Close ad

فتاة في حالة حرب

15-4-2017 | 11:39631

فتاة في حالة حرب

15-4-2017 | 11:39631
15-4-2017 | 11:39631طباعة

تقرأ رواية هذه الكرواتية الحاصلة على الجنسية الأمريكية "سارة نوفيتش"، التي تصدمك بوصفها حروب تفتيت دولة يوغوسلافيا التي كانت رقمًا صعبًا في أوروبا والغرب بقيادة الرئيس تيتو، أحد القادة الثلاثة الكبار في دول "عدم الانحياز" وهم: جمال عبد الناصر، جوزيف بروز تيتو، والهندي جواهر لال نهرو، فقسمت بعد وفاته إلى عدة دول منها؛ الصرب، والكروات، والبوسنة والهرسك، والجبل الأسود، دوبروفنيك، وسلوفينيا وغيرها، فتشعر معها وكأنك تعيش دمار حروبنا الحالية في وطننا العربي. وهذه الرواية صادرة مؤخرًا عن سلسلة "إبداعات عالمية" الكويتية، ترجمة مالك عساف.

تجري أحداث هذه الرواية عام 1991 في "زغرب"، التي أصبحت عاصمة دولة كرواتيا، وكان عمر "آنا" عشرة سنوات، وهي شخصية الرواية الرئيسة، ولا أقول بطلتها؛ لأن عصر الأبطال قد ولى في هذا الزمن الرديء، فتتحول "آنا" من طفلة بريئة تذهب بكل أمان ومتعة سيرًا على قدميها إلى مدرستها القريبة، فتدرس هناك، ثم تعود مع زميل طفولتها "لوقا"، فتلعب ألعابًا مختلفة، وتمرح وتفرح في حارات زغرب معه ومع زملاء مدرستها الآخرين، وفجأة تقوم الحرب العنصرية الأهلية بين الصرب والكروات، التي لا تفهم معناها، فتتحول من طفلة فرحة مرحة بريئة، إلى طفلة مجندة تقاتل بكل حزم وقوة من أجل أن تعيش، حسب قولها: "القتال من أجل البقاء، مجرد البقاء حية."



وبعد هجرتها إلى الولايات المتحدة، تجدها تقول في هذا التحول مخاطبة مندوبي الأمم المتحدة في نيويورك: "لم يكن القتال خيارًا، كان مجرد شيء قمنا به لنعيش، القوة النارية هي الشيء الوحيد الذي يحدد من يأكل." كانت آنا طفلة وجدت نفسها في خضم حرب لم تفهم معناها، ولكنها صارت طفلة تقوم بكل كفاءة بتعبئة مخزن البندقية بالطلقات، وتفريغها منها بسرعة احترافية".- حسب قول "مالك أحمد عساف" مترجم الرواية. ص.4.

وفي هذا الوضع القتالي المدمر، تشح الأدوية، وتعجز المستشفيات عن معالجة المرضى؛ نظرًا لتفرغها لإسعاف الجرحى، وعندما تمرض أختها الأصغر "راهيلا" يحاولون علاجها ولكن بلا فائدة، يدفعون رصيد ممتلكاتهم إذ يذهبون لمعالجتها من كرواتيا إلى سلوفينيا إلى البوسنة، وهي أجزاء اجتزئت من يوغوسلافيا السابقة، ولكن بلا فائدة. الحرب كانت الشغل الشاغل لكل المستشفيات الباقية دون تهديم، وكانت النتيجة أن جمعية من الولايات المتحدة نقلتها للعلاج هناك، وذلك دون تهجير أبيها وأمها وأختها معها؛ لأنهم لم يحصلوا على تأشيرة الهجرة.

هكذا يتركون طفلتهم الصغرى تسافر وحدها، وفي طريق العودة واجههم حاجز عسكري صربي قاس، كان الصرب هناك يجمعون كل الكرواتيين، فيقتلونهم ويرمونهم في هُوّة عميقة تتسع للمئات أو الآلاف، ويجد القارئ نفسه يتمزق على هذا الحاجز، وهو يشاهد الصرب يطلقون النار، بينما الأب يتحايل فيدفع نفسه وابنته للوقوع حَيّـيـن في الحفرة، لدى سماعهم صوت إطلاق نار، فيبدون وكأنهم قُتلوا بتلك الطلقات التي لم تكن من نصيبهم، تقول الساردة إن أباها الذي مات هو وأمها في تلك الواقعة، هو الذي أنقذها، فنجت آنا، وتم قبول هجرتها إلى الولايات المتحدة، ولكن الرواية لم تنته هنا- ص. 115

كان استخدام "سارة نوفيتش" السردي لضمير المتكلم، حيث تقول: "ذهبت.. لعبنا.. صعدنا.. عدت.." يضفي على الرواية مزيدًا من الحنو بين الكاتبة والقارئ، ويعطي إحساس حديث الروح للروح، فيشعر القارئ وكأنه يعيش معها في حديث بث مباشر، ويستطيع أن يشاهد بكل حرقة وألم، نيران القتل مشتعلة، ذلك لأنها تسرد وتصف بعاطفية مدهشة صادمة محزنة كيف أنقذها والدها من الموت المحتوم في اللحظة الأخير، قبل مقتله هو وأمها، معًا.

وبتلك الحروب الأهلية تتحطم المباني، ويقتل البشر بالجملة، وتتفسخ البلاد، مع تصدع الدولة اليوغوسلافية، حتى السجائر التي كانت نفسها تصدر من مصنع واحد، وباسم واحد، انقسمت، فصارت "سجائر صربية" و"سجائر كرواتية".."-هل تريدين سجائر صربية أم كرواتية؟"

وبهذا السرد الدقيق التصوير، تجدها تصف هروب الناس المرعوبين إلى الملاجئ، بطريقة مأساوية، إذ تقول: "كانت رائحة العفن والأجساد التي تفتقر إلى الاستحمام تملأ الملجأ.."ص.27

ونظرًا لأن أختها الطفلة الأصغر"راهيلا" ما تزال رضيعة، فإن أشد المعاناة كانت عندما لم يعد يوجد حليب في كل مدينة زغرب، ومن المفارقات المحزنة في السرد، أنه تم وضع شريط لاصق على زجاج جميع النوافذ، حسب تعليمات السلامة العامة أثناء الحرب، كي لا يتفجر الزجاج بفعل الطلقات والقنابل، بينما كانت "الطفلة آنا" تلهو بالضغط على الشريط اللاصق لتزيل الفقاعات منه..تصور عالم الطفولة الذي لا يفهم الحرب، بقدر ما يفهم اللعب والاسمتاع بمباهج الحياة، ليت الكبار يفهمون مشاعر الصغار، فيتعلمون منهم كيفية ممارسة الحياة كما تستحق أن تعاش.

لم يكن صديق طفولتها الطفل لوقا يفهم معنى كلمات القائد العنصري الصربي ميلوشيفيتش: "هناك حاجة لتطهير البلاد."ص.33 فكيف يكون التطهير؟ وهل يعد ميلوشيفيتش الكروات نجاسة، أو وباءً مستفحلًا ليتم تطهير البلاد منهم؟
لاحظ التمزق العنصري لسكان العمارة نفسها، إذ عندما رفض الصربي الذي يسكن عمارة كلها كروات إطفاء النور أثناء القصف، هدده الحارس بمنعه من دخول العمارة، فتطاول الصربي قائلاً: "سأطفئ أنوارك أنت أيها المسلم القذر."ص.38. هنا صارت الحرب العنصرية "مسيحية إسلامية."، وليست "صربية كرواتية" فقط، وهكذا تجد التفسخ يتم لأبسط سبب في هذه الحروب.

تقول الساردة إن البلاد عندما قسمت، صارت آنا وأهلها في زغرب الكرواتية بحاجة إلى جواز سفر للسباحة في سلوفينيا، التي كانت جزءًا لا يتجزأ من بلاد يوغوسلافيا.

وخلال تفسخ البلاد تقول الطفلة آنا (الكرواتية) إلى رفيقها الطفل لوقا (البوسني): "عندما نتزوج، هل ستبين شهادات الميلاد ما إذا كان أطفالنا كروات أم بوسنيين؟"

ومن معالم الحرب الأهلية التقسيمية أن ظهرت عملات نقد جديدة، صارت هناك عملة تسمى (الدينار) تحمل اسم جمهورية كرواتيا، وعليها صورة كنيسة زغرب.

وحيثما كنت تجد حاجزًا أمنيًا، تجد مناظر مرعبة إذ تصف الساردة الموقف المرعب على الحواجز: "كانت هناك أرتال من البشر المنبطحين على الأرض ووجوههم متجهة إلى الأسفل، حيث كانت أنوفهم محشورة في التراب وأيديهم خلف رؤوسهم، وجنود صرب ملتحون يرفعون رايات الجماجم، ويحملون رشاشات ويطلقون النار بين الأرتال، وهم يقولون: سوف نذبح جميع الكروات"..ص: 81- هذا على الجبهات، ولكن في المدينة تنقطع المياه، إذ تقول آنا:"المياه انقطعت، والمخزون الغذائي آخذ في التناقص..".

ورغم التمزق العاطفي الذي يشعر به القارئ، فإنه يستمتع بلغتها الشعرية الجميلة؛ إذ كان أسلوبها السردي يتميز بانزياحات شعرية جميلة، وذلك يظهر في قولها في صفحة 69، "تنحى الصيف جانبًا، مفسحًا المجال أمام الخريف..".

اقرأ ايضا:

فتاة في حالة حرب