Close ad

الكاتب السوداني بركة ساكن لـ"بوابة الأهرام": الحكومات العربية إذا فشلت في تحييد المثقف سجنته أو قتلته

16-4-2017 | 09:301848

الكاتب السوداني بركة ساكن لـ"بوابة الأهرام": الحكومات العربية إذا فشلت في تحييد المثقف سجنته أو قتلته

حوار - منة الله الأبيض
16-4-2017 | 09:301848
16-4-2017 | 09:301848طباعة

بركة ساكن

الروائى السودانى عبدالعزيز بركة ساكن مزيج إنساني متعدد الهُويات، ومعجون بالتراث، جدته وجده لوالدته يحملان ذاكرة نهر شارى فى موطنهما الأصلى بتشاد، ووالده يحمل ذاكرة غرب دافور وأساطير قبيلته هناك، ونشأ هو فى شرق السودان، فأصبح إريتريًّا أو إثيوبيًا، ولأن جيرانه من الجنوب وجبال النوبة صار نوبيا، وأصدقاؤه من شمال السودان، فكان شماليًا، ودرس في جامعة أسيوط وبقى في كلية التجارة سبع سنوات كاملة، فأصبح أسيوطيا، والآن تغزو عقله الثقافات الغربية، يعيش في "سالفلدن" بالنمسا كلاجئ، ويحلم بالعودة إلى مدينته "خشم القربة" التى يحبها. بينما العالم كله يضج فى ذهنه، ويعيد تشكيله كلما ظن أنه اكتمل.



ثمة شهية جنونية تقوده للكتابة، شهية بالغة التعقيد أشبه بالحب أو الحزن أو الاثنين معا بالإضافة إلى الكراهية، يكتب دون لماذا، لا يستطيع أن يحيا كإنسان دون أن يكتب، فالعزلة التي تحاصره لا "تميمة" ضدها سوى خلق احتشاد سردي ملائم، وكل سرد يجيب بنفسه عن تلك الـ(لماذا)، ربما إذا سُئل عن الأسباب التي تدفعه نحو الكتابة قبل ربع قرن لكانت له إجابة مختلفة، يعني أنه سيكون أكثر ميولا للخداع والمراوغة، لكن عندما تجاوز نصف القرن من العمر، تجاوز أيضاً الاجابات المستقرة، هو "الآن يستمتع بالضياع" كما يقول.

الروائي السوداني عبدالعزيز بركة ساكن، من الكُتّاب الذين صُودرت مخطوطات أعمالهم، ويسميه البعض "صاحب الروايات الممنوعة فى السودان"، فقد كان نصيبه من المصادرة أكثر من أربع مرات، ومع ذلك مازال يُصر على نشرها فى السودان، بخاصة بعد مصادرة مخطوط روايته الأخيرة "مانفيستو الديك النوبي"، لماذا؟

يجيب "ساكن" لـ"بوابة الأهرام": "أحب أن أنشر فى بلدي، فإن لم أكن أنا هناك، فلتكن كتبي ليستمر الحوار اليومي مع أهلي وناسي، الانقطاع قاتل، وأنا لست من الطيبين الذين يموتون سريعًا، فالشر يزيد عمر الإنسان وهو ضرورى لتثبيت قيم الخير والجمال. وأتمني العيش في بلدى إلي الأبد، لكن المصنفات الفنية والأدبية تحرمني من حقي هذا، وللأسف يرأس هذه المؤسسة أحد الكتاب السودانيين المرموقين، الذين قتلوني من قبل اندهشوا حين نهضت من قبري، ما لا يعرفوه أننى نهضت بسبع عشرة روحا".

تمخضت رواية "مانفيستو الديك النوبي"، كفكرة في رأس "ساكن"، لحزنه بسبب إهمال التراث النوبي وسرقته، والدفن المتعمد للحضارة النوبية العظيمة التي ينتمي إليها في السودان، ولاحظ مثل غيره انقطاع الشعوب السودانية عن خيط حضارتها الأم التي شاركوا فيها جميعًا، وفي "الديك النوبي" كان يبحث عن وصلة ذلك الخيط.

"مانفيستو الديك النوبي" رواية معجونة بالتراث، يضج عالمها بالحكايات والأساطير الشعبية، مثل "ساكن" تمامًا، كأن لا انفصال بين حياة الكاتب وإبداعه فيها، يقول عن ذلك: "التأثير كان واضحا بالموروثات الثقافية لشعوب النيل، واختلقت بعض الأساطير، أنشأتها مما يشبه العدم، وبعض الأساطير أيضًا اخترقت الرواية ونمت أفقيًا في متنها، كما في جميع أعمالي أهتم بتراث شعوب السودان، أي أحتفي بذاكرتي وحبي للإنسان والمكان اللذين هما مدرستي الدائمة، فأنا التلميذ الأبدي للجميع".

"ساكن" يعتبر نفسه "تلميذًا أبديًا للتراث الشعبي الذي يوظفه فى أعماله"، فهو يستفيد من طرائق الروايات الشعبية، فهي تضمن تعدد الأصوات في كتابته وتجعلها واضحة وجلية، لا يمكننه الفكاك من التراث السردي الشعبي في السودان والأساطير، ونجد ذلك بجلاء في أعماله "الطواحين"، و"الجنقو"، و"مسيح دارفور"، واللاحقة عليها أيضًا.

ورث "ساكن" من الأديب الراحل الطيب صالح، أبرز الكُتّاب السودانيين المخلصين للتراث، الشجاعة في لحظة الكتابة، وهو الذي قدم السرد السوداني للعالم، أي ترك لنا سمعة حسنة وسيرة عطرة، علينا المحافظة عليها بالتجويد المتواصل والعمل الجاد وقبول التحدي، كما يقول.

ويؤكد "ساكن" أن بعض ثقافات الشعب السوداني، محصور في أطر ضيقة وبعضها معروف للعالم بخاصة من خلال الحضارة النوبية التي هي من أولى الحضارات في العالم، والآن الباحثون أخذوا في الاهتمام بمنجزات تلك الحضارة العظيمة، فليس من المعقول ان يكون هنالك 250 هرمًا في السودان ولا يعرف الناس عنها شيئا، هذا التاريخ المجهول الآن أصبح في دائرة الضوء.

ويرى "ساكن" أن السياسة لا تهتم بغير ذاتها، والسياسيون العرب بالذات لا يتعدى فهمهم للسياسي كراسي السلطة وجمع الثروات، ولو ان السياسة في مفهومها العام تعني الحياة كلها، ولا شيء يميز الإنسان عن الحيوان أكثر من أن الإنسان كائن سياسي. السياسي المحنك هو من يوظف التنوع لصالح الوحدة، وهذا ما فشل فيه سياسيو السودان بأجيالهم المختلفة، حيث يظن الكثير منهم أن السياسة هي فن الفهلوة.


والعولمة التي تمارس تنميطًا ثقافيًا للبشر والمجتمعات، يعتبرها "ساكن" كذبة كبيرة على المستوى الشخصي، فالإنسان هو ابن هوياته بالذات، وما يكتسبه يوميا يضيف لما عنده ولا يمحو ما قبله ولا يصبح ما قبله كما كان، وهذه هي طبيعة الاشياء، أما على المستوى الاجتماعي فهي تجعل العالم أكثر انفتاحا على بعضه البعض، لكن لا يستفيد من ذلك غير رأس المال العابر للقارات، أي الأثرياء فقط. أما الفقراء فهم الذين يدفعون ثمن كل ذلك، من اللاشيء الذين يصرون على الاحتفاظ به كاملا غير منقوص، هذه القرية الصغيرة لم يمتلك وسائل التواصل ومصروفات التواصل وثمن ذلك التواصل والاستعداد الذهني له، ربما اذا تحسن دخل الفرد في العالم الفقير بصورة ملحوظة وتقدم في وسائل التعليم وتداول المعرفة، هنا قد نفكر في خطورة العولمة علي الثراث الشعبي، يقصد عندما تحدث تحولات أخلاقية وجمالية لدي المثقف ضد محمولاته الثقافية المتوراثة، وهذا حدث من قبل عندما آمن الاشخاص بالديانات واعتبروا كل مورثاتهم الثقافية التي قبل ذلك ضلالاً وجاهلية.

يتطرق "ساكن" وهو أشد أعداء الإسلام السياسي وبخاصة الإخوان حيث يصف مشروعم بأنه ديكتاتوري مصادر للحريات الخاصة والعامة، في حديثه إلى العلاقة بين المثقف السوداني والسلطة، مشيرًا إلى أن المثقفين في السودان ينقسمون إلى ثلاث فئات، وهم فئة مقاومة للسلطة ولها مواقف واضحة، وفئة صامتة، وفئة مع السلطة. الفئتان الأولى والثانية، ضحية للفئة الثالثة، لأنها تستخدم القوانين وعلاقاتها السياسية في ضرب الفئتين (الصامتة والمقاومة) وتصفيتهم.

ولحسن الحظ أن فئة المتواطئين مع السلطة قلة، لكنهم مؤثرون، وفي أحايين كثيرة بخاصة في حالة السودان، ونسبة للتركيبة القبلية التي أحيتها حكومة الاخوان، فتجد البعض يتعاطف مع السلطة استراتيجيًا وقد يختلف معها تكتيكيًا لأسباب بعضها لتمرير الخطاب الديني الإسلامي أو الخطاب العروبي أو الجهوي، ولكن نسبة لمنهجية الحكومة الخشنة في التعامل مع هذه الملفات، ينأى حليفها الإستراتيجي في التورط في عملها اليومي، بادعاء الحياد الذي هو عمليا مستحيل.

لكن من المهم الاشارة إلى أن مثقفي الداخل هم الأكثر مقاومة لصلف السلطة وهم الذين يحافظون بصورة أو بأخرى على ما تبقى من إرث ثقافي وهم تحت أحذية الجنود وشخير البنادق وقهقهة البارود ومكواة رجال الأمن، بحد تعبيره، والذين في الخارج وهو منهم، يمكنهم الصراخ، بأعلى ما تفعل حناجرهم وأقلامهم، لكن هذا الصراخ مثل طرق الصفيح يزعج، ولكنه لا يفعل شيئاً، أي لا يمكنهم إحداث تغيير ما، بل قد يربكون بصراخهم تركيز مثقف الداخل.

فالمثقف هو رأس الرمح في التغيير، لكن الحكومات العربية دائما له بالمرصاد، إذا لم تستطع استمالته فإنها تعمل على أن يكون محايدًا، وإذا فشلت في تحييده: سجنته، أو قتلته، أو أرسلته للمنفى، وستلاحقه في هذا المنفى بتشويه سمعته التي في الغالب مشوهة ذاتياً، حيث إنه متهم بالسليقة.


المنفى عند "ساكن" الذي يعيش في النمسا كلاجئ هو المنفى، هو هزيمة اللغة، تبلد الإحساس بالضوء، افتقاد للشمس المشرقة، إنه الحياة الاستثنائية المشوهة، أو بالأحرى انتظار الحياة. والإنسان هو المكان، ولكل إنسان مكان واحد، بقية الأمكنة هي افتراض يمكن التعايش معه عن طريق خداع النفس وتجاهل أسئلة الذات أو يمكن خلق خصومة افتراضية أيضًا معه.

و"سالفدن" تلك المدينة الصغيرة رحبت به، ومن غرائب الأمر - كما يراه - أن توضع صورته وسيرته الذاتية في المتحف القومي للمدينة كأحد المؤثرين فيها منذ نشأتها، وهذا اهتمام كبير بما يقدمه كأديب منفي يعيش حياة افتراضية، كما يسميها.

يعيش ساكن في "سالفدن" على ريع كتبه المترجمة، لديه ولدان ومكتبة أرسلها له الأصدقاء من شتى بقاع الأرض، ووفرت له أغلبيتها الدكتورة فاطمة هندي، التي من ضمن اهتماماتها ألا يموت "ساكن" في المنفى.

اقرأ ايضا:

الكاتب السوداني بركة ساكن لـ"بوابة الأهرام": الحكومات العربية إذا فشلت في تحييد المثقف سجنته أو قتلته