Close ad

ريشة النورس

9-4-2017 | 11:10820

ريشة النورس

9-4-2017 | 11:10820
9-4-2017 | 11:10820طباعة

أدار عينيه في غرفته الباردة ببيته الصغير باحثا عن ضالته. وجده في ركن منزوٍ ينتظر. حمله بين ذراعيه، حضنه بحنان، ثم ألبسه رداءه الأسود وهو يزين ياقته بريشة بيضاء، قد تكون ريشةً لنورس أهداها للبحر وهو يمنحه سمكة، ويبادله قبلة حميمية، قبل أن يلحق بسرب النوارس ويبتعد عن الشاطئ المهجور. تأبط عشقه، وحضن عوده ثم أطبق الباب على وحدته وخرج.

كان سليم يسارع الخطى حتى لا يتأخر عن موعده، فالشمس قد أعلنت غروبها باكرا والظلام بدأ يبتلع الأمكنة كما ابتلع كلّ أزمنته. تحايل على الطريق المستقيم. دخل في أزقة ودروب ضيقة ومنعرجات. هكذا هي أقرب إلى قلبه، تعوّد التجوال بسراديق متاهاته ودهاليز ضياعه الملتوية. أصبح يخاف من الطريق المنبسطة التي لا تحجب الأفق. يفضّل جذران توهانه، يشعره ذلك بالأمان، ويذكّره بذراعي حبيبته وهي تحضنه ذات رقصة. توقّف بغثة في منتصف الطريق، يرهف السمع لأنين بدأ خافتا، ثم ارتفع حتى اهتزت جدران صمت المكان من صدى رجعه. تعرّف على صوت عوده يبكي داخل كفنه الأسود. رقّت لسجنه ريشة النورس البيضاء. داعبت وجنة أوتاره بحنان، فبكى حزنا وشجنا.

كان سليم كلما ابتعد عن المدينة، وغاص في عتمة الخلاء يتحسس طريقه نحو البوابة الكبيرة إلا ويعلو نواح عوده وهو يرتجف تحت ثوبه الأسود.
كان سليم يشعر بجسد العود ينتفض من وراء العتمة، ودموعه تسابق ألحانه. تقدّم بلهفة، ووجد الباب مواربا ينتظر عبوره، وما إن خطى خطواته الأولى داخل الأسوار الباردة، حتى تنصل العود من قبضته، تحرّر من كفنه الأسود. امتطي غيمة ثوبه وسبق صاحبه، هناك حيث الشمع والحب ينتظران.
تسارعت دقات أنفاس سليم وهو يهرول صاعدا الربوة لاحقا بعوده. يتوقف قليلا. يستجمع قوته، ثم يواصل طريقه بفرح، فها هو حلمه قاب قوسين أو أدنى، وعطر حبيبته يعبق المكان ويسد منافذ كل أوجاعه.

عندما وصل لأعلى نقطة في قمّة نشوته، رآها هناك تحت شجرة الزيزفون تشعل شموعا حمراء، وتنثر عطر الياسمين على سجادة غزلتها من ورود وجنتيها، والعود غير بعيد. جلس هادئا يحملق في غنجها وسحرها بانبهار، وهو يدندن بلحن سعيد، ويبتسم لفراشات بألوان قزحية تداعب أوتار قلبه، بينما عيناه ترنوان من وراء ظل فاتنته إلى الطريق، ترقب وصول صاحبه.

ابتسم سليم وهو يشعر بأهميته. لن تقام سهرة الليلة بدونه، كما كل الليالي. نظر في السماء يبحث عن القمر. يريد أن يرى ملامحه داخل مرآته. طالعته عيون فرحة وابتسامة تخفي زغرودة قلبه. رتّب بعض خصلات من شعره كانت الريح قد تلاعبت بها وهي تمازحه بالطريق. نزع عنه معطفه، دفء أنفاس حبيبته يدثره. عدّل من ياقة قميصه الأبيض، وابتسم راضيا لصورته، ثم تقدّم بحبور، فاتحا حضنه لكل الحب والياسمين.

أحسّت بحفيف خطواته تقترب. جرت نحوه فاتحة ذراعيها. ارتمت بحضنه ووضعت خدها على خده. أغمضت عينيها بأمان وهي تهمس له بكل الحب الذي يملأ روحها. رفعها كريشة عن الأرض، دار بها وفستانها الأبيض المرصع بنجوم السماء يحلق في الأرجاء. طوقت عنقه بيديها الناعمتين، بينما أمسكها هو بإحكام من خصرها، وشعرها يداعب أنفاسه. يخاف أن تنساب فرحته بين أصابعه، ثم دخلا في رقصة ثنائية حالمة، وهو ينظر بعشق لملامحه في عينيها فلا تعكس إلا صورتها، بعد أن سكنته حتى آخر بريق في عينيه. غمزت للعود يقف غاضبا يريدها أن ترقص على أنغامه هي وكل النجوم. انسلت من بين يدي حبيبها وهي تجري. ركد سليم وراءها. أمسك بها بحب، ثم وضع قبلة على ثغرها حتى تفتحت كل الزهور حولهما، وارتوت الأرض بندى الشوق، ثم ناولته العود وريشة النورس. وهي تترجاه بعينيها الكحيلة وثغرها العذب المبتسم، كانت الحسناء تتمايل على لحن عود سليم، مغمضة العينين، تتراقص أمامه بدلال وغنج، حتى الطيور النائمة استيقظت من أعشاشها وهي تتابع عزف ورقص الخلود، وريشة النورس تحلق بين الأوتار، ممتطية صهوة وجعه وانتشائه.

على المسرح كان عزفه تلك الليلة يتأرجح بين الفرح والحزن، وكانت الجميلة بفستانها المخملي الأبيض، تارة تضحك وتارة أخرى تبكي، وبعدما تعبت من الرقص، جلست جنبه تحت شجرة الزيزفون. وضعت رأسها بين ركبتيه، وهي ترسم قبلة على أنامله الذهبية وتداعب شعره بيدها. كان في قمة سعادته وهي توشوش له عن عشهما الوردي ونافذة غرفة النوم التي تطل على آمالهما والبحر. كلاهما يعشقان البحر والقمر والياسمين والشمع الأحمر.

وبينما انطفأت آخر شمعة في جوهما الرومانسي، اخترقت خيوط من أشعة الشمس العتمة، أعمت عيون سليم لشدة وهجها. أغمض عينيه تعبا وهو يحضن عوده وحسناءه.
كانت الشمس في كبد السماء، عندما قفز مذعورا من مكانه يتحسس حبيبته، عوده غير بعيد عنه، وقد تبخرت معذبته. وقف يلهث من كابوس مازال يجثم على صدره كلما غفا طلبا لبعض النوم. سيفٌ عزف الموت على أعتاب سعادته بعدما تربّص له ولخطيبته ذات خيانة وندالة، ثلّة من المدمنين أعمت المخدرات قلوبهم. وعن سبق بربرية وتوحش اغتالوا أحلامهما.

كان سليم وخطيبته عائدين من عرض بالمسرح البلدي. استمتعا فيها برقي الأحاسيس، يناجيان القمر وعرسهما على الأبواب. فجأة انقضت عليهما ذئاب بشرية، فعلى الصراخ والعويل، الفوضى والعبث. سقطت التنورة، بكى جسدها البض دمًا، فكان ما كان.

فرد سليم ظهره المنحني، مرّر يده يمسح قطرات العرق التي بلّلت لحيته البيضاء. فرد تجاعيده وهو يبحث عن شاهدة حبيبته بين القبور. اكتظ المكان بسُكّان جدد. يريد أن ينتقل إلى جانب عروسه، لم يعد للصبر بقية ولا للعمر متسع، وحتى ريشة العود حلقت ذلك المساء ملتحقة بسرب النوارس بعدما استوطنت الخفافيش جحور المدينة.

لملم جراحه. تأبط عوده، متدثرا ببعض الدفء، ثم أحنى رأسه المتخن بالفقد. غادر البوابة وهو يحلم أن يحضن حبيبته الليلة، ويقدم لها ريشة نورس بيضاء، ولحن الخلود.
----
زهرة عز
(كاتبة مغربية)




اقرأ ايضا:

ريشة النورس