التنفس تحت الأنقاض

30-4-2017 | 10:30

 

في ( اليوتيوب) ،
أشاهدُ كيفَ أنّ اليابانيينَ يُروِّضونَ الزلازلَ في مبانيهم ،
بحيثُ هم يرقصونَ مع المباني عندَ حدوثِها،
واثقينَ بالهندسةِ المعماريّةِ المعاصرةِ في أُسُسِ المباني

أشاهدُ هذا وأتذكّرُ الموصليينَ تحتَ الأنقاضِ ،
تحتَ الأنقاضِ نتنفّسُ ونستمعُ فقط ،
ولا نقدِرُ على أن نحرِّكَ عضلاتِ ألسنتِنا أو عيونِنا ،
كما لو أنّنا لم نُفِقْ بعدُ من تأثيرِ المُخدِّرِ

تحتَ الأنقاضِ أستهزئُ ،
أهذا كلُّ ما لديكَ يا جدارُ ؟!
ريشةٌ على صدري أثقلُ منكَ

تحتَ الأنقاضِ أفكِّرُ في غدي ،
سأخلِّصُ الأحجارَ البريئةَ منكَ يا جدارُ ،
وأسوقُها إلى أرحامِها

تحتَ الأنقاضِ قبضتايَ مسدودتانِ كتجويفِ الجبلِ ،
مسدودتانِ مذْ صافحْتُها ،
غاضبٌ من العالَمِينَ

سأختزلُ الأوكسجينَ في كرتي المدبَّبَةِ بالشوكِ ،
وأجعلُهم خلفي يختنقونَ ،
يترصَّدُني طيرٌ ،
ينقضُّ عليَّ ،
فيتفحَّمُ

اطمئِنِّي يا أمّي ،
نِمْتُ في الساعةِ التاسعةِ كالعادةِ ،
عدَدْتُ الخِرافَ المُتَخيَّلةَ في السقفِ

غداً سأستيقظُ في الساعةِ السادسةِ ،
وأُزيحُ غطاءَ الحجرِ عن جبهتي ،
لا تقولي: أمواجٌ، قولي: بحرٌ يتجعَّدُ ،
برعونةِ وَعْلٍ أكتبُ وأجُسُّ أصابعي

حينَ تنتهي الحربُ سوفَ يأتي سكّانُ الأطرافِ الغرباءُ ،
وفوقَ أنقاضِنا لن تدومَ خِيَمُهم ،
نحنُ مصبوغةٌ بدمائِنا كلُّ الحجارةِ ،
يتدلّى ضوءٌ من خاصرتي ،
تتدلّى خاصرتي من هُوَّةِ البياضِ ،
يخيِّبُ فرحتي الشمعُ ،
تنهَلُ من رؤيتي النافذةُ

يعدو النهرُ وراءَ هوائي الذي سرقَ خلطةَ الغرقِ ،
يصعَدُ بيَ الإرهابيّونَ إلى سطحِ العِمارةِ ،
يحتشدُ السِّفْلَةُ مرتقبينَ ارتطامي

نظرةٌ أخيرةٌ على المدينةِ ،
جرّبْتُ الطيرانَ فخانَ الهواءُ ،
إذن لن يخونَ البَلاطُ ،
ما أَنْعَمَ خدَّ الحجارةِ ،
سخَّرْتُ الطبيعةَ للبحثِ عمَّن أضعْتُ

يا جبالُ افتحي عيونَكِ ،
يا غاباتُ شُمِّي الأثرَ ،
يا أنهارُ احفَظي لي ملامحَها ،
هيَ ذي بالشالِ الأحمرِ تدخلُ الآنَ الحديقةَ ،
وتدخلُ الحديقةُ في أوصافِها

إليكِ عبرْتُ أوديةً يَشْرَئِبُّ الغيمُ منها كأنّها مِبْخَرةٌ ،
وسياجاً متماسكاً هوَ دبكةُ عِيدانِ الخشبِ ،
ونافورةً آسِنَةً تَتحالَفُ الأُشُنُ فيها ،
وممرّاً سِرِّيَّاً يُفضي إلى غرفتِكِ

وَارَبْتُ بابَها بالحكمةِ ،
لكنْ تركْتِ مكتوباً: قابلْني فوقَ الجبلِ الأبيضِ ،
أيُّ جبلٍ أبيضَ وكلُّ جبالِنا خضراءُ ؟
ثُمَّ تذكّرْتُ أنَّ الجبالَ تُصبَغُ بالغيمِ ،
وأنَّ الغيمَ يُولَدُ من سيجارةِ امرأةٍ على عَتَبَةِ البيتِ

لي مكتَبٌ فوقَ المرتفَعاتِ ،
تقصِدُني فيهِ العنقاءُ طالبةً تبليطَ شارعِ الرياحِ !
والتلُّ يقصِدُني أَسْيَانَ: لقد وشَمُوني بِعَلَمِهم من حجرٍ رَخْصٍ !

تقصِدُني الغِزلانُ مُرتابةً: ذاكَ الشلّالُ يلمَعُ ،
هل هوَ نَصْلُ سكِّينٍ ؟!
من نصفِ تُفاحّةٍ وعطشٍ بهيئةِ كوبٍ تُبنى المَمالكُ

لا أُشْبِعْتَ أبداً أيُّهذا البياضُ ،
نَمْ فيمن تخلقُكَ نبعاً ،
انحَدِرْ على ساقٍ ،
تحطَّمْ ولا تُلَمْلِمْكَ

انعكسْ على أفكارِهم ،
أخِفْهم بما لا تُدركُهُ أنتَ ،
من مشتلي الزجاجيِّ ترتفعُ زنبقتي السوداءُ ،
ثمّ تطيرُ إلى أن تحجُبَ الشمسَ

ينذهلُ الناسُ من هذا المشهدِ ،
يحضُنُ الأولادُ سيقانَ آبائِهم ،
تطمِرُ الزوجاتُ رؤوسَهُنَّ في معاطفِ أزواجِهِنَّ

والجميعُ يطمِرونَ عيونَهم في أقدامِهم ،
تنتفخُ عروقُ زنبقتي السوداءِ وتنفجرُ ،
فينامُ الجميعُ محقونينَ بشظايا الربيعِ
-----
عبد الله سرمد الجميل
(شاعر من العراق)

اقرأ ايضا: