جماليات التصوير في رواية "جمر النكايات" لعدنان فرزات

30-3-2017 | 14:12

 

تشكل الرواية الأولى في حياة معظم الروائيين منتوجاً إبداعياً استثنائياً. إنه الخميرة التي تتمدد في الأعمال القادمة مانحةً إياها أمشاجاً فنية مدعومة بالطاقة القوية للإبداع الأول. فكأن العمل الأول هو الإبداع الأساس، وما يتلوه إن هو إلا تنويع وتلوين. والمتتبع للنماذج الهامة في الآداب العربية والعالمية يستطيع أن يسرد روايات من هذا القبيل؛ عكس ما يحدث في الشعر، إذ غالباً ما يتنكر الشعراء لقصائدهم الأولى ويعتبرونها تمرينات في الكتابة، يحسُن ألا تنشر على نطاق واسع.


ويكفي أن أستشهد برواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، و(حاج كومبوستيلا) لباولو كويلهو. وهما روايتان ضختا الكثير من الطاقة والحماس في الأعمال التالية للمؤلفيْن، لنؤكد على القيمة الفنية والوجودية التي تحوزها الرواية الأولى، وأريد في هذا السياق التمهيدي أن أسحب هذا الرأي على الحالة الروائية للأديب والإعلامي السوري عدنان فرزات. ذلك أن روايته الأولى (جمر النكايات) تركت عند صدورها سنة 2010 آثاراً وأصداء طيبة عند كل من قرأها، وكلها أجمعت على جدية هذا العمل وفرادته الجمالية، على الرغم من صغر حجمه (110 صفحة بالنسبة للطبعة الأولى).
وليس الأمر راجعاً إلى موضوع الرواية، لأن الموضوع عولج سابقا وفي بيئات عربية متعددة؛ ولكن الكيفية التي تمَّ بها تناول الموضوع هي التي تشكل السبب الرئيس للآثار المحمودة التي خلفتها الرواية في قرائها. ذلك أن موضوع الانتخابات الذي هيمن على أحداثها ككل أمر عاد، ويجري في كل زمان ومكان. كما أن ترشُّح امرأة من طبقة شعبية لانتخابات مجلس الشعب، وإن كان يشكل استثناء ملحوظاً في بيئة عربية، يهيمن عليها الفكر الذكوري، مثلما يهيمن عليها الاستبداد السياسي الذي يتدخل بقوة لإنجاح الأشخاص الذين يخدمونه بالصمت والتواطؤ وإهمال مصالح الفئات الشعبية، إلا أنه أصبح في وضعنا الراهن أمراً عادياً ومألوفاً.


من هنا تثور بعض الأسئلة الجزئية لإشكالية موضوع هذه المقالة:
ـ ما السرُّ، إذن، في الصدى الطيب الذي تركته رواية (جمر النكايات) لدى جمهرة قرائها، سواء تعلق الأمر بالقراء النقاد والمتخصصين أو القراء العاديين؟
ـ ثم، إذا كان الأمر يتعلق بالكيفية أو بالصياغة الفنية التي اهتدى إليها الكاتب، فما هو العنصر الفني الغالب المسئول عن جماليتها ونجاحها في خلق كل هذا التواصل الفني الإيجابي مع القارئ؟

(افتراضات أولية)
لاشك، إذن، أن ثمة مؤثراً فنياً قد وسم لغة هذه الرواية، فصارت هذه اللغة متميزة بين قريناتها في أعمال إبداعية أخرى. هذا علاوة على الأجواء النفسية والاجتماعية والحيوية التي تمخضت عن وهج التشكيل الكتابي الذي وفره المؤلف لعمله.
والحق أن قارئ هذا العمل يجد نفسه أمام كمٍّ هائل من الصور الفنية. وتعدد هذه الصور يكاد أن يحول هذه الرواية إلى نص شعري درامي لولا أن تقنيات السرد الروائي تزاحم الشعر مزاحمة شديدة، وتجعله مجرد طقس يوفر للمتلقي إمكانيات توسيع الدلالات والإسهام الفعلي في الإنتاج الثاني للنص. صحيح أن الكاتب يزاوج في صياغة هذا العمل بين التكثيف (اللغة الشعرية) وبين التلطيف (اللغة العادية)، إلا أن التلطيف لا يكاد يستغرق بعض الأسطر حتى تعاود لغة التكثيف الظهور من جديد، والتي تتجلى في كثرة الصور الشعرية التي تتراوح بين الصور الحسية والذهنية، وبين الصور المفردة والصور المركبة. وعبر هذا السلوك الفني "يصبح الفن أداة تكسير لآليات الإدراك اليومي بإعادة خلقه لـ(مسافة). كما أن إدراك العمل الفني لا يبقى مقتصراً على التمتع الساذج بالجمال، بل يقتضي إدراك الشكل كما هو في ذاته، وكذا التعرف على الأسلوب الفني المستعمل" .
وإذا كان ما يورد ياوس في هذه القولة يجد مرتعه في الشعر أكثر من الرواية أو أي نوع أدبي سردي آخر، فإننا نجده ينطبق كثيرًا على رواية (جمر النكايات) لعدنان فرزات، للمبرر الذي سقناه في بداية حديثنا عنها، والمتمثل في إيغالها في تشكيل عوالم شعرية فيما هي تقترح واقعة اجتماعية وسياسية، أبطالها شخصيات من مدينة دير الزور ـ مدينة المؤلف ـ يخوضون صراعاً ضد رموز الاستبداد وصراعاً آخر ضد ما رسخه هذا الاستبداد في وعيهم ولاوعيهم من أفكار ومسلمات تجعلهم دائما راضخين لتوجهاته. وكأن المؤلف في تمسكه بالصور الفنية كأداة للتعبير يجاري آلان فورنيي Alain Fournier (1886 ـ 1914) عندما قال: "عندما أملك قدراً كافياً من الصور، أعني عندما أملك الفراغ والقدرة كي لا أرى إلا هذه الصور، حيث أرى وأحس العالم الميت والحي ممتزجاً بحرارة قلبي، حينئذ يمكن أن أصل إلى التعبير عما لا يتأتى التعبير عنه."
تبتدئ الرواية بما يشبه صلاة أو ابتهالا؛ هو بمثابة (برلوج) Prologue افتتاحي يوحي بنوعية الأحداث التي سيتم حكيها؛ مثلما كان يحدث في البرولوجات التي وظفها كُتَّاب التراجيديا اليونانيون في أعمالهم. يقول الراوي:
"مساء الخير يا ذا الزمن الذي عاودني دون سابق يذكر.. مساء الخيرات وأنت تزورني في هدأة الوقت، منتهزاً انسحاب الشمس من أفق الأيام، تاركة وراءها كل هذه العتمة... مساء الحزن على أناسك الذين يستلقون الآن بصمت أزلي تحت هذا الثرى... وعلى الذين غابوا في أروقة الحنين.. مساء النساك على أشجار تنمو كمآذن الخشوع فوق ضفة هذا النهر العجوز.. مساء الرهبان على بيوت أبوابها مشرعة بحب للغرباء.. كل الغرباء.. حتى أنا"
ولابد أن القارئ قد بنى فرضياته حول طبيعة الموضوع أو الأحداث، وهو يطالع هذه الافتتاحية المطبوعة بجو من مشاعر الحنين والحزن. وبالنظر إلى صياغة هذه الافتتاحية، فإننا نجدها تقوم على تكرار تركيبي. والتكرار واحدة من وسائل الأداء الشعري التي تفضح طبيعة الأنا المتحدثة، وتكشف عن نوع مشاعرها وأحاسيسها. وإذا كان المخاطب، هنا، هو الزمن فإن موضوع الخطاب هم الناس بمن فيهم الذين غيَّبهم الموت أو الذين غيبتهم الغربة ويشير إليها رمزيًا بـ(أروقة الحنين). وعمومًا فإن القارئ يجد نفسه أمام ابتهال ضروري فرضه اللقاء الأول مع المكان، بعد غيبة طويلة عنه؛ خصوصًا إذا كانت أول معلمة مكانية تطالع الغائب العائد ـ بعد عشرين عاما ـ هي المقبرة.
إن الإسهاب في الحديث عن المقبرة وتحولاتها المكانية والقيمية لم تكن إلا حيلة فنية ذكية من المؤلف ليقدم لنا ـ عبرها ـ الشخصية الأولى في الرواية وبطلتها. يقول: "... يومها لم تكن روح السيدة هداية قد سكنت هنا." ويقول في الجملة الثانية: " ترى أيّ من هذه القبور يحنو اليوم على جسد السيدة هداية؟" فالجملة الأولى تؤشر على حياة السيدة هداية، والجملة الثانية على موتها. وما يمكن أن يستشرفه المتلقي هو: من تكون السيدة هداية؟ وما هي حياتها؟ ولا شك أن الكاتب وهو يصرح للمتلقي بأول اسم من أسماء شخصياته، يبدو وكأنه ينبهه إلى أهمية هذا الاسم فيما سيعقب من سرد.

(شعرية التصوير في الرواية)
تحضر الصورة الحسية المبنية على المشابهة، في معظم الأحيان، لتدقيق الحدث الواقع أو لتجلية الفضاء، بالإضافة إلى مدّ مساحة من التجميل الخارجي للصياغة اللغوية. وهذه الممارسة الفنية هي اشبه ما تكون بماكياج خفيف ينثره الكاتب على العناصر المكونة للجملة. وعادة ما تقترن هذه الممارسة البلاغية بتمهيد ملائم لاستقبال حدث مهم. نقرأ مثلا في الفصل الثالث من الرواية:
" بدا الليل بنفسجياً من خلال زجاج النافذة التي أطلت منها السيدة هداية، تترقب مشية الفجر الوقور على صفحة الأفق البعيد.. تناثرت نجوم الصيف عشوائياً كعقد فرطته طفلة من حول جيدها".
واضح أن الاستشهاد ينطوي على مجموعة من الصور الحسية التي تتكامل فيما بينها لبناء صورة مركبة تجتهد في تقوية المعنى والتأكيد على بعض جزئياته. فنسب الوقار إلى الفجر يخلق مستوى عالياً من الانزياح بفعل إسناد المجرد للمجرد، ذلك أن الفجر زمن يتحدد بتوافق بين الناس، أما الوقار فصفة خلقية تنسب للناس. وهذا الإسناد أسفر عن صورة حسية تجلى فيها الفجر شيخاً يسير بتوأدة على صفحة الأفق. ورغم حسية الصورة فإنها تتلبس بما هو نفسي سيكولوجي يعتمل بداخل السيدة هداية، وهي مقبلة في هذا الصباح على أمر عظيم يتمثل في تقديم ترشيحها لمجلس الشعب في المحافظة.
ويتم دعم هذه الصورة بصورة أخرى أكثر حسية من الأولى، في سياق وصف السيدة هداية وهي تؤدي صلاة الفجر:
"وترفع رأسها إلى السماء داعمة دعاءها بقطرات من الدموع. على الرغم من آلام الروماتيزم في مفاصل قدميها، إلا أنها كانت عنيدة تأبى أن تصلي جالسة، فتبدو حين تسجد كهضبة صخرية هوت بها عوامل التعرية".
إن ما يضفي جمالية خاصة على هذه الصورة هو حركيتها، على الرغم من أن الكاتب استدعى هذه الصورة التشبيهية، بوعي أو لاوعي، من خلفياته التي راكمتها قراءاته. إذ من الواضح أن الكاتب يحفظ بيت امرئ القيس الشهير:
مِكرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاً كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
والفرق بين الصورتين هو فرق في دقة المعنى الذي يؤديه كل من عدنان فرزات وامرئ القيس. فالأول استعمل هضبة كاملة من الصخر إشارةً إلى بدانة السيدة هداية وهي تنحني للسجود. أما الثاني فيكفيه جلمود صخر، لأن بدانة الفرس قد تعوق سرعته وحركته. والصورة في هذا المقام تنتمي إلى التناص الواجب، بالشكل الذي نبّه عليه محمد مفتاح عندما قال مميزاً بين أنواعه: "... إما أن يكون اعتباطياً يعتمد في دراسته على ذاكرة المتلقي، وإما أن يكون واجباً يوجه المتلقي نحو مظانه، كما قد يكون معارضة مقتدية أو ساخرة أو مزيجاً بينهما".
وقد يستهوي الكاتبَ استخدامُ الصورة الأدبية في الكشف عن العوالم الداخلية لشخوصه. من ذلك مثلا ما رافق مشاعر السيدة هداية وأحاسيسها وهي تخوض صراعاً عنيفاً مع الموظفين في المحافظة، لمَّا كانت بصدد تقديم استمارة ترشيحها لانتخابات مجلس الشعب. فأمام رفض الموظف المسئول عن استلام الاستمارة والذي برر رفضه بما أشيع عن بداية جنون السيدة هداية، يعمد الكاتب إلى رسم شعورها بالغضب الشديد في الجملة التالية: "أحست السيدة هداية بطيور ترجم رأسها بحجارة من نار." وإذا كانت الصورة الاستعارية ههنا تتوسل بما ورد في سورة الفيل: "وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجِّيل" فإنها قد رفعت من منسوب الغضب عن طريق استبدال (حجارة من سجيل) بـ (حجارة من نار). والفرق واضح بين أحجار هي عبارة عن طين مطبوخ في النار، وأحجار هي في الأصل نار.
وفي مشهد تالٍ أثناء مقابلة السيدة هداية للسيد المحافظ، وما كان من تطييبه لخاطرها بكلام ديبلوماسي، عرف بحنكته التدبيرية وفي التواصل مع الناس أن يطفئ به غضب السيدة هداية، حاسماً في قبول ترشيحها للانتخابات، ينجح الكاتب في استدعاء صورة أدبية، هي في الحقيقة مقابلة للصورة السابقة، حيث يقول راصداً التغييرات التي طالت مشاعرها: "أحست السيدة هداية بماء بارد يطفئ جذوة الغضب التي كانت اشتعلت بداخلها، فلفت العباءة حول جسمها كمن أنهى جولة من حرب على مراحل." ولاشك أن الصورتين الأولى والثانية تتكاملان رغم تقابلهما في نقل حصيلة المشاعر التي اعتملت في نفسية السيدة هداية صبيحة تقديمها لاستمارة ترشيحها للانتخابات.
وقد تنحو الصورة الأدبية في رواية (جمر النكايات) منحى ًفنياً مختلفاً، يتحول معه الكاتب إلى فنان يمسك بالفرشاة والألوان ليشكل مواقف أو أحداثا لا تقوى اللغة العادية على التعبير عنها. وأمر كهذا يفعله الروائيون ويفعله الشعراء أكثر؛ فبين الأدب والرسم وشائج قربى لا يفرق بينها سوى اختلاف أداة التعبير. وإذا كان الشعر يستنجد بالتشكيل للتعبير عن مختلف الحالات والمواقف، فإن الرواية تستدعيه عادة لتأثيث الفضاء وشحنه بالدلالات الممهدة للحدث أو الأحداث التي ستقع. ولا يقتصر الأمر على دعم التشكيل للفضاء، بل يتعداه في أحايين كثيرة إلى رسم الشخصية من خارجها أو داخلها. فمن دعم الفضاء نختار هذه اللوحة:
"كان النهر يبدو مثل أغنية شعبية قديمة لا يحفظها إلا الأولون.. ثمة قارب يحز الآن جبهة النهر السائر بخجل شديد كأنه لا يريد أن يغادر المدينة.. يلامس المجذاف سطح الماء برقة خشية أن يجرح كبرياءه.. تتقاطر دموع النهر من خشب المجذاف.. يلتصق القمر وهو في أفقه البعيد برؤوس الراكبين في القارب، بدا وكأنه وسادة من ضوء.. يمضي القارب نحو البعيد.. ويبقى القمر وسادة تنتظر أن يغفو فوقها عابرون جدد للحظات ثم يمضون." لكن الجديد في هذه اللوحة أن الكاتب مال هذه المرة إلى التصوير التخييلي الذي يتأسس عن طريق تشبيه محسوس (النهر) بمجرد (أغنية شعبية)، فتتباعد تبعا لذلك عناصر الطرفين، الأمر الذي يستدعي تدخل المتلقي لخلق الانسجام وتوسيع الدلالات. كما نلاحظ ـ أيضاـ ميل الكاتب إلى التصوير التشخيصي داخل هذه اللوحة (ثمة قارب يحز جبهة النهر السائر بخجل شديد كأنه لا يريد أن يغادر المدينة.) علماً أن تبادل الصفات والخصوصيات بين الأشياء والناس، من شأنه أن يخرق الأعراف، ويؤسس للحظات جمالية مميزة. وقد يميل الكاتب إلى التصوير الحسي عن طريق خلق انزياح فيزيائي (يلتصق القمر وهو في أفقه البعيد برؤوس الراكبين في القارب، بدا وكأنه وسادة من ضوء).. ويلاحظ في هذه الصورة الجزئية أن الكاتب لما حاول التدخل لشرح السياق من خلال قوله (وهو في أفقه البعيد) قد ساهم في التخفيف من كثافة الصورة؛ إذ لم يكن محتاجا لتقديم مساعدة جاهزة للمتلقي. ومع ذلك فقد نجح في رسم لوحة متكاملة بألوانها الداكنة والمضيئة، يعززها التخييل الواسع الذي بسط أكثر من علاقة بين عالم الناس وعالم الأشياء، فاسحاً بذلك لتفاعلات المتلقي حيزاً للإسهام في ملء الثغرات وتكميل اللوحة.
إن السمة المميزة لرواية (جمر النكايات) هو التنويع المثير لأشكال التصوير الشعري، فقد يلجأ الكاتب لأسلوب المونتاج السينمائي في رصد الصراع الذي يحتدم بداخل شخوصه. من ذلك، على سبيل المثال، المشهد الذي يرسمه لشخصية كسار أحد فتوة دير الزور، الذي آزر السيدة هداية في حملتها الانتخابية، بل أقنع معظم المدينة للخروج في مسيرات حاشدة لمؤازرتها. وشعبيته، هاته، دفعت بالخصوم إلى الضغط عليه وإغرائه بالمال. وقد نجحوا في البداية في استمالته ودفعوا له مقدم المبلغ المتفق عليه. وفي الغد اشترى بذلة جديدة وحذاء لامعاً وقصد بيت السيدة هداية لإقناعها بتبادل الأصوات مع المرشح حماد. جاء في الرواية:
"تفرست العيون هذا القادم الذي لولا مشيته لما عرفوه: (هلا.. كسار..؟) قالها أحد الواقفين بطريقة هي مزيج من ترحيب وسؤال.. لم يتوقف كسار (الجديد) عندهم كما كان يفعل في السابق، بل تابع سيره نحو بيت السيدة هداية.. توقف مترددا للحظات، يراجع فيها الطريقة التي سوف يقنعها فيها بفكرته التي جاء بها.. لكن كسار (القديم) استوقفه وهمس فيه: "أتتاجر بالمرأة يا كسار"؟.. ابتلع كسار الجديد ريقه: "لماذا تسميها متاجرة؟.. اعتبرها إنقاذا لشاب لديه التزامات لا يعرف كيف يلبيها".
إن الفصل بين الشخصيتين (كسار القديم) و(كسار الجديد) قد أضفى على أسلوب السرد نكهة خاصة، ووسمه بحيوية وحركية تذكرنا بالحيل السينمائية التي يلجأ إليها بعض المخرجين للتعبير عن موقف معين. إنه نوع من التصوير الذي لا يقوم على البلاغة اللفظية، بل يعول فيه على ما هو ذهني مجرد وتوظف فيه اللغة اليومية العادية.
وقد يميل الكاتب إلى استثمار أسلوب المفارقة مع لعب طريف بالأضداد ليسفر الأمر عن تنويع دلالي أخَّاذ يضفي على الحدث المحكي تلوينات معنوية مدهشة، يقول: "تصافحت النظرات بصفاء.. كانت الشمس قد بدأت تلملم ضفائرها سائرة ببطء نحو غرب المدينة.. وشيئاً فشيئاً، غابت الشمس.. وأشرق وجه كسار." وقد أمكن أن نحصي في هذا المقطع ثلاث صور جزئية يهيمن عليها الأسلوب الاستعاري الذي يلعب دوراً مهماً في خلق العلاقات التفاعلية بين عناصر الصورة من أجل أداء أمثل للدلالات المستهدفة. واللوحة هنا توثق لعودة كسار لسيرته الأولى، سيرة الشهامة والبطولة، ليكون إلى جانب السيدة هداية في معركتها الانتخابية إلى النهاية.
إن ولع الكاتب بالصورة الأدبية قد دفعه إلى إنهاء روايته بصورة رمزية توحي للمتلقي بدلالات استمرار الاستبداد في خنق الحريات وتزييف إرادة الشعب، وقد عبر عن ذلك بواسطة عناصر تصويرية تؤجج الغضب وهي ترصد عودة كسار بالنتيجة التي لم تعكسها مشاهد الحشود الشعبية التي كانت تؤازر السيدة هداية في حملتها ضد خصومها:
"نظرت السيدة هداية إلى أفق ناء.. بعيد.. مدت يدها لكي تقطف نجمة.. أطل كسار على البعد.. لم تكن الإضاءة البخيلة في الشارع تسمح بقراءة الكلمات التي ستقولها عيناه.. ولكنه حين دنا أكثر... تسمرت نبضات الوقت في ثوانيها.. أرجعت السيدة هداية كفها من دون أن تقطف نجمة، ثم غابت وراء الباب الحديدي الأسود".
ثلاث حركات جسدت أساس انبناء هذه الصورة: السيدة هداية تهم بقطف نجمة، والسيدة هداية ترجع كفها من دون أن تقطف نجمة، وأخيراً السيدة هداية تغيب وراء الباب الحديدي الأسود، بما يرمز إليه هذا الباب من كبح للحريات وإجهاض لأي اختيار ديموقراطي.

(خاتمة)
إن رواية (جمر النكايات) تؤكد صدق الفرضية التي افتتحنا بها هذه المقالة، من أن روح العمل الروائي الأول تسري في الأعمال التالية للكاتب. ومن يقرأ أعمال الكاتب السوري عدنان فرزات التي تلت هذه الرواية، وهي: (رأس الرجل الكبير) 2011 و(كان الرئيس صديقي) 2013 و(لقلبك تاج من فضة) 2014 و(تحت المعطف) 2015، يدرك أن عمله الأول (جمر النكايات) قد كان له فضل وبركة على هذه الأعمال الروائية التي جاءت كلها مؤكدة لإبداعية عربية ساطعة يوقعها أديب يكتب الرواية بالشعر وهو يستشرف انجلاء الغمة.
-----
د.عبد السلام المُساوي
(أكاديمي من المغرب في جامعة سيدي محمد بن عبدالله في فاس)
-------
المراجع:
1- هانس روبيرت ياوس ـ جمالية التلقي تقديم وترجمة: رشيد بنحدو ـ مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء 2003.
2- ستيفن أولمان ـ الصورة في الرواية ـ ترجمة: رضوان العيادي ومحمد مشبال ـ دار رؤية، القاهرة 2016.
3- عدنان فرزات ـ رواية: جمر النكايات ـ دار صائب للنشر والتوزيع، دير الزور، 2010، ص 7.
4- محمد مفتاح ـ تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص) ـ دار التنوير، بيروت 1985.


1

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة