لو تمتعت بحقها لبقيت على قيد الحياة

1-5-2017 | 16:57

 

تظهر الدراسات أنه من الممكن، بل من السهل تفادي معظم وفيات الأمهات المتعلقة بالحمل والإنجاب بعد إن توافرت المعلومات السليمة والوصول للخدمات الصحية الجيدة وتغيرت بعض المفاهيم المتداولة اجتماعيًا، لماذا إذن تموت 800 سيدة وفتاة يوميًا حول العالم لأسباب متعلقة بالحمل والإنجاب؟ مع التذكير أن 60% من تلك الوفيات تحدث في المجتمعات النازحة، أي في مجتمعات أكثرعرضة من غيرها للمخاطر الصحية؛ بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، وصعوبة الحصول على الخدمات الطبية.

قرابة مليوني طفلة ممن هن دون سن الخامسة عشرة تصبحن أمهات كل عام دون أن يكنّ بالضرورة قد اتخذن قرار الإنجاب، فتواجهن مخاطر صحية قد تودي بحياتهن؛ بسبب الفقر أو الجهل أو الاستغلال، وهي كلُها عوامل تزيد من تهميشهن واستضعافهن وتحرمهن من حقوقهن الأساسية في اتخاذ قرارهن بشأن الإنجاب.

لقد اختتم مجلس حقوق الإنسان في جنيف مؤخرًا دورته الرابعة والثلاثين، وذلك كما جرت العادة، بحضور ممثلين رسميين عن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ، وجمعيات حقوقية وأهلية غير حكومية محلية وإقليمية ودولية.

 

كان لافتًا في هذه الدورة وجود مساحة معقولة لموضوع حق الفرد، وحق المرأة تحديدًا، في الحصول على معلومات وخدمات صحية متعلقة ب الصحة الإنجابية ، فقد تم تنظيم عدة فعاليات حول الموضوع، من ضمنها ندوة حول وفيات الأمهات، تحدث فيها المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان عن أسباب وفيات الأمهات والخطوات الملموسة للحد منها، وقد ظهر ارتباط الصحة الإنجابية بحقوق المرأة، وبحرية اختيارها المبني على معلومات لعدد الأطفال الذين سوف تنجبهم كأحد محددات تخفيض وفيات الامهات.

تشير الدراسات إلى أن حالة الصحة الإنجابية تعطي دلالات مهمة بشأن فعالية السياسات السكانية التي تتيح توفير المعلومات والوسائل اللازمة لمساعدة الأسر لاتخاذ قراراتها بشأن الحمل والولادة، وهي قرارات تأخذ في الاعتبار حالة الأسرة الاجتماعية والاقتصادية وإدراك الأسرة لما يمكن أن يكلفه كل طفل إضافي من استثمارات واحتياجات.

 

كما أن السياسات المدروسة في مجال الصحة الإنجابية تعني أن للنساء الحق في التفكير برغباتهن الفعلية فيما يتعلق بالحمل والأمومة، وهو ما تتجاهله بعض الثقافات المجتمعية حين تركز على أولوية الزواج والأطفال في سن مبكرة، وحتى لو أتى القرار على حساب حرمان الأم من الدراسة وتحقيق ذاتها.


في مصر، تضمن الدستور الجديد - ولأول مرة - مادة تنص على أن "تلتزم الدولة بتنفيذ برنامج سكاني يهدف إلى تحقيق التوازن بين معدلات النمو السكاني والموارد المتاحة، وتعظيم الاستثمار في الطاقة البشرية وتحسين خصائصها، وذلك في إطار تحقيق التنمية المستدامة"(مادة 41)، كما يتضمن الدستور نصوصًا متقدمة في مجال السكان والتنمية، وينص بشكل محدد على قائمة من الحقوق التي لو تم تفعيلها لأحدثت قفزة في نوعية الحياة، وفي خصائص السكان، وفي الوقت نفسه فإنه يعطي مرجعية لتبني المدخل الحقوقي في تناول القضايا السكانية، وقد قام صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر بدعم الجهات المختصة لوضع إستراتيجية قومية للسكان والتنمية 2015-2030 والتي اعتمدت على الجوانب الحقوقية، لا سيما حق المرأة في معلومات وخدمات الصحة الإنجابية ؛ كطريقة لا بد منها لإحراز التقدم، اعتمدت الإستراتيجية على الأرقام الرسمية التي توفرها مؤسسات الدولة المعنية بالإحصاء، مثلا أن السكان يزيدون بنسبة 2.4% (2015) سنويا، وأن نحو 800 ألف شاب وشابة يدخلون سوق العمل سنويًا أي أنهم بحاجة لفرص عمل، علمًا بأن مصر تشهد مولودًا جديدًا كل 23.5 ثانية، وأن العدد الإجمالي للسكان يبلغ حاليًا 92.8 مليون نسمة (المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والساعة السكانية).


وضعت الإستراتيجية أهدافاَ متضمنة خطة خمسية تدعو إلى ضرورة اتخاذ إجراءات تساعد المجتمع والدولة على تنظيم الأسرة حتى تستطيع مصر أن توفر لأبنائها فرصًا للتعليم والعمل والعلاج؛ حيث إن التزايد المستمر في عدد السكان يؤثر سلبًا في جميع مناحي الحياة بما في ذلك من تدهور المرافق العامة واستهلاك الموارد وانتشار الأمراض والأوبئة للجهل بطرق الوقاية منها، ويساهم بإصابة الشباب بالإحباط لعدم توافر الفرص، فتراهم يخرجون من وطنهم عن طريق الهجرة غير الشرعية باحثين عن فرص العمل.

من ناحية أخرى، تعاني السيدات والفتيات، لا سيما تلك اللاتي يعشن في ظل الفقر والتهميش، ومن عدم قدرتهن عموما على الحصول على الكثير من حقوقهن الأساسية، كما يعانين من التمييز ومن بعض الممارسات الضارة كزواج الطفلات الذي تطالب الاتفاقيات الدولية بالتخلي عنه؛ من خلال سن وتفعيل تشريعات تمنع زواج الطفلات دون سن 18 سنة، والذي تشير الدراسات الطبية إلى أنه حد أدنى للحمل إن أرادت النساء تفادي مضاعفات خلال الحمل والولادة.

كيف نكسر دورة الاستضعاف هذه؟ أولًا على مستوى الدول عن طريق تبني قوانين تحدد السن الدنيا للزواج، بحيث لا يزج بالطفلات والأطفال في خانة الكبار، إذ لا يمكن لمن هم دون سن الثامنة عشرة أن يتحملوا مسئوليات الزواج جسديًا ونفسيًا، وذلك بغض النظر عن أمثلة قد نجدها حولنا في العائلة وفي المجتمع عن فتيات نجحن في تلك المهمة.

 

ثانيًا يجب العمل بجدية على إبقاء الفتيات في المدرسة، وعلى تزويدهن بمعلومات حول الصحة الجنسية والإنجابية، ولمن يعترض على ذلك قائلًا إن تلك المعلومات غير محببة للمراهقين، يكون الرد: كيف تكون المعلومات غير محببة ويكون الفعل، أي الزواج والحمل، مقبولين؟ أوليس في ذلك نوع من التناقض؟

 

ثالثا يجب أن تتضمن السياسات الصحية والسكانية في كل بلد خطوات محددة لتنظيم الأسرة، باستطاعة الناس أن يتبعوها إن شاءوا.

وبذلك يكون الحق في تقرير ما إذا كانت الأسرة أو المرأة جاهزة للحمل، فيظهر ارتباط موضوع الصحة الجنسية والإنجابية بحقوق المرأة و حقوق الإنسان . وهو تمامًا ما سعى مجلس حقوق الإنسان في دورته هذا العام على تأكيده.

 

فهل ستعمل دولنا على وضع سياسات لوقف ظاهرة زواج الطفلات ووضع حد للحمل المبكر؛ بغية إبقاء الفتيات في المدرسة، وتمكينهن من تحقيق ما لديهن من إمكانات؟ وبالتالي هل سوف تتغير نظرة المجتمع لضرورة تمكين الفتيات والنساء من اتخاذ قرارات تؤثر بشكل جذري في صحتهن البدنية والنفسية، بل وفي حياتهن؟ أرجو ذلك.

كاتب المقال مدير صندوق الأمم المتحدة للسكان في المنطقة العربية.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]