الأنواع الأدبية وتغيُّر الخصائص النوعية للشعر العربي

31-3-2017 | 16:26

 

اختلف مفهوم الشعر العربي باختلاف المراحل التاريخية وتطور شروطها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، فمفهوم الشعر مرتبط بحياة الإنسان و"ليس منفصلا عما يجري من تحديد في المفاهيم الفلسفية والفكرية والسياسية والاجتماعية".

وفقد كان مفهوم الشعر يشمل المعارف الإنسانية المختلفة من حيث إنه قيمة معرفية. فكان الشاعر هو الحكيم والمعلم، لكن بانفصال العلوم بعضها عن بعض بدأت تضيق دائرة الشعر ويتغير مفهومه تبعاً لذلك. كما بدأت بعض الفنون التي كانت تكتب شعراً كالمسرحية ، تكتب نثراً في الغالب ؛ مما حصر الشعر في الجانب الغنائي. ومهد هذا لظهور مفهوم جديد للشعر ،وتركيزه على الذات المبدعة مقياساً للفن. وظهرت فنون نثرية كالقصة القصيرة والرواية والسيرة الذاتية ؛ مما ضيق مجال الشعر الذي كان يتسع للأدب كله في العصر اليوناني.

خضع الأدب لتقسيمات النظريات الثنائية أو الثلاثية ، وكثر الجدل حول غنائية الشعر العربي ،بناء على ذاتيته ، "فالشعر ليس في سبيل مطلق الكلام ، ولا هو مما ينزل منزلة التعبير المباشر عن قائله ، والشعر في أي صورة من صوره لا يخلو من موضوعية ، بل هو الأساس الذي يقوم عليه العالم الشعري ، وهو يخالط "الأنا" ويداخله ، وبدون ذلك لا يتأتى للشعر وجود".

ونستنتج مما سبق:

- أن الأنواع الأدبية هي أنساق مفتوحة وتجميعات للنصوص الإبداعية، وكل نوع يرتبط بالأنواع الأخرى ، ويتم تعريفه من خلالها، وتغير مثل هذه العلاقة يقوم على التمازج أو الانفصال أو التمدد.

- أن النص الدال على "الشعر" مثلاً ، ليس هو الذي يمتلك السمات التي ستحدد كل النصوص المنتمية إلى هذا الصنف في المستقبل.

يمكن القول إذن إن كل دراسة أدبية لابد أن تسير في حركة مزدوجة: من العمل المعين إلى الأدب (أو النوع) في عمومه، ومن الأدب في عمومه(أو النوع) إلى العمل المعين .

إن كل نوع هو في باطنه وفي جوهره له أيديولوجيته الخاصة ،ولكن كثيراً ما يُبقى هذا النوع على عناصر من الماضي في النص ، وكثيرا ما تصبح النصوص المختلفة أعضاء في نوع واحد.

- التصنيف افتراضات تاريخية يضعها الكتاب والجمهور والنقاد لخدمة أغراض اتصالية وجمالية ، عملية لا تخضع لمنطق ثابت.

الأنواع الهجينة يمكن إرجاعها إلى أصلها من الأنواع الخالصة . وعندما يقول تودوروف" عندما لا يستدعي النص الحاضر، نصا آخر نوعيا، بل مجموعة لا اسم لها من الخصائص الخطابية؛ فإننا نجد أنفسنا بإزاء وجه آخر من وجوه تعدد القيم، والنص الجديد لا يُصنع بالاستناد إلى سلسلة من العناصر التي تنتمي إجمالا إلى الأدب، بل بالعودة إلى مجموعات نوعية أكثر".

إن الرائعة الأدبية قد تشكل نوعها الخاص بها ، وهذه الرائعة الأدبية –أو النوع الهجين-ليست مثل أي نص آخر؛ لأنها تشكلت من خلال توليف خاص بين تقاليد الأنواع الخالصة، النص المحدد من نصوص النوع الهجين يوظّف نوعا خالصا واحدا ، يهيمن على الأنواع الأخرى.

ولكل عصر أدبي مفاهيمه الخاصة للشعر، ولكل مرحلة تاريخية مذاهبها الأدبية. وقد تتجاور مذاهب أدبية في العصر الواحد دون أن تتفق على مفهوم محدد للشعر، فالشعر مصطلح خلافي يتعدد مفهومه بتعدد الشعراء والمكان والزمان والمذاهب.

فلا يوجد مقياس ثابت للشعر نميز على أساسه بين ما هو شعر وما ليس شعرا، وإن كنا نميز بين قصيدة جديدة وأخرى قديمة في الشعر العربي. فالمقاييس متطورة وما يصلح لفترة ليس بالضرورة أن يصلح لغيرها، وما يصلح لمجتمع لا يصلح لمجتمع آخر بالضرورة. ومن ثم فإن البحث عن حد جامع مانع للشعر أمر صعب ؛ لأن الشعر جوهر وليس مظهرا أو ملامح خارجية فحسب. فنحن لا نصف القصيدة أو جوانب منها وإنما نبحث عن الجامع المشترك للقصائد الشعرية، نبحث عن الخصائص النوعية التي تميز الشعر من النثر عبر الأزمنة والأمكنة واختلافها.

فعدم وجود مقاييس ثابتة ومحددة للشعر منذ البداية ، وكذا خصائص الفنون الأدبية في حياتها المبكرة كانت تتداخل فيما بينها من الناحيتين الفنية والموضوعية تداخلا واسعا وعميقا. ولكن هذا التداخل أخذ يتطور ويتغير بتطور الفنون الأدبية نفسها عبر تاريخ الإنسان ؛ مما جعل من الصعب تحديد تعريف ثابت وجامع مانع ؛ وعلى هذا الأساس أصبح لكل شاعر مفهوم خاص ومميز للشعر، يسعى من خلاله إلى كتابة الشعر ومحاولة الإمساك به ، والاقتراب منه.

----

د.عادل بدر

(شاعر وباحث مصري مقيم بقطر)

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة