• رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
  • رئيس التحرير: محمد إبراهيم الدسوقي
اخر الأخبار

سمير فريد.. فارس جيل الستينيات

17-4-2017 | 08:361092

سمير فريد.. فارس جيل الستينيات

17-4-2017 | 08:361092
17-4-2017 | 08:361092طباعة

فقد الوسط الثقافي في مصر والعالم العربي والعالم الناقد السينمائي والمثقف الموسوعي  سمير فريد. وبغياب المُعلم سمير فريد عن المشهد السينمائي النقدي في مصر والعالم العربي، يغيب عنا قلم نقدي فذ، ومثقف قدير، وواحد من أصحاب الرؤى السياسية الرفيعة والقيم الليبرالية الفريدة المتشبعة بالثقافة الموضوعية العميقة والجديرة بكل احترام وتقدير.

وُلد ناقدنا في مدينة القاهرة في سنة 1944. وتخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية الذي درس فيه النقد على أيدي عمالقة وجيل الآباء المؤسسين للثقافة المصرية في حقبة الستينيات من القرن العشرين. والتحق بالعمل صحافيًا في جريدة الجمهورية في أوساط الستينيات محدثًا ثورة في مجال النقد السينمائي، ومؤسسًا لتيار جديد، ومدرسة كبيرة تخرجت فيها أجيال عديدة من نقاد مصر البارزين في مجال النقد السينمائي. وكان مقال الأستاذ سمير فريد وإسهاماته العديدة في جريدة الجمهورية من أروع ما يكون ومن أول وأهم ما يقرأ فيها.



وكان في مقاله يمزج السينمائي الثقافي بالاجتماعي بالسياسي بشكل مدهش. وكان هو بحق فارس جيل الستينيات في النقد السينمائي إلى جوار عمالقة الرواية والمسرح والقصة القصيرة. ولم يكن الأستاذ فريد من بين كتاب المقال النقدي السريع، وإنما كان من أصحاب الرؤية العميقة والمحللة للأمور والظواهر والأشياء وربطها ببعضها البعض بحس قلما توافر لأحد غيره. كان ذا قلم نقدي رصين.

وفضلًا عن كتابة المقالات النقدية، لم يغفل فريد عن التعبير عن رؤاه الفكرية في الفن والسينما والتأسيس لمدرسته النقدية التي كان يحلم بها. فنجده قد أصدر عشرات الكتب العلامات في تاريخ النقد السينمائي المصري والعربي. ونذكر من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، "الواقعية الجديدة في السينما المصرية" الذي قدّم فيها لجيل الثمانينيات الرائد في تاريخ السينما المصرية الذي جدّد السينما المصرية وأعاد لها شبابها، وكتابه المهم "أضواء على سينما يوسف شاهين" الذي يعتبر من أهم الكتب المؤلفة عن صاحب فيلم "الأرض"، وكتابه العلامة عن "الصراع العربي الصهيوني في السينما" الذي يعد أيضًا من المراجع المهمة عن تلك الأزمة، وغيرها الكثير.

ودون شك، فإن إسهامات فريد العديدة في التأسيس والمشاركة والحضور في مهرجانات سينمائية مصرية وعربية ودولية عديدة، لهي من أهم مساهماته في إيصال صوت مصر للعالم وصوت العالم لمصر. ونتيجة لذلك، فقد اختير الراحل الكبير كعضو لجان تحكيم في مهرجانات دولية كثيرة. وكان بحق صوت مصر السينمائي النقدي المستنير في العالم كله.

وأذكر أنه أخبرني أنه لم ينقطع مرة عن الذهاب إلى مهرجان "كان" السينمائي الدولي في شهر مايو من كل عام منذ أن ذهب إليه وهو شاب صغير، وكذلك كان يذهب إلى مهرجان برلين السينمائي الدولي باستمرار الذي كرم ناقدنا الكبير في دورته الأخيرة باعتبار الأستاذ سمير فريد واحدًا من أهم النقاد السينمائيين في مصر والعالم العربي والعالم من خلال مسيرة إبداعية حافلة في الكتابة عن السينما لمدة نصف قرن عبر من خلالها عن مصر والعالم العربي خير تعبير.

وكذلك حصل الأستاذ فريد على "الميدالية الذهبية" من مهرجان كان السينمائي الدولي نظرًا لعطائه الكبير في مجال النقد السينمائي في مصر والعالم العربي عام 2000. فقد نقلنا بحق إلى العالم ونقل بصدق العالم إلينا.

وكان الأستاذ سمير فريد نشيطًا ومتحمسًا للغاية وصاحب أفكار عديدة جريئة وجميلة. فكان صاحب فكرة إنشاء "المهرجان القومي للسينما". وأيضًا شارك في تأسيس "مهرجان الأفلام القصيرة والوثائقية"، وكذلك تأسيس جمعية النقاد السينمائيين المصريين في أوائل سبعينيات القرن العشرين. وكان عضوًا بارزًا في الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين بداية من أوائل سبعينيات القرن العشرين أيضًا.

أما في مصر، فقد تقلد مناصب سينمائية إدارية كثيرة مثل إدارته لمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والروائية القصيرة، وكذلك لمهرجان القاهرة الدولي لسينما الطفل في دورتهما في منتصف ونهاية تسعينيات القرن العشرين. ورأس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته بين عامي 2013-2014. ونجح الأستاذ فريد في الدفع بالمهرجان الدولي للأمام والإبقاء على صفته الدولية التي كانت مهددة بالسحب في تلك الفترة العصبية من تاريخ مصر المعاصرة.

وعلى المستوى الشخصي، كانت تربطني صداقة قوية بالراحل الكبير. وكان محبًا ومشجعًا للأجيال الشابة في الكتابة النقدية عن السينما. وعندما بدأت الكتابة في النقد السينمائي في جريدة "الحياة اللندنية" الغراء وفي مجلة "الكتب.. وجهات نظر" القاهرية المتميزة، وجدت الأستاذ سمير فريد متحمسًا ومشجعًا لي للغاية حتى أنه دعاني لكتابة مقال عن "السينما المصرية والأدب" وصدر باللغة الإيطالية في كتاب أعدته الناقدة السينمائية الإيطالية سلفيا بازولي وصدر عن مهرجان تورينو السينمائي الدولي في الاحتفالية التي كانت مخصصة للسينما المصرية في ذاك العام.

ولا أنسى أنه دعاني لحضور العرض الخاص بفيلم "أرض الخوف" للراحل العبقري أحمد زكي وللمخرج المبدع الكبير داود عبد السيد في سينما مترو في وسط القاهرة. وكانت تعليقات الأستاذ على الفيلم وشخصياته، خصوصًا الفنان الراحل حمدي غيث في دور المعلم هدهد، من ما أمتع التعليقات النقدية من ناقد كبير في قامة وقيمة الأستاذ سمير فريد. وقدمنى إلى المخرج الكبير داود عبد السيد وزوجته الصحافية المتميزة الأستاذة كريمة كمال.

وحين سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على درجة الدكتوراه في الآثار المصرية، انقطعت صلتي المباشرة بالناقد الكبير بسبب السفر وبسبب أنه لم يكن يحب التراسل عبر الإيميل، غير أني كنت أتابع ما يكتبه باهتمام بالغ خصوصًا مقاله المتميز في جريدة "المصري اليوم" الغراء.

وكنت أنتظر ما يكتبه حتى أتعرف إلى ما يُنتج في العالم من أعمال سينمائية جديدة. وكنت أرى بعينه النقدية البارعة وأتعرف على المخرجين والمخرجات والنجوم والنجمات والأفلام الجديدة سواء الروائية أو التسجيلية.

كان الأستاذ سمير فريد متحدثًا لبقًا للغاية، وحلو المعشر، وذكياً، وشخصية مهذبة، ودمث الخلق للغاية. في رأيي، كان الأستاذ سمير فريد ينتمي إلى طبقة النبلاء والفرسان في زمن عز فيه النبلاء وكاد أن يختفى منه الفرسان.

رحم الله أستاذنا الكبير الناقد العظيم الأستاذ سمير فريد وعوضنا عن فقده خيرًا، وألهمنا وألهم أسرته الصبر والسلوان، وأدخله فسيح جناته وجزاه عنا خير الجزاء. إنه نعم المولى ونعم النصير. آمين.

اقرأ ايضا:

سمير فريد.. فارس جيل الستينيات