• رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
  • رئيس التحرير: محمد إبراهيم الدسوقي
اخر الأخبار

ماذا بقي بعد جيل عمالقة الأدب العربي؟

18-3-2017 | 13:21777

ماذا بقي بعد جيل عمالقة الأدب العربي؟

18-3-2017 | 13:21777
18-3-2017 | 13:21777طباعة

في ذكرى وفاة الأديب والمفكر والناقد الكبير عباس محمود العقاد، 13 مارس، نقف وننظر إلى عالم الأدب العربي من بعيد، يدهشنا ما نرى. نتأمل الموقف.

كنت قد شاهدت قطيعًا من الأغنام ينزل منحدرًا فيقطع واديًا، ثم يصعد جبلًا، كانت كل الأغنام تسير مغمضة العيون وهي تضع رؤوسها في مؤخرات بعضها بعضًا، وفي قمة الجبل خرجت غنمة عن قطيعها ونظرت بعيدًا إلى الجبل الآخر الذي كانت مع رفاقها عليه، فتعجبَت شاهدتُها مندهشة، وكأنها تستغرب صائحة: "أين كنا، وأين أصبحنا؟!"



وأنا - العبد لله- أقف اليوم مندهشًا في جبال ووديان الأدب، فأقول لنفسي: أين كنا، وأين أصبحنا؟ كيف صار وضعنا بعد أن فقدنا معظم أدبائنا ونقادنا من مبدعي جيل القرن العشرين؟ هل تطور الإبداع في القرن الحادي والعشرين عما كان أيام طه حسين، صاحب أعظم كتب هزت العقل العربي، وحاولت إيقاظه من سباته العميق، سواء كان نثرًا أو نقدًا أو فلسفة، أو حتى صحافة؟
صحيح أن كل من يملك ألف دولار هذه الأيام صار يطبع ديوانًا أو مجموعة سماها قصصية، أو حتى رواية، ولو كانت (على ما قُسُم)، ولكن هل جاءت رواية حديثة بقفزة فنية كما جاء نجيب محفوظ بـ"الثلاثية" التي رفض عبد الحميد جودة السحار طباعتها في رواية واحدة، وأكد على ضرورة طباعتها في ثلاث روايات، وفعلًا كان الرجل محقًا وذا بصيرة كانت تدفع بها الفن السردي، كما تدفع بكاتبه نجيب محفوظ إلى العلالي. وكذلك روايات متلاحقة جاء بها الروائي حنا مينا، والروائي الطاهر وطار، والطيب صالح، صاحب "موسم الهجرة إلى الشمال" وفؤاد التكرلي وغسان كنفاني وإميل حبيبي وغيرهم كثير.
وهل استطاع شاعر حديث ترسيخ موقعه مثلما رسخ في أذهاننا أمير الشعراء أحمد شوقي، ونزار قباني، ومهدي الجواهري، وأبو القاسم الشابي، وأحمد فؤاد نجم، ومحمد الماغوط وغيرهم كثير.

هل من عبارة روائية رسخت في أذهان القراء مثل عبارة الروائي المتميز غسان كنفاني في روايته "رجال في الشمس" التي قال فيها: "لماذا لم تطرقوا جدار الخزان؟" أو كما قال: "خيمة عن خيمة تفرق." ويقصد خيمة اللاجئين تختلف عن خيمة الفدائيين.

هل من بيت قصيد رسخ في أذهان القراء مثل قول الشاعر أمل دنقل: "لا تصالح.. ولو منحوك الذهب.. أتلبس فوق دمائي ثيابًا مطرزة بالقصب؟" أو مثل قول الشاعر نزار قباني "طريق واحد إلى فلسطين، يمر من فوهة بندقية."

هل نحفظ اليوم عبارة لسارد أو قصيدة لشاعر مثل حفظنا لسطور الشاعر الفنان المسرحي محمد الماغوط التي قال فيها: "لا تنحن لأحد، فقد لا تواتيك الفرصة لتنهض مرة أخرى"؟

هل كل الجوائز بخاصة الخليجية منها، التي صارت تهر علينا ذهبًا "لأمر ما"، استطاعت أن تجعلنا نحفظ بيتًا لشاعر مجيد مثل حفظنا لشعر أحمد فؤاد نجم الذي لم يأخذ جائزة لقوله:

"جيفارا مات.. جيفارا مات.
يا محفلطين يا ملمعين يا جميسنات
يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات".

هل أحد منا لا يحفظ قصيدة مظفر النواب الذي لم يأخذ جائزة، إذ يقول فيها: "القدس عروس عروبتم"؟

ومن جهة أخرى هل جاء نقاد عرب عمالقة جدد للأدب بعد قامات: إحسان عباس، صاحب تسعة وثمانين كتابًا في النقد العربي والترجمة والتحقيقات، وعباس العقاد صاحب أكثر من مائة كتاب ثقافي مختلف النصوص، ومحمود أمين العالم، وعبد الله الغذامي، وجابر عصفور، وشكري عياد، وطه وادي، وكمال الملاخ، وعبد المنعم تليمة، وغيرهم كثير كثير؟

لا شك أن النقد قد تخلف في العقود الثلاثة الماضية؛ وذلك بسبب يصعب شرحه في هذه العجالة، من حيث عدم دفع وسائل النشر مكافآت مجزية للنقاد، أو عدم دفع مكافآت من أصله، في الوقت الذي يريد الناقد فيه أن يبحث عن مصدر عيش له ولأسرته في عصر السرعة، حيث لا يعرف أحدٌ أحدًا، فهو ينتقل إما ليعمل في ظلال الجوائز ووسائل الإعلام المُذهّبة، وإما البحث له عن محل بيبع السكاكر والبقالة، أو ليكون سائق تاكسي بعد الظهر، ليكمل تجميع مصروف بيته، فينسى الأدب والمتأدبين.

قد يقول قائل: كل ما ذكرته صحيح ولكن الشخصيات المبدعة هذه الأيام إنما تسير على هدي السابقين، وربما تتفوق عليهم، ولكن الإعلام هو الذي أضاع أو أضعف بريق الكُتاب، وذلك لمصلحة التليفزيون، ووسائل الاتصال المختلفة بالكمبيوتر والهاتف المحمول، التي لم تترك للمبدعين فرصة اللمعان في عالم كله أنوار إعلامية. وأخبار عن الإرهاب ومن يرهبون.

ولإثبات تألق كثير من المبدعين الجدد إننا نجد كثيرًا من الروائيين والشعراء والمبدعين العرب قد ترجمت أعمالهم إلى عدة لغات أجنبية، وحاز كثير منهم على جوائز أجنبية، وهذا ما لم يكن يحصل في الماضي.

معنى ذلك أن الأدب الحديث يتفوق على الأدب الذي سبقه، لا لسبب، سوى أننا لم نعد اليوم نقبل بقراءة رواية أخذت شهرة غامرة يوم صدورها لعباس العقاد بعنوان "سارة" فمثل هذه الرواية لو جاءت اليوم، فلن تحصل على مجرد معرفة اسمها أو شيء عن صدورها، وهذا ينطبق على كثير من الروايات مثل بدايات معظم الروائيين العرب؛ إذ أن القراء العرب، وبعد أن قرأوا روائع الروايات والأشعار العربية والأجنبية، لم يعد يعجبهم العجب، فصاروا يطلبون مزيدًا من الإبداع ويحصلون عليه. وهذا يؤكد أن الأدب يتطور.

اقرأ ايضا:

ماذا بقي بعد جيل عمالقة الأدب العربي؟