• رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
  • رئيس التحرير: محمد إبراهيم الدسوقي
اخر الأخبار

يركض طاويًا العالم.. قراءة في ديوان محمد القليني

18-4-2017 | 22:40861

يركض طاويًا العالم.. قراءة في ديوان محمد القليني

18-4-2017 | 22:40861
18-4-2017 | 22:40861طباعة

في ديوانه الصادر عن دار "العين"، والحاصل على جائزة "أخبار الأدب" 2016، وجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب لأفضل ديوان شعري بالفصحى، يباغتك محمد القليني بالعنوان "أركض طاويًا العالم تحت إبطي"، لتبدأ معه رحلة من الركض عبر القصائد المتنوعة التي أودعها الديوان.


ينشئ القليني عالمًا خاصًا به وحده، يجعل من نفسه المركز، وحوله وحول الشعر يدور الكون، في مجموعة قصائد يحتل الخيال الخصب فيها المساحة الأكبر من حيث القوة والتأثير، وعلى بساطة ألفاظ الشاعر وعدم ميله للزخرفة أو التأنق اللغوي تبقى صوره وأخيلته بديعة للغاية وبعيدة عن "الكليشيهات" التي يتعمد أحيانًا مخالفتها بوضوح لخلق صور جديدة؛ ففي حين يغازل الشعراء القمر، يكتب القليني "على عكس كل الشعراء لا أحب القمر" الموقف الذي يتكرر مع البحر، والطائرة الورقية وغيرها من العناصر التي يجعلها الشاعر محل كراهيته، في حين ينشئ علاقات من الحب مع الشجر والجدران وغيرها.



والديوان بشكل عام قصصي بامتياز، تحمل بعض قصائده بوضوح عناصر القصة من بداية ووسط ونهاية، وتتجول شخصيات قصصية فيه بحرية عبر السطور، لترسم لوحات مختلفة باستخدام الشعر.

وإذا كان الديوان يحمل ملامح القصة القصيرة، فإن الشاعر هو البطل الأول لكل قصصه، يبدأ ديوانه بالتعريف بنفسه "اسمي محمد القليني/ أكتب الشعر/ وأعمل في شركة ملابس..." ثم يمضي في قصائده الأولى، يعرفك أكثر بنفسه وعائلته وأزمته "أنا شاعر فقير جدًا/ حين يجوع أطفالي/ أدس في حلوقهم قصائد طازجة..."، وبرغم هذه الذاتية البادية، يجد القارئ نفسه متوحدًا مع أزمة القليني، التي هي أزمة الإنسان العادي، قبل أن تكون أزمة الشعر أو الأدب.

شعر القليني منتمٍ بشكل أساسي للطبقة الوسطى، التي تكافح من أجل البقاء في ظل الأزمة الاقتصادية، وعناصر عالمه ليست عناصر مستوردة من صالونات ثقافية أو بيئات منفصلة أو متعالية على الواقع الحي، دائمًا ما يتقاطع شعره مع أولئك الذين يرون ما يكتب غير ذي قيمة، أولئك الذين يرونه أبًا سيئًا أو الذين ينتظرون موته، لبيع كتبه لبائعي الروبابيكيا، مقابل بعض الطعام "كلوا يا أطفال / أخيرًا أصبح لهراء والدكم جدوى". وهو حين يعالج قضاياه الذاتية يتماس مع أزمة الشعراء والأدباء، الذين لا يوفر لهم الأدب الطعام، فيحصلون على لوم زوجاتهم، بدلًا من الحصول على المجد المأمول.

وإذا كان الشاعر يمضي بديوانه في أسلوب قصصي، فإنه ينتقل من تعريفك بذاته وواقعه إلى حديث عن مخاوفه، فيجعل من البندقية مضادًا للشعر، ويرمز بها إلى البلاد السامة، التي يريد أن يفرغ منها بطن الخريطة، وتمثل الحرب الهاجس الأكثر قسوة في تفكير القليني، بكل ما ترمز إليه الحرب من سوء "والمشكلة أن البندقية لا تعرف كيف تكتب/ فقط كل الذي يربطها بالقصيدة/ أن كلتيهما توجه إلى القلب".

وحين تتجاوز قصائد البندقية والحرب في الديوان، وتكون قد حصلت على مجموعة من المعلومات والسمات التي من الممكن نسبتها للبطل، ينقلك بعدها الشاعر إلى مرحلة أكثر قربًا وحميمية، كأنكما صديقين قديمين، فيحدثك عن حبيبته القديمة، وعن الشعر، والنقاد، ونفسه في حيوات أخرى، أو عن صوره التي يريد أن يكون عليها، هو مرة شجرة، ومرة حقيبة يد، ومرة جدار، وهو في كل مرة يستخدم خياله البديع في صناعة صور مذهلة، في تقدم منطقي يجعل هذا البوح بهذه التفاصيل الدقيقة مبرر، وغير ثقيل على القارئ الذي أضحى عند هذه النقطة من الديوان صديقًا للشاعر ومتقبلًا لفكرة إغراقه بحكايات ذاتية، تخففها قدرة القليني على إبهار أصدقائه القراء بتفاصيله، ليحقق معادلة صعبة جدًا، يتمكن من خلالها من إبقاء قارئه مستمتع، رغم كون بعض القصائد في تلك المنطقة من الديوان غير متماسة مع حياة القارئ، ولا تعنيه تفاصيلها كثيرًا، الصداقة التي تصل إلى ذروتها في النهاية "أنت طيبٌ جدًا أيها القارئ/ ولا ينبغي أن أخذلك ... "

اللافت هنا، أن الديوان الذي تحدث بكثير من الحميمية مع القارئ، لم يتحدث بالمثل مع الناقد، وبدا الشاعر منشغلًا بقضية النقد، خائفًا - في سطور ديوانه - من بعض النقاد "قصيدتي ليس لها قبضة/ لذلك لا تستطيع أن تهشم أسنان بعض النقاد/ الذين لا يقرؤونها إلا لاستعراض عضلاتهم"، وعلى الرغم من هذه العلاقة المتوترة مع النقاد، حصد الشاعر جائزتين أدبيتين مهمتين في مصر، في مخالفة للشكل النمطي للقصيدة التي تحصل على جوائز.

تبشر قصائد محمد القليني بشاعر يستطيع أن يقف في نقطة وسط بين القواعد النقدية، وبين الذائقة الشعبية، وإن كان الديوان الأول للقليني، هو بشارته الأولى في عالم الشعر، وإن كان بنظرة كلية إليه، قد حمل بعض العشوائية التي يمكن أن تكون قد وصلت إليه عبر تجميع قصائد كتبت في أوقات مختلفة، إلا أن هذه اللمسة من العشوائية أو تباين بعض القصائد من حيث القوة، تبقى معبرة عن بكارة وشباب، إذ لا ينتظر من العمل الأول أن يكون كاملًا بنسبة مائة بالمائة، فقد ينذر الاكتمال بالنقصان في المستقبل، بينما في حالة القليني يبشر عمله الأول بالأروع في القادم، ويضع على عاتقه مسئولية السير على خط دقيق للغاية، يكتب فيه بقوة من غير تكلف أو استعراض، وببساطة من غير ابتذال، وإذا كان الكثيرون يراهنون اليوم على قدرة الشاعر الشاب، فالأكيد هو أن المجتمع الثقافي اكتسب شاعرًا جديدًا مميزًا للغاية، وأن الناس قد كسبوا لسانًا جديدًا، يصلح للتعبير عنهم بمشاعر صادقة.

اقرأ ايضا:

يركض طاويًا العالم.. قراءة في ديوان محمد القليني