Close ad

مسلسل "الأب الروحي" بين مصر وأمريكا

19-4-2017 | 09:26930

مسلسل "الأب الروحي" بين مصر وأمريكا

19-4-2017 | 09:26930
19-4-2017 | 09:26930طباعة

بالرغم من تأكيد صناع مسلسل "الأب الروحي" أنه لا يحاكي ثلاثية فرانس كوبولا التي تحمل العنوان نفسه، والمأخوذة عن رواية الكاتب الأمريكي الراحل ماريو بوزو "The Godfather"، فإن المشاهدين، والنقاد كذلك، لم يستطيعوا أن يمنعوا أنفسهم من المقارنة بين المسلسل العربي والفيلم الأمريكي بل والرواية.

المسلسل الذي قام ببطولته عدد من النجوم من بينهم: محمود حميدة، سوسن بدر، أحمد عبد العزيز، أحمد فلوكس، وغيرهم، ربما وضع نفسه منذ البداية في مقارنة مع الفيلم الأمريكي الذي أخرجه فرانس كوبولا، وقام ببطولته: مارلون براندو، آل باتشينو، روبرت دوفال، وغيرهم، ربما وضع نفسه في هذه المقارنة بدءًا من "الأفيش" الذي يحتل صدارته حميدة "زين العطار"، بشكل شبيه للغاية بأفيش الفيلم الأمريكي الذي يتصدره براندو "فيتو كورليوني".



التشابه بين العملين لا يأتي فقط من "الأفيش"، إنما من خلال أحداث الجزء الأول من العمل الذي يتكون من ستين حلقة، يستطيع المشاهد أن يلاحظ عدة تشابهات بين العملين، سواء في شخصيتي (زين/ كورليوني)، أو حتى في الحبكة نفسها، بل وربما تركيبة بعض المشاهد.

الفيلم الأمريكي الذي يعده النقاد أحد أفضل الأعمال التي أنتجتها هوليود في تاريخها، وربما الأفضل، بحسب معهد السينما الأمريكي، بخاصة في جزئه الأول، منح الخلود لأبطاله بخاصة براندو وآلباتشينو، فهل يصل المسلسل المصري إلى النتيجة نفسها؟ هنا تظهر الاختلافات التي تجعل من نقل العمل إلى الدراما المصرية أمرًا في غاية الصعوبة.

ثمة اختلافان يتعلقان بالخصوصية الثقافية لرواية بوزو وللفيلم الأمريكي المأخوذ عنها، أولها يتعلق باسم العمل نفسه، "الأب الروحي"، أو "العراب".

ربما اتخذ مصطلح "الأب الروحي" دلالة مختلفة في المجتمع المصري والعربي، تتمثل في الشخص العبقري، القادر على التأثير فيمن حوله، ودفعهم نحو الأمام، وإلهامهم روحيصا ومعنويًا، على سبيل المثال يطلق على كاتب أدب الشباب المصري د.أحمد خالد توفيق لقب "العراب"؛ لتأثيره في الشباب من خلال كتاباته.

بيد أن "الأب الروحي" تحمل معنى مختلفًا تمامًا في المجتمع الغربي، له في الأساس سبب ديني. في الكتاب المقدس يعمد يوحنا المعمدان "النبي يحيى في العقيدة الإسلامية" يعمد السيد المسيح، بأن يغطسه في الماء ليعده للرسالة، ليصبح التعميد هو الطقس المتبع عند ميلاد كل طفل مسيحي.

لذلك يحمل مصطلح "الأب الروحي" دلالة دينية تتمثل في طقس ديني، الأمر الذي يجعل المصطلح غريبًا على المجتمع المصري، حتى بالنسبة للمسيحيين أنفسهم. ينتمي المسيحيون المصريون إلى طائفة الأرثوذكس، الكنيسة القبطية المصرية، التي بالطبع تعترف بالعمادة، ولكنها لا تعرف الأب الروحي بمعناه المعروف في غيرها من الكنائس.

في الكنيسة الكاثوليكية في عدة بلدان يحضر أحد الأشخاص تعميد الطفل، ومن خلال طقس يتمثل في سؤال القس بعض الأسئلة حول الإيمان بالله، وجحود الشيطان، وقبوله أن يصبح أبًا روحيًا للطفل، بمعنى أنه المسئول عن تربيته الدينية، والإنفاق عليه حال وفاة أبيه، وهذا أمر غير متبع في الكنيسة المصرية، إذ تقوم بهذا الطقس الأم، وليس غيرها.

الأمر الآخر يتعلق بالتكوين الاجتماعي، والخلفية الاجتماعية للبطل. فيتو كورليوني صقلي مهاجر إلى أمريكا، يعامل قومه بعنصرية داخل مجتمعهم الجديد، ولا يشعرون بالانتماء إلى المجتمع الرافض لوجودهم.

في الجزء الأول من الفيلم يعلن مايكل كورليوني تطوعه في البحرية الأمريكية إبان الحرب العالمية الثانية، ليعنفه (بل ويضربه) أخوه سانتينو لأنه قرر "أن يقاتل مع الأغراب".

هذه التركيبة الاجتماعية من الصعب إيجادها في المجتمع المصري؛ فليس ثم أقلية دينية أو عرقية وافدة من الخارج، ولا تشعر بالانتماء للوطن، حتى تلك الأقليات التي تعترف الدولة نفسها بأنها عانت تهميشًا لفترات طويلة.

ما منح لشخصية فيتو كورليوني الخلود، فضلًا عن أداء مارلون براندو الذي منحه الأوسكار كأفضل ممثل، كان هو التركيبة الاجتماعية والنفسية التي ضفرها ماريو بوزو في روايته الشهيرة.

دون كورليوني ليس مجرد زعيم مافيا أو رجل قوي يستطيع أن يتحكم فيمن حوله ويحركهم، إنما هو "شخص يأتي إليه الجميع طلبًا للمساعدة، حيث لا يمكن خذلانهم أبدًا"، هكذا يقول الراوي، "لم يكن من المهم حتى أنك لا تمتلك الوسائل لرد الجميل، شيء واحد كان هو المطلوب، وهو أنك، بنفسك، تعرض صداقتك. . ."، وبعدها ". . . لن يدع شيئًا يقف في طريق إيجاد حل لمشكلة ذلك الرجل".

كورليوني إذن رجل صقلي، لديه عادات وتقاليد تختلف عن المجتمع الأمريكي، مستعد للقتل من أجلك فقط إن دعوته "العراب" أو عرضت عليه صداقتك، التي لا يحتاجها، ما يهمه فقط أن يكون محترمًا، لا شيء سوى ذلك.

في روايته يمهد بوزو لظهور شخصية الأب الروحي بعدة مشاهد يقرر فيها عدة أشخاص ينتمون للعرق نفسه الذي ينحدر منه كورليوني أنه ما من أحد ليخرجهم من ورطتهم سوى هو، عندئذ يظهر كورليوني، الذي يأخذ بوزو في شرح شخصيته.

كوبولا أيضًا يتخذ الطريق نفسها تقريبًا للتعريف بالعراب، يجلس بوناسيرا في المشهد الأول في مكتب كورليوني (الذي يقام حفل زفاف ابنته في الخارج) ليطلب شبه باكي من كورليوني أن يثأر لابنته التي تعرضت للاغتصاب والتعذيب على أيدي مجموعة من الأشقياء.

غير أن كورليوني يرفض في البداية لا لأنه لن يقتل، بل لأن الرجل لم يعامله بالاحترام الكافي، لم يعرض عليه صداقته، ولم يدعه حتى بالعراب أو الأب الروحي. ينحني بوناسيرا، يقبل يد كورليوني ناعتًا إياه بالأب الروحي، فيوافق. هو رجل يريد أن يكون محترمًا من الجميع.

هذه التركيبة تبدو غريبة على المجتمع المصري، الأمر الذي لا يعطي شخصية زين العطار التفرد الذي حازته شخصية كورليوني لتخرج شخصية نمطية تشبه عدة نماذج قدمتها السينما أو الدراما: محمود عبد العزيز (أبو هيبة) في "جبل الحلال" مثلًا، أو حتى محمود ياسين وأحمد السقا في "الجزيرة"، وغيرها من الأعمال التي تقوم على شخصية المجرم المحبوب والشهم.

الفرق الزمني بين العملين قد يشكل عائقًا أمام تنفيذ عمل بهذا الشكل. تدور أحداث الفيلم في الأربعينيات بأمريكا في الأحياء التي يسكنها المهاجرون ذوو الأصول الإيطالية، حيث تغيب الشرطة عنها بشكل كبير، وتستعمرها عصابات المافيا المتصارعة على عكس المسلسل الذي تدور أحداثه في وقتنا الحالي في القاهرة.

لذلك يبدو من غير المنطقي أن تقوم اشتباكات تنتهي بمقتلة جماعية في أحياء القاهرة، دون أن تحضر الشرطة، علمًا بأن الاشتباكات، والمطاردة التي تسبقها، تستغرق فترة زمنية غير قصيرة.

اقرأ ايضا:

مسلسل "الأب الروحي" بين مصر وأمريكا

أضف تعليق