Close ad

الأقباط في السينما المصرية

12-4-2017 | 09:136806

الأقباط في السينما المصرية

12-4-2017 | 09:136806
12-4-2017 | 09:136806طباعة

لم يكن تفجير كنيستي طنطا والأسكندرية يوم الأحد 9 أبريل 2017 إلا حلقة بائسة من سلسلة صدئة قوامها الإرهاب والخسة، إذ قضى نحو 45 رجلا وامرأة وطفلا نحبهم جراء هذا العمل المجرم، ومع ذلك نوقن تماما أن مصر العظيمة لن تخضع لأفكار متخلفة تخاصم العصر وتعادي التطور، لأن مصر عرفت الطريق إلى الفن منذ فجر التاريخ، والفن الجميل هو الذي يحمي الناس من التطرف والإجرام، وهو الذي يعزز ثقافة التسامح واستيعاب الآخرين، ولعل إطلالة سريعة على صورة أشقائنا المسيحيين في السينما المصرية طوال قرن من الزمان تقريبًا توضح لنا كم كانت مصر حاضنة للجميع، تمنحهم الأمان والجمال والضحك الحلال. فتعال نمر سريعا على صورة المسيحيين في السينما المصرية عسى أن نعي ونفهم.

في البداية علينا الاعتراف بأن الأفلام التى تتناول حياة أشقائنا المسيحيين قليلة للغاية، كما أن وجودهم على الشاشة لا يتناسب مع حضورهم الاجتماعى القوى، وأغلب الظن أن التحفظ سمة غالبة عند كل جماعة تشعر أن عددها أقل فى المجتمع، وأن الدين الذى تعتنقه ليس هو الدين الشائع والسائد، فبات السينمائيون يتجنبون الخوض فى حياة المسيحيين وقضاياهم، نظرًا لقلة خبرتهم بتفاصيل الحياة الاجتماعية لدى هؤلاء من ناحية، وللابتعاد عن المناطق الشائكة من ناحية أخرى، خاصة أن السينما المصرية فى العموم تعد سينما محافظة، لا تعرف لذة المغامرة والاقتحام، وتبحث دومًا عن طريق السلامة!



"برسوم أول المسيحيين"
من غرائب الحياة أن أول فيلم مصرى يقوم بتصويره وإخراجه فنان مصرى مسلم هو محمد بيومى كان يتناول حياة شاب مسيحى.. الفيلم اسمه (برسوم يبحث عن وظيفة)، وقد كتب فى المقدمة بخط الرقعة بالنص ما يلى: (برسوم يبحث عن وظيفة.. أول فكاهة مصرية سينماتوغرافية وضع وتصوير محمد محمد بيومى)، وهو فيلم روائى صامت قصير، مدة عرضه نحو 17 دقيقة، وشرع فى تصويره فى ديسمبر من عام 1923، وقد لعب بطولته بشارة واكيم، وفيكتوريا كوهين، ويبدو أنه عرض فى سنة 1924، وإن كان الناقد والمؤرخ السينمائى الكبير محمود قاسم يقول إنه لم يعرض بسبب وفاة ابن المخرج الذى حزن عليه أبوه كثيرًا، فأغلق الاستوديو وباع أجهزته ومعداته لشركة مصر للتمثيل والسينما، كما جاء فى كتابه المهم(دليل الأفلام فى القرن العشرين).

"حسن ومرقص وكوهين"
لا أدل على وحدة الشعب المصرى من هذا الفيلم الكوميدى الجميل، فالمخرج فؤاد الجزايرلى اقتبس النص المسرحى الذى كتبه نجيب الريحانى وبديع خيرى، وقدمه فى فيلم (حسن ومرقص وكوهين) ليراه الجمهور للمرة الأولى يوم 31 مايو 1954، ويظهر الفيلم تكاتف المسلم والمسيحى واليهودى، أصحاب محل البقالة، من أجل مصلحتهم ضد موظف صغير عندهم بعدما علموا أنه ورث مبلغًا كبيرًا من أحد أقاربه. صحيح أن الفيلم عرض فى السنوات الأولى من عمر ثورة يوليو 1952، لكن النص عرض مسرحيًا قبل ذلك بسنوات، فنجيب الريحانى رحل عام 1949، ومعنى ذلك أن المصريين فى النصف الأول من القرن العشرين كانوا واسعى الأفق، لم تفسد حياتهم الأفكار المتشددة التى راجت فى العقود الأخيرة، تلك الأفكار البائسة التى تخاصم العصر وتكره الآخر.


"الشيخ حسن"
فى جرأة شديدة أقدم حسين صدقى على إخراج فيلم (الشيخ حسن) الذى عرض فى 4 أكتوبر 1954، ويتناول حياة شاب أزهرى يقع فى غرام فتاة مسيحية ابنة لأسرة أجنبية استقرت فى القاهرة حتى صارت إلى المصريين أقرب، ورغم أن الفيلم لم يجد سوى الموت ليحل مشكلة زواج حسين صدقى المسلم، من ليلى فوزى المسيحية، وهو حل يعتمد على القدر ولا يغوص فى المشكلة حتى نهايتها، فإن الفيلم أوضح بجلاء عشق المسيحيين لوطنهم مصر، حتى لو كانت أصولهم أجنبية. لكن هذا الفيلم قد عرض في 29 فبراير 1952 تحت اسم (ليلة القدر) ثم تغير اسمه بعد إجراء بعد التعديلات على أحداثه، ليعرض مرة أخرى باسم (الشيخ حسن)!

"الفيلم النادر جدًا"
حتى وقت قريب جدًا لم أكن أعرف أن هناك فيلمًا بعنوان (حياة وآلام السيد المسيح)، حتى شاهدته مؤخرًا على "اليوتيوب"، وكم كانت المفاجأة عندما اكتشفت أن أبطال الفيلم ليسوا مصريين، إنما الصوت من نصيب فنانين مصريين موهوبين، فكيف حدث هذا ومتى؟ تعالوا نطالع ما كتب فى مقدمة هذا الفيلم النادر، لنعرف المزيد عن أسرار السينما المصرية. تبدأ المقدمة هكذا: (الشركة العربية للسينما تقدم.. حياة وآلام السيد المسيح – قام بالأداء العربى.. السيد المسيح أحمد علام - الذى لعب دور الأمير والد إنجى فى فيلم رد قلبى – مريم العذراء عزيزة حلمى – مريم المجدلية سميحة أيوب – فرونيكا عفاف شاكر)، ثم تتوالى أسماء الممثلين كمال حسين، وعبدالعليم خطاب، وتوفيق الدقن، وصلاح سرحان، وسعد أردش، وعبدالحفيظ التطاوى، والحوار للأب أنطون عبيد، ثم مهندس الصوت ومساعده، وفى الأخير (أعده إلى العربية المخرج محمد عبدالجواد) .

أظنك لاحظت أنه لا وجود لمدير تصوير، لأن الفيلم يندرج تحت الأفلام الأجنبية، وكل ممثليه من الأجانب، ومن ثم فإن المخرج قام بعمل دوبلاج للفيلم فقط مستعينًا بنجومنا، وأعتقد أنه عرض فى السينما المصرية فى النصف الثانى من الخمسينيات، لأن طريقة كتابة الأسماء وشكل الخط – النسخ أو الرقعة أو الديوانى – يشبه إلى حد كبير الأسلوب الذى كانت تكتب به مقدمات الأفلام فى ذلك الوقت.

يبقى أن نعرف أن اللغة المستخدمة هى العربية الفصحى الرشيقة الجميلة، وأن الأداء الصوتى للممثلين المصريين كان مدهشًا، وأن المخرج تمكن مع مهندس الصوت "شارل فوسكلو" من ضبط الصوت مع الصورة بشكل يثير الإعجاب. لسنا نملك معلومات دقيقة حول هذا الفيلم، هل عرض فى دور السينما المصرية ومتى بالضبط؟ هل أثار ضجة؟ وما عمقها؟ كيف استقبله الناس آنذاك؟ وأين اختفى بعد ذلك؟ ولماذا لا يعرض فى التليفزيون المصرى؟ أسئلة كثيرة غائبة تؤكد كلها أن السينما المصرية تحتوى الكثير من الأسرار لم يكشف عنها الغطاء بعد!

"الراهبة"
يعد فيلم (الراهبة) أول فيلم مصرى يتجرأ صانعوه على اختيار اسم مسيحى صرف عنوانًا له، فالمسلمون لا يعرفون الرهبنة، والمصريون يعرفون أن الراهب هو رجل دين مسيحى، وأن الراهبة امرأة وهبت نفسها للدير.

لم يتردد المخرج والمؤلف والنجوم، وبادروا إلى وضع هذا العنوان، وهم يعرفون جيدًا أن اسم الفيلم المسيحى لن يكون عائقًا أمام تدفق الجماهير لمشاهدته، أى أن المصريين فى ذلك الزمن كانوا أكثر انفتاحًا وألفة وتجانسًا.

فى 28 إبريل من سنة 1965 عرض فيلم (الراهبة) للمرة الأولى، وبالرغم من أن معظم مشاهد الفيلم صورت فى لبنان، غير أن كل نجوم الفيلم والعاملين خلف الكاميرا والمخرج من المصريين، فالأبطال هم هند رستم، وإيهاب نافع، ويوسف شعبان، وشمس البارودى، وكاتب القصة والسيناريو والحوار محمد مصطفى سامى، والمخرج حسن الإمام، أما الشركة المنتجة- وهنا المفاجأة- فهى شركة "صوت الفن" التى يملكها عبدالوهاب، وعبدالحليم، ووحيد فريد.

لعلك لاحظت أن كل العاملين فى الفيلم من المسلمين، ويبقى أن نشير إلى أن الأب مارون إنياس، رئيس اللجنة الأسقفية الكاثوليكية فى بيروت، هو من أشرف على تصوير المناظر الدينية كما كتب فى المقدمة. حكاية الفيلم معروفة، وقد استثمر المخرج الطبيعة فى لبنان ليقدم لنا مشاهد ساحرة من هذا البلد الساحر قبل أن يبتلى بالحرب الأهلية، كما اقتحم المخرج قدس الأقداس فى الديانة المسيحية، وصور لنا مشاهد نادرة داخل الكنيسة والدير والأجواء المفعمة بالسمو الروحى.

على أية حال تمتع المسيحيون المصريون بحضور طيب على شاشة السينما المصرية، برغم قلة الأعمال التى تناولت خصائص حياتهم ومشكلاتهم الاجتماعية، ولعل فيلم (بحب السيما/ 2004) للمخرج أسامة فوزى من الأفلام الحديثة المهمة التى غاصت فى عالم أشقائنا المسيحيين، وقد نعود له يومًا ما.

أرأيت لماذا لن ينجح الإرهاب في زرع الفتنة الطائفية وشق صف المصريين.. إنه الفن الجميل.

اقرأ ايضا:

الأقباط في السينما المصرية

أضف تعليق