• رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
  • رئيس التحرير: محمد إبراهيم الدسوقي
اخر الأخبار

تجرّد الإنسان في رواية "قارئ الطين" للعراقي حسن فالح

13-4-2017 | 12:042478

تجرّد الإنسان في رواية "قارئ الطين" للعراقي حسن فالح

13-4-2017 | 12:042478
13-4-2017 | 12:042478طباعة

أن يُكتب عن اليهود في بلد عربيّ وفي زمن التشدّد، فهذا أمر يحتاج إلى كثير من الجرأة من قبل الكاتب، بخاصة إذا كان قد أظهرهم على صورة مختلفة عن تلك التي اعتدنا عليها.

هذا ما فعله الروائي العراقي حسن فالح في روايته "قارئ الطين" الصادرة عن دار سطور، التي تجرد فيها من الطائفيّة وتحدّث عن حقبة من تاريخ العراق، حيث هُجّر اليهود من أرضهم وبيوتهم، بسبب العنف الذي تعرضوا له من إخوانهم العراقيين آنذاك، واستشهد بحادثة الفرهود عام 1941، التي ساهمت في هجرتهم جميعا تاركين بيوتهم بأبخس الأثمان، فاستغل البعض هذه الظروف كي يجني منها الثروات.



تدور أحداث الرواية بين بغداد وجنوب العراق، تحكي قصة بطلين في زمانين مختلفين أحدهما يهودي من زمن الحادثة وآخر بعده بستين عاما تقريبًا، هارب من مدينته بسبب حكم عليه لسبب سياسي. بحبكة متقنة من الكاتب، جعل التواصل متاحا عبر مذكرات يتركها الاول قبل هجرته، فتلعب الصدفة دورها بأن يقطن الآخر بيت ذاك المهاجر ويقرأ ما سطر فيها.

يظهر بالبدء أن الرواية تمضي على مسار واحد على تقنية "الفلاش باك"، حيث يعطي الكاتب فصلًا كاملًا منفردًا لسرد أحداث زمن ما ويعود بالتالي إلى زمننا الحالي وهكذا حتى نصف الرواية حيث ترتبط معالمها كاملة وتنطلق مفاجأة أخرى تلغي الفكرة العقلانيّة، التي استمرت خلال النصف الأول، ويظهر الخيال طاغيا على نصف الثاني، عندما يذهب البطل الأول إلى الأهوار، وهي منطقة ما زالت على الفطرة في جنوب العراق يعيش أهلها على ضفاف الماء، ويبدأ التواصل بطريقة خيالية لا تحاكي الواقع، مع اوائل ساكني هذه المنطقة التي ظهرت منها الكتابة المسمارية، أي قبل آلاف السنين، وهكذا تصبح الرواية قد دخلت في ثلاثة أزمنة مختلفة من بدء هذه الحضارة إلى عصرنا الحالي.

أراد الكاتب عبر هذه المقاربة الفريدة أن يضعنا أمام "عالمين"، الأول نقي لم تدنسه الطائفية برغم وجود مئات الآلهة، واختلاف معتقدات الناس حينذاك، وبين عالمنا الحالي حيث الإله واحد ولكن الاختلاف الطائفيّ والتعصب الدينيّ جعلا منا وحوشا لا تعرف قيمة الإنسان.

وقد أفلح بالإضاءة على هذا الجانب وهذا يعكس فكره من دون شكّ، إذ أظهر اليهود كأيّ بشر آخرين بغير تفرقة، وجعل القارئ يتعاطف معهم رغما عنه وهو يحكي معاناة تهجيرهم والظلم الذي وقع عليهم، لقد تجرّد الكاتب من الحصار الفكريّ المفروض عليّه في بلده ومعتقده ومجتمعه وعبّر بكل حريّة عمّا يريد في روايته، فكانت شِبه ثورةٍ فكريةٍ لا تحتاج إلى الدماء لتصل إلى مسامع الناس بل فقط إلى أعين تقرأ وفكر يتقبّل الآخر.

ربما يتساءل القارئ عن سبب اختيار الكاتب لشخصية اليهودي ليوصل فكرته وهو يستطيع أن يختار أي شخصية أخرى لتفي بالغرض، بخاصة أن لدينا معاناة مما يفعله الإسرائيليون في أرض فلسطين ونظرة العربي لليهودي ليست كأي طائفة أخرى. أرى أنه تقصّد أن يختار شخصية يصعب على العربي أن يتقبلها بسهولة، وتحدى نفسه وقلمه بهذه التجربة، ليذهب إلى اقصى التطرف ويظهر التجرد من الطائفية والعنصرية.

صنع الكاتب حسن فالح ختمًا خاصًا به، بأسلوبه بشكل عام ومفرداته النادرة بشكل خاص، فأثبت أنه لا يرضى بأن يشبه أحدًا. وأجاد وصف الأمكنة والأشخاص فنكاد نراهم من خلف حروفه، ونعيش معهم مآسيهم وأفراحهم، وحتى لحظات الحب والشوق التي لم تخلُ الرواية منها.

أما عن "قارئ الطين" عنوان الرواية، الذي أعتبر أنه قد تم اختياره بعناية، فهو يعبّر بشكل مباشر عن قارئ أول الحروف التي وجدت على الأرض، وهذا اللقب كان قد أطلق على "طه باقر" الكاتب والباحث بملحمة كلكامش التي نقلها إلى العربية نتيجة قراءته للغة المسمارية الموجودة على ألواح الطين، والذي استهل الكاتب روايته بجملة منها. إلا أنني أرى العنوان يذهب إلى أبعد من قراءة مباشرة للحروف، وإنما يقصد بالطين الإنسان نفسه، ويرسل عبر كلماته أن القارئ الحقيقي هو من يعرف قراءة الإنسان بتجرد.

----

أمل الراغب

(كاتبة لبنانية مقيمة في بلجيكا)


غلاف رواية قارئ الطين

اقرأ ايضا:

تجرّد الإنسان في رواية "قارئ الطين" للعراقي حسن فالح