Close ad

"الأزهر" و"الثقافة" صدأ في جدار العلاقة.. "متى تعود المياه لمجاريها؟"

21-4-2017 | 20:171408

"الأزهر" و"الثقافة" صدأ في جدار العلاقة.. "متى تعود المياه لمجاريها؟"

منة الله الأبيض
21-4-2017 | 20:171408
21-4-2017 | 20:171408طباعة

وزير الثقافة وشيخ الأزهر

العلاقة بين وزارة الثقافة والمثقفين من جانب، ومؤسسة الأزهر ممثلة في أزهرييه من جانب آخر، يشوبها قدر من التوتر، وعدم التوافق الفكري على وجه الخصوص. وتاريخ "الثقافة" مع الأزهر مشوّش، بداية من الفنان فاروق حسني (الوزير ما بين 1987: 2011) الذي انتقد حكم ارتداء الحجاب للطفلة الصغيرة، مرورًا بالدكتور جابر عصفور في الفترة الثانية من توليه وزارة الثقافة (2014: 2015)، وهو أبرز الوزراء الذين أشعلوا معارك مع مؤسسة الأزهر، اعتراضًا منه على المناهج الدراسية والفكر الأزهري ومسألة تجسيد الأنبياء، حتى الوزير الحالي حلمي النمنم (2015: حتى الآن) وهو صاحب كتاب "الأزهر الشيخ والمشيخة" الذي فنّد فيه تاريخ الأزهر منذ نشأته ومواقف مشايخ الأزهر من السلطة.



ويُعد "النمنم" أبرز الوزراء الذين استفادوا من تجارب الوزراء السابقين في مسألة تعاملهم وتصريحاتهم عن الأزهر، بخاصة بعد تصريحاته التي قيل إنها منسوبة له بغير دقة ومغلوطة خلال ندوة "نحو استراتيجية ثقافية لمواجهة العنف" بالإسكندرية التي تردد أنه قال فيها: "مناهج الأزهر تحتاج إلى إعادة نظر في مضمونها"، وهو تصريح أشعل صدامًا من جديد يُعيدنا إلى معارك جابر عصفور السابقة بعد أن نسيناها خلال تولي الدكتور عبدالواحد النبوي وزارة الثقافة خلفًا لعصفور، وهو الوزير الذي جاء من كنف الأزهر حيث عمل أستاذا للتاريخ بجامعة الأزهر.

بيد أن الصدام أو الصدأ في جدار العلاقة بين الأزهر والمثقفين، يتجدد بعد عمليات التفجير، ومؤخرًا تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، حيث تُشير أصابع الاتهام إلى الفكر الأزهري باعتباره بذرة التطرف، كما يدّعي البعض.

لكن متى تعود المياه لمجاريها وتلتحم المؤسستان المعنيتان بالفكر وهما الثقافة والأزهر ويتعاونان معًا لتجديد الخطاب الديني؟

الصدأ في جدار العلاقة بين مؤسسة الأزهر الشريف ووزارة الثقافة وبعض المثقفين يراه الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق، بسبب المفارقة في درجة السرعات، فمثلا وزارة الثقافة فهمها لتجديد الخطاب الديني فيه درجة من السرعة ليست متوفرة في الأزهر، بمعنى أن المثقفين يرون أن الاجتهاد الفقهي يجب أن يكون مواكبًا للتطور في المجتمع وكذلك الأحكام يجب أن تتغير من زمن إلى آخر ولا تكون أحكامًا جامدة، بينما عقليات الأزهريين لا تؤمن بذلك، معتقدة أن الإبقاء على ما نحن عليه هو الأكثر أمنًا.

هذا الفرق في السرعات بين الأزهريين والمثقفين - كما يضيف "عصفور" - هو سبب الخلاف الذي لا تظهر حدته إلا عندما تحدث عمليات إرهابية حيث يُتهم الأزهر بأنه وراء هذا الفكر المتطرف، وعليه أن يُجدد خطابه، وإن لم يفعل سنكون "محلك سر".

التوافق بين الأزهر والثقافة والتعاون بينهما، يرهنه "عصفور" بالتوافق في السرعات من حيث التفكير والخطوات الجدّية على أرض الواقع، وصحيح ليس كل الأزهريين متباطئين "بتعبير عصفور" في عملية تجديد الخطاب الديني، وإنما هناك الكثير من المُجددين والمستنيرين أمثال الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق، والدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، لكن للأسف "هؤلاء إما منبوذون أو مضطهدون"، بحد قوله.

ويُعرّف "عصفور" الخطاب الديني بأنه جزء من الخطاب الثقافي (يشمل معتقدات المجتمع وأسلوب حياتهم) وكلاهما يحتاج إلى تجديد، والعلاقة بينهما علاقة تبادل وتأثير، والسؤال الأهم: "هل المجتمع لديه رغبة في التجديد؟"، فحتى الآن ليس لدينا القرار الحاسم في التجديد، فمناهج الأزهر هي التي تُدرس من 200 سنة، والأساتذة هم الأساتذة، وحتى الآن شيخ الأزهر هو سلطة دينية مع أنه لا توجد أية سلطة دينية في الإسلام، بحد قوله.

 ويتصوّر الدكتور عبد العزيز النجار، مدير عام الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، أن هناك صداما بين المفهوم الديني للثقافة وبين مفهوم المثقفين لمعنى كلمة الثقافة، فإذا اتفق علماء الدين وعلماء الثقافة، بداية على مفهوم محدد وواضح لن تكون هناك أزمة، وذلك لأن كلمة الثقافة عند المثقفين لها دلالات واسعة وقد تتعارض هذه الدلالات مع بعض النصوص الشرعية، ومن هنا يأتي التصادم ليس بين المؤسسة الدينية وبين المثقفين لكن بين المفاهيم الأساسية للتفاهم أو للنقاش.

وتجديد الخطاب الديني - كما يقول "النجار" - يجب أن يشترك فيه جميع أطياف المجتمع باعتبارهم معنيين بهذا الخطاب ولا يمكن أن يكون الخطاب الديني مثل الدواء يفرضه العلماء فرضًا لا يقبل النقاش وإنما الخطاب الديني هو خطاب المقصود به تنشئة المجتمع على المفاهيم الصحيحة للدين وإزالة الشوائب عن بعض المفاهيم المغلوطة عند كثير من الناس.

وبالتالي عندما يكون هناك برنامج دعوي لتصحيح بعض الأفكار لابد أن يشترك في إعداده وأسلوبه وطريقته شرائح كثيرة من المجتمع لأنهم هم الهدف من هذا البرنامج، وبالتالي فإن الأزهر والمؤسسة الدينية لا تمنعان أحدا من الإدلاء برأيه لكن تمنعان الوصاية الفكرية على المجتمع سواء من المؤسسة أو المثقفين وهذا هو الدور الأصيل للأزهر على مدى التاريخ لحماية العقول من الأفكار التي يمكن أن تسبب كارثة فكرية مثل قضية الحريات التي ينظر إليها الأزهر بمفهوم وقيود قيدها الشرع وينظر إليها المثقفون بمفهوم واسع بلا قيود.

ويصنّف "النجار" الأزمة الدائرة بين الأزهر والمثقفين، بأنها حفاظ من جانب الأزهر على الهوية الإسلامية حتى لا يلهث المجتمع، في نظره، خلف ثقافات متعددة ليس لها ضوابط دينية، وإطلاق العنان للعقل يفكر ويختار دون الرجوع إلى النصوص السماوية التي تضبط الناس.

والفجوة الناشئة بين الطرفين، تأتي من تمسك كل فريق برأيه وتعريفه، وإذا اتفق الطرفان على مفهوم وسط للثقافة الإسلامية، ستتلاشى الفجوة.

ورأى "النجار" أن التوافق بينهما صعب تمامًا أن يحدث، لأن أكثر المثقفين يستقون ثقافتهم من حضارات ربما أذهلت الناس ببعدها عن الدين.

ولا يعتقد الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن ثمة صداما أو صراعا بين الأزهر والثقافة بقدر ما أن كل شخص يتحدث من وجهة نظره باسم الشعب، ويعتقد أن وظيفته السيادة على الشعب لا خدمة الشعب، فمن هؤلاء الذين عينوا أنفسهم أوصياء على الشعب سواء كانت وصاية دينية أو ثقافية أو سياسية؟

ورأى "الهلالي" أن الأزمة في احتكار البعض الدين، وأزمة الخطاب الديني التي تُشعل الصدام بين الأزهريين والمثقفين، تكمن في عدم الأمانة في القول (أي عدم نسبة القول أو الحكم الديني لقائله وسرقة العلم من السابقين ونسبته للمتكلم) وعدم الصدق في الخطاب الديني (أي ذكر وجه واحد من وجوه الإجابات الفقهية)، داعيًا إلى ضرورة تقديم الرؤى والأحكام الدينية المختلفة وعدم إخفائها.

وتؤمن الكاتبة سكينة فؤاد، بأن تجديد الخطاب الديني مسئولية مؤسسات المجتمع التعليمية والدينية والتربوية، والثقافية، ويجب أن يدور بينها حوار قادر على استيعاب نقاط الاتفاق والاختلاف، مؤكدة أن المثقفين يتبنون الأزهر ويحترمون المؤسسسة ويتطلعون لدور أكثر فعالية في مواجهة ما أصاب الفكر ونسب للدين الحنيف من اتهامات ظالمة لا علاقة لها بصحيح الدين.

ودون شك فإن أن الأزهر يتمنى أن يحقق دورا أكبر ونتائج إيجابية وأن يكون قوة داعمة بجانب المواجهات الأمنية، لأن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تكون بالأمن فقط، لكن يجب أن تكون هناك مواجهة، واللحظة الآنية تحتاج إلى تكاتف وليس إلى صدام وصراع.

ومن الخطأ أن نعتقد أن الأزمات تُحل بالصراع وبتبادل الاتهامات، بل ينبغي طرح الرأي والرأي الآخر وتصحيح الفكر بالفكر، فنحن في خطر يستدعي التكامل وتأكيد الاحترام المتبادل، والأزهر يمتلئ بالعلماء الوسطيين، ويؤمن بالتعددية.

اقرأ ايضا:

"الأزهر" و"الثقافة" صدأ في جدار العلاقة.. "متى تعود المياه لمجاريها؟"