

فريق آخر يؤكد، أن الزيادة سببها نفوق أطنان الأسماك، نتيجة تغيرات المناخ وتزايد موجات البرد في موسم الشتاء، الذي أجبر المزارع علي جمع الأسماك وبيعها، قبل اكتمال دورتها الطبيعية لسداد أقساط العلف، ما أدى لقلة المعروض.

لنفوق أطنان السمك أسباب، وفقا لخبير في أحد المراكز البحثية، مؤكدًا، أن السمك مناعته ضعيفة للغاية وأمعائه، لم تعد تتحمل التغذية على مياه ملوثة، وأن النفوق نتيجة طبيعية لخلط مياه الاستزراع بمياه الصرف الصحي.

يري الخبير- الذي رفض ذكر اسمه - أن تنقية مياه الصرف بمحطات معالجة قبل استعمالها في أحواض السمك، حل يتيح الاستفادة القصوى من المخلفات الناتجة من التحلية واستخدامها في تصنيع السماد بدلا من استيراده.

وأضاف، أن طرق الاستزراع السمكي عشوائية، نتيجة عدم معرفة المزارع بعلم إدارة صحة الأسماك في ظل غياب دور المرشد السمكي، وللأسف معظم أصحاب المزارع غير متعلمون.

وتقدر مساحة المسطحات المائية بنحو 13 مليون فدان، بينما تبلغ مساحة المزارع السمكية 359 ألف فدان، لكن واقع المزارع السمكية غير المرخصة سيئ، فهي عبارة عن قنوات ضيقة تمتلئ بمياه الصرف الصحي التي امتزجت بمياه الزراعة ومخلفات الدجاج كغذاء بديل عن العلف باهظ التكاليف.

هل أسماك المزارع التي تتغذي علي فضلات الدجاج صالحة للاستهلاك الآدمي؟ سؤال أجابه الدكتور محمد المنيسي، أستاذ أمراض الجهاز الهضمي بقصر العيني، مؤكدًا، أنها تصيب بالفشل الكلوي، فضلا عن إصابة الأمعاء بميكروب "السليمونيلا".

بينما يؤكد الدكتور أحمد إسماعيل، الباحث بالمركز القومي للبحوث الزراعية، أن تحقيق الوفرة في الأسماك الصحية، يُعد وسيلة فعالة لمواجهة المعدلات المرتفعة لتقزم الأطفال والسمنة المفرطة.

فهناك حالة ركود تخيم علي الأسواق المحلية في بلد تنتج سنويا نحو 1.6 مليون طن من الأسماك، واتهامات بتصدير غذاء الشعب للخارج، جعلت أحمد جعفر، رئيس شعبة الأسماك يفرض 12 ألف جنيه رسومًا على الطن من صادرات السمك، لكنها في نظر البعض كارثة.

"قرار جعفر عشوائي وسيمنع دخول عملة صعبة للبلد"

يرد أحمد السماك، أحد المصدرين بالإسماعيلية، الذي يؤكد، أن انخفاض سعر الأسماك لن يأتى إلا بتخفيض تكاليف استزراعه وحل أزمة الدولار.

اضطر الأب الذي يعمل مدرس تربية فنية، ويتقاضي راتبًا هزيلًا، لخداع ابنه بسبب غلاء أسعار الأسماك بما لا يناسب راتبه وقدرته المادية، ما دفعه لشراء ربع كيلو "فراخ بانيه"، وقدمها لطفله باعتبارها "سمك فيليه".

انصرف"هشام" الذي حمل صغيره فوق كتفه الأيمن، وهو يستعطف "أحمد ابني نفسه ياكل سمك، وأبوه بقا كذاب، وبينام هو وأمه من غير عشا".



.

مادة إعلانية

[x]