• رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
  • رئيس التحرير: محمد إبراهيم الدسوقي
اخر الأخبار

"أرضي و12 دور".. بناء مبتكر للرواية الجديدة

18-4-2017 | 10:31987

"أرضي و12 دور".. بناء مبتكر للرواية الجديدة

18-4-2017 | 10:31987
18-4-2017 | 10:31987طباعة

أن نقف مع شاب المبدعين وندعمهم فنحن نقف في الحقيقة مع أنفسنا ونراهن على المستقبل، أقول ذلك بمناسبة فوز رواية الكاتب الشاب عمرو الرديني "أرضى و12 دور" بجائزة نادي القصة التي تعتبر واحدة من أعرق الجوائز العربية وأقدمها في هذا الفن، وحين تقرأ الرواية ستجد نفسك منحازًا إلى العمل من أول العنوان الذي يعتبر عتبة مهمة من عتبات الرواية والنص الأدبي عمومًا، وسبق للروديني أن فاز أيضًا بجائزة المواهب من المجلس الأعلى للثقافة عن رواية "البوابة رقم 10"، وحصل على التفرغ أيضًا. إذن نحن أمام كاتب جديد مبدع يشق طريقه بثات وتؤدة ويعرف طريقه جيدًا نحو الإبداع الجيد الذي يحصد الجوائز والنشر والتواجد والاستقبال الجيد من الجميع، لماذا استطاع عمرو الرديني أن يجذب القارئ إلى نصوصه؟ بالطبع كان هذا هو السؤال الذي سيطر عليّ، فلو أخذنا هذه الرواية كنموذج سنجد ما يلي:

"بناء محكم"


تمكن الرديني من بناء روايته بناءً محكمًا منذ العنوان الذي أعطى إشارة للحيز المكاني الذي من الممكن أن تدور فيه الرواية، فقد قسّم فصول الرواية إلى أربعة عشر دورًا مرتبطة بأرضي واثنتى عشر دورًا بالإضافة إلى الأرضى ودور متخيل في ذهن القارئ وصدر كل فصل من الفصول برباعية شعرية تشبه رباعيات صلاج جاهين كتبها الرديني، وتدلل وتساعد وتعتبر عتبة مهمة أيضا من عتبات الفصل.

صدر الفصل الأول بإهداء للأسانسير ذلك الصندوق الذي يصعد ويهبط ولا يكف عن الصعود والهبوط مثل روحه، نحن إذن أمام هندسة روائية محكمة الصنع، مبتكرة وجديدة استقاها من المكان الذي سيدور فيه أحداث روايته والتي شكلت طبيعتها ملامح الشخصيات التي تواجدت أيضًا في العمارة بداية من البواب الذي أهدى الكاتب له الرواية وتناص مع شخصية أحمد زكي في فيلم "البيه البواب" وارتبط كل دور بطبيعة الساكن الذي يتواجد فيه، بداية من تحت الأرض الذي لن يكون إلا للأشياء التي لا ترى فالدور الأرضى لن يتواجد فيه إلا العفاريت والأشياء النفسية والحضارات والمعادن والموتى، فهو الدور حيث البدء والمنتهى والصعود والهبوط ، فبطن الأرض كما يقول هو الرحم الكبير. وتسير الرواية على هذا المنوال، فكل دور يشكل وحدة منفصلة متصلة بالرواية و تشكل جميع الأدوار من تحت الأرض حتى الدور الرابع عشر من الرواية كلها.
عتبات الفصول/ الأدوار/ النص/ العمارة:
  يسبق كل فصل من الفصول عتبة مهمة للدخول لهذا الفصل / الدور، وهى رباعية شعرية بالعامية المصرية كتبها الرودينى ، تكشف بعض تفاصيل ما يدور داخل هذا الدور / الفصل من أحداث تبدو منفصلة و لكنها متصلة بالعمارة / الرواية ككل ومثال ذلك:
مسكت قلمى مش عارف حأكتب أيه
واشتد ألمى من حالى ، واللى أنا فيه
طلع الكلام و كأنه جن من مصباح
بيقول شبيك لبيك تتمنى إيه؟!
و يحدد الروائى عمرو الردينى مسئولية الإنسان فى السيطرة على جوارحه ، معتمدا على الآية 36 من سورة الإسراء "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا"، ئم يقدم جملة أحمد زكى فى فيلم البيه البواب " أنا بيه أنا بيه أنا بيه " و يقدم تحت عنوان مفتتح لفيلم المنسى لعادل إمام و أحمد راتب عتبة أخرى للدخول إلى الرواية و نجد هنا التناص بين شخصية البطل منسى و شخصية عادل إمام فى فيلم المنسى و كأن الكاتب عمرو الردينى يهيئ القارئ تماما لما سوف يقرأ فى الرواية و يدعمه بعتبات منفصلة متصلة قبل كل فصل من الفصول لكى ندخل مهيئين تماما ، فيبدأ التجول بنا شقة شقة و دورا دورا حتى نصل فى النهاية إلى الدور الوهمى الذى بناه لكى يطرح علينا خياله أيضا قبل أن تنتهى الرواية .
حكاية كل دور/ فصل:
ونجد أن لكل دور حكاية يعرضها علينا الكاتب بشكل منفصل ككل دور بذاته و متصل مع الرواية ككل و يربط بين جميع الحكايات و الأدوار شخصية منسى بطل الرواية الذى يشبه الكاميرا التى تتجول ، و كان تصوير الردينى بالكلمات يشبه تصوير كاميرا الفيديو و يتشابه مع أداء الكلمات و لذا نستطيع أن نؤكد ونحن مطمئنون أن هناك مشهدية سيطرت على أداء الكاتب السردى ، فحين يدخل الدور الأرضى يصف السرد أحوال هذا الدور الذى لن يسكنه إلا من يرضى أن يكون فى القاع أو بالقرب من باطن الأرض و بالرغم من ذلك أخذ عقل القارئ إلى النفائس التى تتواجد فى باطن الأرض و عودة الإنسان إليها و يجد البواب المسن العربيد بسيونى منتظره فى حجرته ، جالسا القرفصاء على سريره كسلطان مربع على عرشه ، الذى سيشهد العديد من الليالى الحمراء لعدد كبير من الساقطات اللائى يعرفنها جيدا و كن يأتين إليها لمارسة أقدم مهنة فى التاريخ ، حتى إن واحدة منهن أرادت أن تستخدم تلك الحجرة و تكون مستقرا لها و للزبائن الآخرين لكن منسى طردها دون أن يعطيها شيئًا .
ويكشف لنا الروائى عن شخصيتين جديدتين فى الدور الأول هما؛ شخصية الحاجة أم الملونير صاحب البرج و التى يبدو عليها التواضع و البساطة و المريضة دائما والعاشقة لمعاش زوجها والحريصة عليه كل شهر رغم أنه ضئيل ولا يستحق أن تنزل له كل شهر لصرفه والشخصية الثانية هى أخت المليونير المريضة بمرض نفسى مزمن و تقضى العام كله بالبلد وتأتى فى شهور الصيف ويقال إنها أصيبت بهذا المرض بعد استيلاء أخيها على نصيبها فى ميراثها وحكاية حبها لحارس أمن لدرجة الجنون لكن العائلة وقفت ضد ذلك و يعتبر البطل منسى أن الدور الأول هو دور الحنان والعطف.
وفى الدور الثانى يتقدم خطوة نحو البنت منى التى سوف تأسره بجماها وريفيتها وطيبتها و يتساءل ، كيف تكون خادمة عند المهندس مدحت صاحب البرج و الذى لم يظهر له الكاتب ملامح واضحة و يتذكر كل أشكال الخادمات ولكنه لا يرى فيهن أى واحدة مثلها و بعد قليل يتراجع حين يشم رائحة مختلفة مرتبطة بأجساد القادمات من الريف ويزاد تعلقه بها حين تكشف النوة التى اجتاحت البلاد عن ساقيها العبقريتين و بهذا استطاعت منى أن تثبت وجودها الروحى و المادى داخل عقل ووجدان المنسى.
وفى الدور الثالث نكتشف أنه خالٍ من السكان و لا يأتى إليه أحد و لا طلبات توصيل و يستعرض الكاتب أسماء الشقق و سكانها من خلال جدول نشره فى ص 20 يوضح الأمر ، و بالنظر لهذا الجدول التوضيحى سنجد شخصيات مؤثرة فى الأحداث و لها دور مهم داخل الرواية و شخصيات أخرى عابرة ليس لها أى تواجد أو تأثير و يواصل الرواى الصعود مع كل فصل / دور ليكشف لنا حقيقة من يسكنون فيه.
طابق خيالى فوق الجميع
من النقاط التى تعتبر لصالح رواية أرضى و12 دور، الدور الرابع عشر الذى اخترعه عمرو الردينى، لأنه دور يناسب خيال بطله المريض تماما ، يستطيع أن يضع فيه كل ما يتخيله من شطحات و خيالات و أحاسيس تجعله فوق الجميع وأعلى من كل الناس - اسم مجموعة للراحل فريد معوض - فى البرج الشاهق و لم لا؟ وهو فوق الجميع وكل نساء البرج تحته تماما" شعورك بأنك الأعلى يولد بداخلك الثقة و الطمأنينة.. ففى الدور الـ(14) ستكون فوق الجميع.. تركب الكل.. ويبدأ خياله المريض فى تصوير المشهد له أنه يتبول على الجميع. وتكشف كل تلك الخيالات حالة شخصية منسى بطل الرواية وكيف أنه ومن خلال الفصل نكتشف مدى حقده على صاحب البرج الذى يقرر من خلال الفصل أنه سوف يتلصص على عوراته مجسدا ذلك فى ابنته وخادمته منى وحتى أخته ظريفة المريضة بمرض نفسى والذى أخذ منها ميراثها لأنها أحبت فى الماضى حارس أمن ومنسى - نفسه- كان فى الماضى حارسا للأمن والحقد هنا فى تصورى ليس نابعا من الخلاف الطبقى فقط ولكنه انتقام داخلى من مدحت الذى أصاب أخته بالمرض وسرق حقها بسبب حبها لحارس الأمن زميل المهنة.
و فى النهاية يؤكد الروائى عمرو الردينى فى مفتتح الفصل ومن خلال الرباعية أن تلك خيالات وعبث لن يؤدى لشيء وأنه فى النهاية لايوجد غير البدروم أو السطوح " طير هايش و طير مدبوح .. ريش هايش و ريش مجروح .. ولإمتى ح نفضضل فى عششنا؟ ، و آخرنا نكاكى على سطوح".
ويتطور الحال بالمنسى فى الدور السادس/ الفصل الثامن أن يتحول لنباش أكياس الزبالة حين ينسى سكان البرج أن ينزلوا له طعام الغداء ، فينبش الأكياس لكى يعيش ، فيجد فيها الخير الكثير ، و يقنع نفسه بأن فضلات الطعام لم تتعفن بعد ، فما تزال تحتفظ برائحة الطهى الطازجة و لكنه يتذكر منى " لكنك ستتمنى الموت قبل أن تراك منى فى موضع كهذا " ويشير الروائى - بشكل غير مباشر - أن بقايا هؤلاء من الممكن أن يعيش عليها الملايين و لكن بصورة أفضل ، فمجرد النسيان من ساكنى العمارة جعله ينزل لتناول الغداء من أكياس القمامة و من الممكن أن يرسل الغداء نفسه فى أطباق و بشكل أكثر احتراما و إنسانية ، فهذا البرج هو نموذج لطبقات العالم و لطبقات المجتمع الذى لا تفكر كل طبقة منه إلا فى نفسها فقط ، فليبك كل واحد على نفسه ، ويؤكد ذلك الكاتب عمرو الردينى فى مقدمة الفصل السادس "ببكى على نفسى، لكن دمعى رخيص ..و ياما كان نفسى ألاقى أى حسيس".
الرؤية المشهدية:
ومن التقنيات التى استخدمها الردينى فى روايته "أرضى و 12 دور" الرؤية المشهدية فى كتابة الرواية وكانت أهم ملمح فيها القطع ، فالكاتب بعد أن يبدأ فصله بالسرد عن طبيعة الدور الذى يتحدث عنه وعلاقته به يقطع السرد ويذهب لمنطقة أخرى تماما قد لا يجد القارئ علاقته إلا باجهاد مخه مثل قرار رئيس الجمهورية بإنشاء المجلس القومى للمرأة رقم 90لسنة 2000 فى الفصل التاسع/ الدور السابع وسيتأكد من ذالك حين يعود إلى الدور الثالث / الفصل الخامس ليجد فى الجدول أن هذا المجلس يتواجد فى الدور السابع و الغريب أن الكاتب قد جاء بكل صيغة القرار ، فكانت إضافة تقريرية طويلة للرواية لم تضف كثيرا و كان من الممكن الإكتفاء بالإشارة لقرار رئيس الجمهورية و لكنه أعطى متسعا لمن يود المزيد من المعرفة.
و فى الدور التاسع / الفصل الحادى عشر يقطع صوت الإسعاف و التكيتافون الحالة التى كان بها منسى ، حيث لقاء واحدة من بنات الليل التى أقتحمت حجرتة سائلة عن بسيونى فأخبرها أنه مسافر وبدأت تستخدم أدواتها كعاهرة محترفة حتى وقع فى الفخ الذى يود أن يقع فيه مقابل عشرة جنيهات بعد أن خفض السعر من خمسين و تأكد تماما من هواجسه أن بسيونى زير نساء. ونجد هذا النموذج مكررا فى أغلب الفصول و فى الفصل السادس يقطع مشهد سكان العمارة السرد و يقطع هذا المشهد مشهد آخر و هو نزول الحاجة أم صاحب البرج لقبض المعاش الشهرى.
صورة نمطية لساكن الدور السابع فى النهاية:
وصعد بنا الردينى للدور السابع ليقدم لنا شخصية غريبة وهى الأستاذ وحيد الذى غادرته زوجته منذ عشر سنوات و ينتظرها كل يوم و يجهز لها الغداء الذى تحبه و يغسل ملابسها ويجلس ينتظرها لعلها تعود ثانية ولكنها لا تعود فيرسل الطعام لمنسى البواب ليأكله وتأخذ الظنون منسى ويعتقد أنه شاذ ولكنه يكتشف عكس ذلك وأن هذا الرجل محترم وكريم ويحب زوجته وينتظرها وإلى هنا نعتبر الشخصية جديدة و مدهشة وجديرة بالكتابة و لكن الكاتب لم يلبث حتى يرمى تراب الفرن على الخبر الطازج كما يقال ويفسد الشخصية ويؤكد إنها صارت شاذة بسبب الانتظار الطويل للزوجة التى لم تأت، فيأخذ العقل مرة أخرى للشخصية النمطيىة الشاذة التى تصطاد فريستها نظرا لحاجتها للطعام أو المخدرات أو المال بأى شكل وأرى أن يتخلص الردينى من تلك الإشارة و يبقى الشخصية على بكارتها  مخالفتها لظنون المنسى والقارئ، وهذا فى تصورى أفضل كثيرا ولن تتماس مع شاذ عمارة يعقوبيان فى مخيلة القارئ على الأقل وسيكون قد أضاف جديدا للرواية و لذهنية القارئ و ستكون هذه هى الشخصية الوحيدة غير النمطية والمبتكرة.

وختاما يعلق عمرو الردينى بطله بالسماء والفراغ ويجعله يصعد لإلقاء نظرة أخيرة مودعة من فوق، فيجد المنظر مهيب من أعلى، ترى الحقارة مرتبطة بالأسفل والله فقط هو الذى سبحانه وتعالى يسكن السموات العلى ويودع حتى الدور الوهمى الذى رسمه فى خياله ويبدأ فى الهبوط مودعا دورا دور حتى يخرج من البوابة الحديدية، يلقى بنظرة على الطائرة الورقية الذى ينفلت خيطها من الصبى، وأظن أن روحه أيضا قد انفلتت إلى الأفق الفسيح ليخرج من تلك الحياة البائسة إلى حياة أكثر رحابة وذلك بعد أن حقق حلمه الأرضى بمنافسة بسيونى زير النساء و تبول فى خياله المريض على سكان العمارة جميعا ووضع بصمته كما يقول فى كل الشقق ليصر البيه البواب الجديد.

اقرأ ايضا:

"أرضي و12 دور".. بناء مبتكر للرواية الجديدة