ثقافة العشوائية

24-4-2017 | 12:27

 

إذا عقدنا مقارنة بين مدينتين، الأولى تتسم مبانيها بالاتساع والفراغات الشاسعة والمساحات الخضراء الكبيرة، والثانية مبانيها متلاصقة ولا توجد مساحات خالية أو خضراء، بكل تأكيد سيكون سكان المدينة الأولى ،هم الأكثر استقرارًا والأفضل اجتماعيًا ونفسيًا وصحيًا ولديهم فرص أفضل في الحياة، وعكس ذلك كله لسكان المدينة الثانية.

وكلنا يعلم جيدًا أن مصر مليئة بالمناطق العشوائية وهي آفة ظهرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين ولم تستطع الأنظمة المتعاقبة حلها بشكل جذري حتى الآن، ومنها أيضًا الأراضي الزراعية التي جرفت وتحولت لمناطق سكنية قميئة مليئة بالسكان الذين لم يجدوا مكانًا غير الأرض الزراعية لكي يبنوا عليها ليقطنوا فيها.

وتتسم هذه المناطق السكنية العشوائية بأسلوب خاص للبناء ،فمن أهم سماتها هى المباني الملتصقة بعضها ببعض، لا توجد مساحة كافية بين الجار وجاره، الشوارع ضيقة جدًا، تكفي لسيارة واحدة وقد لا تكفي، الخدمات العامة قليلة أو نادرة، حيث تتأخر وصول الخدمات الحكومية أو لا تصل أصلًا، وبالتالي يقوم المواطنون بدور الحكومة فيسرقون الكهرباء ويمدون شبكات للمياه ثم تأتي الحكومة متأخرة وتضطر للتسوية مع السكان الذي أصبح سكنهم أمرًا واقعًا من الصعب تغييره.

ولهذه المناطق العشوائية سمات خاصة بها بسبب طبيعة السكن، فالجار يسمع جاره، ويعرف يومياته بدون الحاجة إلى الإنصات، والمباني المتلاصقة تخلق دائما أنواعًا من التوتر وبالتالي يكثر الشجار بين السكان، كما أن تلك المسافات الضيقة تخلق شعورًا بالكآبة والضيق عكس المساحات الواسعة والفارغة التي تتسم بها المدن الكبيرة ذات البناء الطبيعي.

كل هذا ينتج حالة اجتماعية ونفسية وأيضًا ثقافية سيئة لكل سكانها، وهو ما حدث على مدار عقود من الزمن أخرجت أجيالًا يتسمون بثقافة خاصة هي ثقافة البناء العشوائي، والتي صورتها بعض أفلام السينما ومسلسلات التليفزيون وأدهشت كثيرًا من المشاهدين الذين يعيشون في مناطق سكنية طبيعية ولا يعرفون الجانب الآخر من الحياة، حتى أن البعض اتهم الدراما بالمبالغة والتهويل، والمشكلة موجودة ومستمرة وتزداد تضخمًا، دون وجود أي حل حقيقي وجذري.

وإذا ذكرنا لسكان هذه المناطق ذات البناء العشوائي كلمة "ثقافة" فسوف يضحكون ويسخرون من قائلها، ويرد على الفور "احنا محتاجين نأكل ثم نتحدث عن الثقافة بعد ذلك"، وقد يكون معهم حق إلى حد كبير.

ولكن هؤلاء لا يجب أن نحدثهم عن الثقافة شفاهة، بل يجب أن تذهب الثقافة إليهم من خلال مراكز أو بيوت للثقافة.

إلا أننا إذا نظرنا للحالة العامة لمصر سنجد أن كل عناصر الحياة تتسم بهذه السمة العشوائية، فما تم في البناء، تم أيضًا في التعليم وفي الصحة وبكل تأكيد في الثقافة، وفي كل مناحي الحياة، فالأمور كلها تسير عشوائيًا، قد يأتي فرد جيد يقدم بعض الخطط الجيدة ثم يذهب ويأت من بعده يلغي ما قام به السابق وهكذا، نسير في عشوائية منتظمة بدون خطط مدروسة تنفذها مؤسسات، ومهما وضع من نظام يقوم الأفراد بقدرة فائقة على تغيير هذا النظام وتطويعه لصالحهم ولصالح هذه العشوائية.

إذا نظرنا لحياتنا ولأسلوب التفكير من حولنا على مستوى الفرد أو المؤسسة خاصة أو حكومية سنجد أن هذه الثقافة العشوائية هي الثقافة السائدة مع كل أسف وهو ما يجعلنا نتراجع بقوة للخلف، مع أن الكل يدعي أنه يحاول إدارة الدفة للأمام.

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية