اللون الأسود في ديوان "الطبول" للسكندري محمد الشاذلي

2-4-2017 | 12:10

 

"الطبول" هي المجموعة الشعرية الوحيدة التي خطها قلب شاعر رحل عنا في أوج شبابه، هو الشاعر السكندري محمد عبدالفتاح الشاذلي (1948 – 1979)، وكان شاعرا مقلا جدا في إنتاجه الشعري، ربما كان يكتب قصيدتين أو ثلاثا فقط كل عام، لذا عندما أردنا بعد رحيله أن نجمع قصائده بين دفتي ديوان شعري لم نجد سوى ثلاث عشرة قصيدة فقط، هي كل ما أنتجته عواطفه وأحاسيسه خلال تلك الفترة التي عاشها معنا، بالإضافة إلى قصيدة غنائية كتبها ليدخل بها مسابقة أغنية الطفل التي نظمها المجلس القومي للشباب والرياضة بمصر قبل رحيله بشهور، وفاز الشاذلي في هذه المسابقة بقصيدته "جنة الرحمن" التي قدمت للتلحين والغناء، ولكنه رحل قبل أن يسمع بخبر فوزه، وبالتالي رأينا أن نضم "جنة الرحمن" إلى بقية قصائده في ديوانه اليتيم "الطبول".
أما لماذا سمينا مجموعة الشاذلي "الطبول" فلأننا كنا قد اتفقنا – أنا وهو والشاعر عبدالرحمن عبدالمولى – أن نجمع بعض أعمالنا الشعرية في عمل مشترك – عام 1979 - نقدمه للهيئة المصرية العامة للكتاب لينظر فيها الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور الذي كان وقتها رئيسا لمجلس إدارة الهيئة، وكان الشاذلي قد اختار عدة أسماء لمجموعته معنا، وكان من بين هذه الأسماء "الطبول".
ومن ناحية أخرى تعد قصيدة "الطبول" أفضل ما كتبه الشاذلي طوال حياته القصيرة. إن هذه القصيدة هي ما دفعت الناقد اللبناني د.عبدالحميد جيدة – وكان وقتها يحضر لنيل درجة الدكتوراه في الحداثة الشعرية من جامعة الإسكندرية - لأن يقول عن الشاذلي إنه عبقرية في الشعر العربي المعاصر لو طال مداها لحققت الكثير.
وقد لاحظت أن اللون الأسود - بدرجاته المخلتفة أو المتفاوتة - هو الذي يعلو على بقية الألوان بالديوان، ابتداء من السمرة والرمادي وحتى الأسود القاتم (الأسحم).
ومن المعروف أن اللون الأسود مرتبط في وجدان الشعب المصري بالحزن والكآبة والضيق والفجيعة والتأوّه والحرمان، فنحن تعودنا على أن نرتدي الثياب السوداء أو القاتمة عندما نفقد عزيزا أو غاليا لدينا، فالنسوة يرتدين الجلاليب السوداء أو الثياب السوداء، والرجال يرتدون رباط العنق أو الكرافت الأسود، عندما يشيعون عزيزا أو يحضرون عزاء لعزيز ما.
ويلقب اللون الأسود بأنه ملك الألوان، ولقّب بهذا اللقب نتيجة امتصاصهِ لجميع الألوان، وهو لا يعيد أو يعطي لوناً آخر؛ فهو لون ملوكي وغير موجود في ألوان الطيف، ويُرمز لهُ برموز كثيرة في العالم، حيث يرمز لهُ بلون الحزن.
إذن اللون الأسود يدلنا على مزاج حزين أو تفكير يشوبه نزعة الحزن والأسى والأنين. حتى إن رجل الشارع المصري عندما يريد أن يعبر عن فقد شيء مهم في حياته أو ضياع أمل كان يعلق عليه الكثير من طموحاته فإنه يقول: "اسودت الدنيا كلها أمام عيني. وتقول النسوة عندما ترين فعلا أو تسمعن قولا فيه نوع من التشاؤم أو المصيبة أو الكارثة أو الفشل والهزيمة، تقول: "يا نهار أسود".
لقد ربط الشعب المصري بين الحزن واللون الأسود في حياته بشكل ملفت لكل الحواس، ويتضح هذا في أعمال أدبية وفنية كثيرة منها قول الشاعر عبدالرحمن الأبنودي في أغنية عبدالحليم حافظ "أحضان الحبايب":
"الدنيا غايمة في عيوني
على فين يا حزن موديني"
إنه يقصد تجسيد الحزن كشيء معنوي في صورة مادية أبرز ما فيها هذا السواد.
هذه هي تيمة اللون الأسود في حياة الشعب المصري بصفة عامة. إن هذا اللون كثيرا ما يرتبط بالعقم والقيود والجراح وكتم الأنفاس والفشل والهزيمة، وهذا ما أراد أن يعبر عنه أبوالقاسم الشابي في بيتيه الشهيرين:
إذا الشعب يوما أراد الحياة ** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ** ولا بد للقيد أن ينكسر
وللشاعر صلاح عبدالصبور قصائد متعددة عن الحزن في دواوينه الشعرية المتعددة، ومنها قوله في ديوان "الناس في بلادي":
"يا صاحبي، إني حزين
طلع الصباح، فما ابتسمت، ولم يُنر وجهي الصباح
وأتى المساء
في غرفتي دلف المساء
والحزن يولد في المساء لأنه حزن ضرير
حزن طويل كالطريق من الجحيم إلى الجحيم
حزن صموت .."
إن اللون الأسود يشير، بل يؤكد وجود أنواع من الحزن العميق الموجود بداخل الشخص ويخفيها عن الآخرين. وقد كان الصديق الشاعر الراحل محمد عبدالفتاح الشاذلي يخفي علينا مرضه العضال الذي سكن قلبه واختطفه من الحياة وهو في ريعان الشباب. فلم نكن نعرف أن آلامه وأحزانه التي يبثها في قصائده جاءت تعبيرا عن شعوره الحاد بدنو أجله نتيجة مرض روماتيزم القلب الذي صاحبه طويلا.
إذن ما الدور الذي يلعبه هذا اللون القاتم في قصائد الشاعر محمد عبدالفتاح الشاذلي، وقد أكثر من استخدامه؟
الشاذلي عاش طوال حياته خائفا من شيء ما، حزينا على شيء ما، لذا كان أنيقا وراقيا في تعامله معنا، فقد منحه الحزن الكثير من النبل والهدوء الظاهري، رغم اضطرام داخله بالكثير من الخوف والمعاناة والألم. وقد استطاع أن يجسد لنا هذا الخوف وهذا الحزن عن طريق التركيز على اللون الأسود بدرجاته المتفاوتة في كل قصائده تقريبا.
يقول في قصيدة "الطبول":
تدق الطبول
فتصحو بصدري الفصول
وترنو إلى الأفق
كان المدى طائرا أسحم الوجه
رفَّ جناحاه
طار وحط على الصدر
كان المدى أفعوان
فعندما تصحو الحياة في صدر الشاعر - والفصول هنا مجتمعة رمز للحياة – وترنو هذه الحياة إلى الأفق علها تجد بارقة من الأمل، فإن الشاعر يخيب أملنا وأمل هذه الحياة، لأن وقتها يكون هذا الأفق أو هذا المدى – أي المساقة اللانهائية – قد تشكَّل على هيئة طائر ضخم عملاق شديد السواد داكن الوجه. وليته كان طائرا ميتا لظلت بارقةٌ من الأمل تنازع خواطرنا، ولكنه طائر ينبض بالحيوية والقدرة على الطيران أو التشكيل، يأتي ويحط على الصدر ويتحول ساعتها إلى أفعوان.
أي إحباطات يُراد التعبير عنها بأكثر من هذا؟
ويواصل الشاعر في القصيدة نفسها لنلتقي بكلمة "احتراق" في قوله:
لماذا تدق الطبول
لماذا ارتجاف الزمان
وإرهاص فيض يضيء سماء الفصول
يروِّي احتراق الشجيرات
تسرى الخصوبة في الجسد الورقي
ويبسم وجه النهر
هنا نجد الشجيرات المحترقة التي تتطلع إلى الحياة وإلى سريان الخصوبة في جسدها الورقي، والاحتراق يحيلنا إلى الرماد أي إلى درجة من درجات اللون الأسود، وعلى الرغم مما قيل من قبل عن اللون الأسود إلا أن الشاعر لم يزل متمسكا ببقية من الأمل حيث إن هذا الاحتراق سيروى وتسري الخصوبة – رمز الأمل والتفاؤل – في الجسد الورقي.
ونجد هذا الاحتراق أيضا في قصيدة "نشيج الكمان" حيث يقول الشاعر:
"بغيرِ احتراقٍ يصير رمادا"
والضمير الغائب هنا عائد على الوجه الذي يملأ كل السماوات بالنور والدمع ثم يغيب ليصير رمادا، ويمضي بعيدا وراء الذي لا يُحَد. وليس فقط الوجه الذي يتحول إلى رماد في هذه القصيدة، ولكن الأغنية أيضا تتحول إلى رماد في قول الشاعر في القصيدة نفسها:
"دونكِ دهرٌ من الانتظار
وأغنيةٌ من رماد
وحزنُ الكمان"
وفي قصيدة "الخروج من الدائرة" يقول الشاعر:
"حلوقنا تشققتْ على مذابح الجفاف
والريح حولنا عتية"
ولنا أن ننظر إلى صورة جفاف الأرض وتشققها، بعد أن كانت خضراء مزهرة. ذلك الجفاف يوحي لنا، أو يعطي لنا، لونا أسمرَ يسهم في تشكيل اللوحة النفسية التي يرسمها لنا الشاعر، وتسهم الريح العتية في استكمال ملامح تلك اللوحة المحبطة.
وفي قصيدة "مغتربان" يقول الشاعر:
"الليل غيمةٌ كثيفة
والريح أغنيات جان"
هذه الغيمة الكثيفة من الليل لاشك أنها كتلة من السواد الكثيف الذي لا يكشف شيئا فتصبح رؤية الأشياء عصية.
"وصدرنا الذي احترق"
الصدر المحترق صورة أخرى من صور السواد، لتتنامى الصورة وتستكمل جوانبها الداخلية بعد أن كان السواد خارجيا متمثلا في الليل والغيم فإذا بها تنتقل إلى أعضاء الجسم الداخلية، ما يشير إلى أن هذا السواد أصبح مُطبقا على كل الأنحاء، وبلغة السينما: سواد ليلي خارجي وسواد نهاري وليلي داخلي.
وفي قصيدة "دورة الحياة" يقول الشاعر في الجزء الثاني الذي اختار له عنوان "في العراء":
"تنتحر الشمسُ المخبولة كل صباح
يبكيها الجلد الأسمر"
إن انتحار الشمس المخبولة يرسم لنا صورة شديدة القتامة وانطفاء العمر والأماني ليحيلنا إلى سواد متراكم، فلا يملك الجلد الأسمر كناية عن الإنسان الكادح والمعذب في الحياة إلا أن يبكيها.
وفي قصيدة "السمان والربيع" يقول الشاعر صراحة:
"خنقتني السحب السوداء
واحترقت أثوابي"
وفي قصيدة "الحزن" نجد انطفاء النهار، وفي قصيدة "جذور عميقة" نلاحظ الإحباط الهائل الذي يحيلنا إلى السواد الخارجي والداخلي حيث يقول الشاعر:
"رفعت وجهي أشكر الإله
أبصرت في الأفق غمائمَ الطيور
واحسرتاه ..
غمائم السمان نحوي قادمة"
أما قصيدة "العربة السوداء" – وهي القصيدة العمودية الوحيدة بالمجموعة الشعرية - فكما يتضح من عنوانها توحي بالموت والرحيل، وهي آخر قصيدة كتبها الشاعر بالفعل، وكأنه يودعنا ويقول لنا في نهاية القصيدة:
"ولوكوا كما شئتمو ذكرياتي ** ستذهب بالذكرياتِ الفطر"
وعلى الرغم من قتامة القصيدة وإيقاعها الجنائزي الذي جاء من بحر المتقارب، فإن اللون الأسود لم يرد بها سوى في العنوان، ولم يرد الرماد سوى مرة واحدة في قول الشاعر بالبيت الثالث:
وتصبحُ نارُك بعضَ رمادٍ ** على كفِّ ريح الخريف انتثر
لا شك أن ديوان "الطبول" للشاعر الراحل محمد عبدالفتاح الشاذلي يحمل في قصائده الكثير والكثير من صور الإنسان الحزين، حتى إن الطبول التي يدقها الشاعر ما هي إلا طبول الحزن والرثاء والموت، وصوت الكمان ما هو إلا صوت النشيج الذي يعلو كحزن اليمام الذي يرفرف تحت الغصون التي يعتريها الذبول، والأغنية تتحول إلى أغنية من رماد، والنهر يغل يديه ولا يُعطي، والوجه المنير أو المضيء يصير رمادا، والبحار تلفظه طحلبا غريبا في الحياة، والبحر الذي يعوِّل عليه الشاعر علّه يجد رزقا به، يطير في السماء ويتخلى عنه، ولا يتبقى سوى عُلالة السراب، عندها لا يملك الشاعر الإنسان سوى أن يبيع نفسه لقاء لحظة من الأمان في قوله:
من منكمو يا سادة الزمان يشتريني
من يشتري إنسان
لقاء لحظة من الأمان

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة