مثقفون يجيبون: هل يُهدد "قانون الطوارئ" حرية التعبير والرأي في مصر؟

12-4-2017 | 11:29

السنوسي والكفراوي والقعيد والسناوي والشهاوي

 

منة الله الأبيض

يقول الأديب الراحل يوسف إدريس (1927 – 1991): "الحرية مثل الأوكسجين، والحرية الموجودة في الفضاء العربي كله لا تكفي لكي يتنفس بها مبدع عربي واحد". لكن كم مُبدعًا مصريًّا سيختنق بعد فرض قانون الطوارئ في مصر؟

وافق مجلس النواب برئاسة د.علي عبد العال، الإثنين الماضي، على قرار رئيس الجمهورية، بفرض حالة الطوارئ في مصر لمدة 3 شهور، بعد الأحداث الإرهابية التي شهدها الشارع المصري بمحافظتي الغربية والإسكندرية.


وقال "عبدالعال" خلال الجلسة العامة مبررًا قانون الطوارئ إن الشرعية العادية تنتهي مع شرعية حالة الضرورة، وهى شرعية لا تعمل بالقواعد العادية، لكن تعمل بالقواعد الاستثنائية المعمول بها، ولا يمكن أن يمس قانون الطوارئ حياة المواطنين العادية أو أي فرض ملتزم بأحكام القانون، ولكن حالة الطوارئ هدفها مواجهة الإرهاب الأعمى".

ونظمت الفقرة الثانية من المادة الثالثة من قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958، حرية الرأي والتعبير في مصر، فقد ورد بها: "لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ بأمر كتابي أو شفاهي التدابير الآتية:
الأمر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها".

السؤال الأهم: هل سيؤثر قانون الطوارئ على حرية الرأي والتعبير التي نظمها الدستور المصري الحالي في المادة 65 من الدستور؟

في حديثه لــ"بوابة الأهرام"، قال الدكتور صبري السنوسي، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق، جامعة القاهرة، إنه بالنسبة لحرية التعبير، فإن الحقوق والحريات الواردة في ظل نصوص الدساتير بصورة عامة والدستور الحالي بصورة خاصة متنوعة ومتدرجة بعضها لا يمكن للقانون المساس به (أي قانون حتى قانون الطوارئ)، ومن أمثلتها في الدستور الحالي، "حرية التعبير"، حيث وردت في الدستور الحالي، المادة ٦٥ والتي تنص على: "حرية الفكر والرأي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر".

 

وهذه المادة جاءت ولأول مرة في دساتير ما بعد الثورتين (25 يناير و30 يونيو)، لتكون هذه الحرية والحق فيها مطلقًا لا يمكن للقوانين المساس بها، وأي قانون يمس بهذا الحق به "شبهة عدم دستورية" واضحة، موضحًا أن المادة 65 من الدستور، لم تتقيد بأي قانون حتى يحد من تطبيقها قانون الطوارئ.

وينتقد "السنوسي" المادة 65، معتبرًا أنه من غير المعقول أن تكون المادة مُحصنة تحصينًا واضحًا من التقييد، بحيث لا يسمح للقانون الطوارئ المساس بالحرية التعبير.

ووفقًا لقانون الطوارئ، فإن الدستور الحالي غير معطل، كما يتصوّر البعض، ولكن باعتبار أن قانون الطوارئ قانونا خاصا، فإن الخاص يقيد العام ولا يلغيه.

 

وتتوسع سلطات وصلاحيات السلطة التنفيذية وفقًا لقانون الطوارئ، وتحظى بصلاحيات تختص بها السلطة القضائية، مثل إحالة الخارجين على القانون لمحاكم أمن الدولة، كذلك تتغير إجراءات التقاضي طبقًا للقانون، فإن الإجراءات التي تتخذ وفقا لأحكام قانون الطوارئ، يطعن عليها أمام القضاء الإداري.

ورأى "السنوسي" أن قانون الطوارئ أيضًا الذي صدر عام 1958، يحتاج إلى بعض التعديلات، كونه يتضمن ألفاظًا فضفاضة غير محددة وواسعة بخاصة المتعلقة بحرية التعبير، فقد جاء فيه: "الأمر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها".


يستعرض الكاتب سعيد الكفراوي، البدايات الأولى لتطبيق قانون الطوارئ في مصر، مشيرًا إلى أن مصر عاشت أكبر سنوات الستين عامًا لحكم ثورة يوليو، تحت قانون الطوارئ، وكانت النتائج الفعلية، لفرض هذا القانون على الحياة العامة في مصر، سلبية إلى درجة مروعة، فقد أثر على الثقافة والحياة العامة والسياسة، وحرية الرأي، وكان قانون مشروع لانتهاك حرية الإنسان، في رأيه.

طوال تلك السنوات، ومنذ رفع الشعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، ونحن نعيش بالفعل قانون الطوارئ، فإنه يرى أن اللجوء للقوانين المدنية، التي تحمي حرية الرأي والاعتقاد أبدى وأهم في حماية مصالح الفرد من قانون الطوارئ، ذات الصيت السلبي عند الناس، وإحساسهم بقيم أو بفرض شروط ضد حرية الناس ومصالحهم.

وأعتبر "الكفراوي" أن ما جرى في الأيام الماضية من تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، لا يستدعي قانون الطوارئ، بل يستدعي مزيدا من الانفتاح على قيم حرية التعبير، والاهتمام بالعلم والثقافة، وتفعيل دور الدولة الثقافي، وتخفيف السجون من معتقليها، موضحًا أن ذلك أبدى لمقاومة الإرهاب، من قوانين الطوارئ التي تحد من قيم الحرية والتعبير.

 

وفي عصور الناصرية والساداتية وزمن مبارك، لم تخل سجون مصر ومعتقلاتها، من اعتقال وسجن لأهل الرأي والمعارضين، سواء كانوا يعملون بالسياسة أو كتابا أو فنانين، لهم رؤى مختلفة عن النظام السياسي، أو كانوا من الجمهور العادي، وكانت تلك السنوات مريرة، نتيجة ما جرى فيها، لذلك "لا بد من صيغة يتفق عليها المصريون، للعيش تحت دولة يشملها القانون وتحكمها".

"أية حرية نتحدث عنها والوطن مهدد؟"، يطرح الكاتب يوسف القعيد، عضو مجلس النواب، تساؤلًا استنكاريًا حول سياق الحرية ووجودها وسط المشاهد التي حدثت في مصر مؤخرًا، ومنها تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، معبّرًا عن ترحيبه بقانون الطوارئ الذي ارتآه إجراءً استثنائيًا ضروريًا للقضاء على الإرهاب.

 

وأعتبر "القعيد"، أن الحديث عن الحرية يُعد نوعًا من الترف، مشيرًا إلى أننا في مرحلة من أخطر ما يكون، لها مقتضياتها، وظروفها الخاصة.

ومع إيمانه بأن قانون الطوارئ إجراء خطير، لكن يجب أن نتصرف بمنطق المأزومين، باعتبار أن ما يحدث من عمليات إرهابية هو مصيبة بمعنى الكلمة، داعيًا القائمين على تطبيق القانون، ألا يسيئوا استخدام القانون، وان يكونوا عُقلاء. وقال: "تنظيم داعش محاصر في سوريا والعراق وليبيا ولم يبق أمامه سوى مصر".

 

ولا يتصور الشاعر أحمد الشهاوي، أن فرض قانون الطوارئ يُمكن أن يغير شيئًا، أو يحل المشكلة، بل على العكس سيؤثر كثيرًا على موقف مصر وصورتها عالميًا، ورأى أنه من الحكمة حتى نستطيع الخروج من المأزق الذي نحن فيه أن نأخذ موقفا شديدا من دعاة التكفير من السلفيين الوهابيين المصريين الذين يكفرون المسلم قبل القبطي، ويرون الدولة كافرة، بحد قوله.

وأوضح "الشهاوي" أنه ينبغي محاسبة شيخ الأزهر والذين معه لتقاعسهم وتراخيهم عن أخذ مواقف حاسمة وحازمة بشأن مناهج التعليم الأزهري، وكذا تحديث أو تجديد أو تغيير الخطاب الديني الذي يتلاءم ويتواءم مع أهل مصر الذين اعتادوا العيش مع كل العقائد والمذاهب والديانات السماوية وغير السماوية.

 

والأمر سيتكرر في صور شتى سواء في ظل غياب أو وجود قانون الطوارئ، - كما يتصور- ولذا لا مفر من مواجهة الفكر بالفكر، ولدى الدولة المصرية خطط كثيرة لكنها نائمة في الأدراج من زمن بعيد كتبها متخصصون في الفقه الإسلامي والفكر المعاصر.

فلم يقل لنا التاريخ إن الانتصار على التشدد يكون بقوة السلاح، ولن ينجي مصر من المعالم إلا الثقافة والتعليم ثم الإعلام الجديد، وبالطبع نشر منهج الاعتدال والوسطية في الإسلام، وهذا من شأنه أن يبعد مصر عن الحركات الإسلامية الراديكالية المتشددة.


والسؤال الرئيسي الذي يطرحه الكاتب عبدالله السناوي، هو "لماذا فُرض قانون الطوارئ"؟
يجيب "السناوي" عن طرحه، بأن قانون الطوارئ فُرض بحسب بيان السلطة التنفيذية نظرًا للتطور الخطير والجوهري في أزمة الإرهاب، فكان فرضه ضرورة لحماية البلاد وليس لقمع حريات التعبير والرأي.

ويعتقد "السناوي" أن حريات الرأي من ضروريات التماسك الوطني لمحاربة الإرهاب، إما إذا حيد عن ضرب المتمركزات المجهولة والعناصر الإرهابية وتحولنا إلى خوض المعارك في الفضائيات والتقييد على الحريات العامة سيكون خطيئة كبرى، في رأيه.

ويُفرّق "السناوي" بين دعم الإجراءات الأمنية، والتوغل على حقوق المواطنين، وقال: "أنا متخوف على حرية الرأي والتعبير، ولابد من تطمينات عملية واضحة من السلطة، فنحن نريد حربا على الإرهاب وليس تقييد حريات باسم الحرب على الإرهاب".## ## ## ##

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة