الطاهر مكي.. الراهب في محراب العلم.. وداعًا

9-4-2017 | 08:25

 

دعاني أ.د.الطاهر مكي لأشارك في الكتاب التذكاري لصحيفة "دار العلوم" التي يرأسها بمناسبة بلوغه التسعين، وكم كانت سعادتي بهذا التكليف؛ فهو بحق تشريف لي وسط كوكبة من كبار الأساتذة والعلماء من كافة الأقطار. فكتبت شهادتي بكل الحب والإجلال. لكني ماتصورت أن أرثيه وأودِّعه بقلمي الذي اعتاد الاحتفاء والفخر به، والذي خط أكثر من دراسة لأهم أعماله كـ"طوق الحمامة"، و"السير والأخلاق" لابن حزم الأندلسي، اللذين حققهما، وسلطت الضوء على جهوده المحمودة فيهما. ترى، هل يكفي انهمار سيول الدموع حُزنًا على القامات والهامات، والأشجار الوارفة الظلال في حياتنا الأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية والفنية التي تختطفها براثن الموت؛ لتتركنا تحت هجير شمس الحياة اللافحة، بعدما كنا نتدثرـ بكل الفخر ـ بعباءتهم الفضفاضة طلبًا للدفء والأمان للعقول والأرواح؟

بالتأكيد لا، ولن تكفي. ولكن تبقي سيرتهم العطِرة للأجيال، ويبقي إنتاجهم الفكري والعقلي عزاءً لنا ومرجعًا على مدى الأيام منهلاً وينبوعًا صافيًا لكل عطشى العلم والقدوة الحسنة. فكيف أنسى تشجيعه لي واهتمامه بقراءة كل ما أكتبه من مقالات ودراسات، فيثني علي حينًا ولا يبخل علي بملاحظاته القيمة أحيانًًا أخرى، وإن كانت طفيفة؛ لكونه يصبو دومًا إلى الإتقان. وكنت أنتظر بشغف كتابته لمقدمة كتابي الجديد، كما وعدني، لكن القدر حرمني هذا التتويج ولم يمهله ليفي به. يا إلهي! كم أفدت من علمه الغزير وخبرته الواسعة في الحياة؛ فمثله لايُنسى ماحيينا طلابا وأساتذة ومريدين. فالمبدعون لايرحلون بل يغيرون عناوينهم، وها هو ذا قد رحل عن عالمنا بتغييرعنوانه هرمنا الثقافي العلامة الجليل العملاق وأستاذ الأجيال د.الطاهر مكي، لنودع قرنًا من الزمان بكل مافيه من أحداثٍ موَّارة، ومواقف هي قمة المشاعر المرهفة والإنسانية الحقة.

ولكن قبل الولوج إلى عالم العملاق، وعضو مجمع اللغة العربية، والناقد الكبير: اخلع نعليك وأنت تحاول الدخول الى محراب هذا القديس والعلامة القدير الشهير في الأوساط الأدبية والعلمية وعوالم الترجمة وساحات دراسات الأدب الأندلسى والنقد الأدبي بنبوغه النادر.

ولعل من الإنصاف له أن نتلامس مع وتر من أوتار معزوفة سيمفونية حياته، وبصفته مواطنًا مصريًا يعيش ويتعايش مع موار الأحداث المجتمعية والسياسية في الشارع السياسي المصري في مطلع شبابه، حين اقترب ممن كان يتوسَّم فيهم أنهم من دعاة الإصلاح السياسي والمجتمعي؛ فكتب عنهم ببعض الإسهاب وعن مواقفهم ـ آنذاك ـ تجاه الحراك السياسى، قبل أن يكتشف بالسليقة والمعايشة أنهم على غير ما كانت تعكسه له الظنون، فقام بكل شجاعة العالم الأثير والكبير مقامًا وعلمًا بالتنويه عن هذا دون تجريح أو تشف لمعتقداته القديمة في وقت من الأوقات. ومن حسن الطالع أن تكون له نظرة استشرافية للمسقبل السياسي لهؤلاء.

ومن آرائه أنه يقع على المثقفين العبء الأكبر للقيام بدورهم الفاعل، وليكونوا مصدرًا للتنوير المستمر لنخرج من هذا النفق الذى وضعنا أنفسنا فيه بتواكلنا، لتعود لمصر الريادة والقيادة، وهذا لا يتأتى إلا إذا لم ينسق المثقف الذي خرج إلى الحياة العملية وهو يحمل كل الآمال في تغيير المجتمع إلى الأفضل، فيتلقفه من يريدون إطفاء جذوة حماسه من المنتفعين داخليًا وخارجيًا، ويسعون إلى أن يقتلوه شبعًا، ويغرونه بالمناصب ليحيد عن الطريق السليم والأمثل الذي يجب أن يكون عليه لاستفادة المجتمع من علمه.

وأنا أسوق هذا الجانب من جوانب حياته للتدليل على ضرورة مراجعة النفس، وبشجاعة، في بعض الآراء التي قد تتغير بتغير الطقس والمناخ في المجتمع؛ وبكل الجرأة ودون مهابة أو خوف من انتقاد لاذع يأتي من هنا أو هناك. والعجيب أن تأتي رؤيته بكل المصداقية وكأنه كان يطل على المستقبل بالعين الواعية الثاقبة، وليظل عملاقًا وسط العمالقة في زمن يتعطش إلى وجود أمثاله من الشرفاء ونعدهم قاطرة الوطن إلى المستقبل الباهر والمشرف؛ ليتبوأ مكانه الأمجد كما عهدناه في كل العصور.

وليس من قبيل التلصص أو التدخل في شأن المشاعر القلبية له؛ فقد عشق الشعر وسبح بمهارة في عوالمه متذوقـًا وشارحًا ومحللاً وناقدًا،. والشعر هو المشاعر التي تأتي من صميم الروح. ترى هل ألم يؤثر الشعر في مشاعره، والشعر وليد كل خلجات الإحساس الإنساني؟ بالتأكيد بلى؛ فإن هذا الفارس في شبابه الغض كانت له صولات وجولات مع الجمال الأنثوي الأندلسي الرائع والمعجون بالجينات الوراثية من القبائل العربية نتيجة المصاهرة والالتحام بالمجتمعات الأندلسية. فيقول عن تلك المشاعر إنه التقى بالفعل بمن اهتزت لها الجوانح والمشاعر، ولكن يبدو أن كل قصة حب حقيقية تنتهي بمواقف درامية أشبه بقصص وحكايات السينما، كما تواترت إلينا قصص الحب بين عنتر وعبلة وقيس ولبنى وقيس وليلى وغيرهم.

فانتهت قصة حبه بدخول الحبيبة إلى الدير بعد رفض عائلتها تزويجها إياه، ويدخل هو راهبًا في محراب العلم والإبداع، ويمنح البشرية أبناءً من كتب ستظل على مدى العصور نبراسًا لكل طالبي العلم والعلوم، وهي أكثر من أن تحصى هنا، إلى جانب ماحصده من جوائز وتكريمات، ولتلعب الأقدار لعبتها الأبدية ربما ليظل اسمه: "الطاهر" اسمًا على مسمى ورمزًًا صادقـًا على مسيرة حياته الطاهرة صادقًًا في الحب وفي الإبداع، وفيما صنعته المقادير حين منح اسمه المجرد والمطبوع في شهادة ميلاده "طاهر" منذ الصغر "ألف ولام" التعريف؛ ليصبح اسمه "الطاهر" وكأنه كان يستشرف ماستؤول إليه حياته فريدًا وحيدًا دون النيل بالحظوة في اقتسام الحياة مع من اختارها قلبه في مطلع الشباب.

نعزي الثقافة المصرية والعربية برحيل عاشق الأندلس.. فقد أغلق محرابه ومضى قبل يومين من ذكرى ميلاده!

مقالات اخري للكاتب

أخلاق الفنان .. في الميزان!

لم يكن الشاعر نرجسيًا حين قال عن نفسه: إنني أرى ما ترَون.. لكنكم لا ترَون ما أرى! ولم تدفعه "الأنا" أو النفس الأمارة بالسوء إلى هذا القول الصادق؛ إلا لأنه

قراصنة العقل.. والنشر.. والخيانة الوطنية!

بالتأكيد.. البون شاسع بين "الخطأ" و"الخطيئة"، فالخطأ أن تتعثر قدمك مصادفة وغصبًا بمن يسير إلى جانبك في الزحام.. وتعتذر، والخطيئة أن تتعمد الاصطدام بقدمه وتصيبه بالضرر، وتمضي بدمٍ بارد.. دون اعتذار!

قمة العشرين.. وأنياب "كسَّارة البندق"!

في مجموعة بلدان العالم الثالث ـ الفقراء إلى الله تعالى ـ لا تملك إلا الشفقة على علماء ورجال الاقتصاد؛ لأنهم في هذه البلدان كـ "البندقة" بين فكَّي "كسَّارة

دهشة الدهشة.. وكأس الأمم الإفريقية!

ليس من المستغرب أن أقول: لقد أدهشتني ـ بشدة ـ دهشة القائمين على وسائل الإعلام الرياضي وكتّاب الصحافة الرياضية؛ وما أدهشني.. هو مدى انبهارهم بحفل الافتتاح

الخنجر المسموم.. الخيانة

​يحتضنونك بقوة.. لا لأنهم يحبونك؛ وإنما ليتحسَّسُوا مواطن الضعف لتسديد الطعنة القاتلة: ماديًا أو معنويًا! عن الخيانة والخونة.. أتحدث!

ماراثون رمضان (٢).. هَمْ يضحَّكْ وهَمْ يبكِّي!

في مجال محاولة رصد إيقاع نبض برامج الساحة الإعلامية في رمضان، مازلنا نقف على الجانب الآخر من النهر وعيوننا مشرئبة على القطار الذي خرج عن قضبانه ليدهس معظم

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة