• رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
  • رئيس التحرير: محمد إبراهيم الدسوقي
اخر الأخبار

تحولات الشعرية العربية الحديثة في مصر (3)

17-3-2017 | 11:06862

تحولات الشعرية العربية الحديثة في مصر (3)

17-3-2017 | 11:06862
17-3-2017 | 11:06862طباعة

اكتمل المشهد السياسى والاجتماعى فى نهاية الستينيات مع إطلالة العام الأول من العقد السابع ،حيث شهدت مصر رحيل جمال عبدالناصر فى سبتمبر 1970 فتحول النحيب الذى أحدثته هزيمة حزيران إلى صراخ مدو.


استجاب الشعر لهذه الظروف المتوترة المرتشعة ، فأصبح رهين البكاء والرثاء وصيحات البيانات الشعرية العسكرية ورنين خطبة الجمعة – وتجلى الواقع فى صورته المباشرة فصار انعكاسا له من زاوية الفكر الاشتراكى – الماركسى الذى يقع تحت القبة الحمراء ، يرصد طير الموت وهو يرفرف بجناحيه الأسودين على الكآبة والسكينة كما يرى حجازى فى قصيدته (الرحلة ابتدأت) ويكشف ملامح الحزن والضياع التى فجرها رحيل جمال عبدالناصر :


لا لم يمت ! وخرجنا نجوب المدينة
ندعوك فاخرج الينا ورد مايزعمونه
يا أيها الفقراء !
يا أبناءه المنتظرين مجيئة .. هو ذا أتى !
خلع الإمارة ! وارتدى البيضاء والخضراء!
وافترش الرمال
هو ذا أتى !
ليمر مرته الأخيرة فى المدينة ،
ثم يأوى مثلكم فى كهفها السرى ، يستحى لظاها.


بعد عشرين عاما من بداية الولادة لحركة الشعر الجديد تنجب الشعرية العربية فى مصر أجنة وأطفالا مشلولين ، عشرين عاما من المغامرة والحرية المحفوفة بالمخاطر والالتزام تنتج تجربة كلاسيكية من حيث الرؤية والتشكيل ، تكشف قدرات باهتة كان طبيعيا لصاحبها أن يقف مشلولا عاجزا أمام محاولات الاختراق والتجاوز والتجديد من منظور الرؤية الجديدة للحداثة الشعرية ، وأن يقف فى وجه محاولات الانطلاق بالتحريض والعداء والرفض كماسيأتى ذكره.


لقد تقاربت الرؤى عند شعراء هذه الموجه الجديدة المحافظة وتقنياتهم الجمالية فهم " مهما تراوحت درجات التحرر فى الوزن والقافية من شاعر إلى آخر فإنهم جميعا لا يخرجون على ( نوعية واحدة ) هى الرؤية الفكرية للواقع والفن التى تمنح الأولوية – فى عناصر التجربة الشعرية – للعنصر الاجتماعى والدلالة السياسية"


لقد وقع شعراء السيتينيات ضحية تقليد التفعيلة وفرض التعبيرات الجاهزة التى خرجت بلا عناء أو معاناة ،استندت إلى قرع الطبول والغناء الرومانسى، غير أن الرومانسية ليست وصمة فى جبين الشاعر على حد تعبير غالى شكرى لو أنه جعل منها رومانسية حديثة أى أن يستخدم إمكانية الغناء الرومانسى فى خلق رؤية حديثة.


قدم جيل الخمسينيات ومن بعده الستينيات كل مالديه من طاقة حملت معها سلبيات وإيجابيات كبيرة و حققوا إنجازا قابلا للنقاش فيه قدرات متنوعة ورؤى متغيرة ، بعضهم ساند حركة الشعر الحديث إلى أفقها المرجو، وقدم لها الدعم وشارك فى إنتاجها بشعرية متحولة مثل عفيفى مطر ، وبعضهم لم يستطع أن يحرر نفسه وبالتالى لم يحرر القصيدة ، يهاجم التطور والتجديد ، بل وقف فى وجهها واسما إياها بالفجور والمروق والنقص والخرس.


شهدت مصر – فى ظل هذه الحركة الشعرية الحديثة وتحولاتها الجمالية -صعودا نقديا موازيا، فمثلما تبنت الحركة الشعرية جماليات مغايرة - اتسمت بالطليعية التى تؤمن بحداثة الرؤية - اعتنقت هذه المبادئ إسهامات نقدية ترعى هذه الحركة وتدافع عنها، وتفند إنتاجها الشعرى، وتقرأ توجهها الفكرى والفنى وتربط بينه وبين احتياجات الإنسان المعاصر وهمومه من ناحية وبين حركة الواقع وفلسفته وتجليه الحضارى من ناحية أخرى ، إذا النقد يأتى تاليا للإبداع، لأنه يمارس حضوره على منجز إبداعى كائن بالفعل فى الوقت الذى يقدم تصوره نظريا لكثير من القضايا المتعلقة بهذا الإبداع غير أن الحركة النقدية فى فترة الخمسينيات والسيتينات لم تكن تابعة للحركة الشعرية ، بل هى سابقة عليها ، كما كانت الحركة الطليعية فى النقد أكثر حركة للأمام من الشعرية من حيث المستوى لا من حيث النوع.


لقد أفرزت مرحلة الأربعينيات فى نهايتها والخمسينيات جيلا منهجيا ، يتسم بالعلمية، حيث كان أفرادها من أساتذة الجامعة ، فكانت رؤاهم علمية متزنة ، خاضوا قضايا ساخنة من خلال قضايا الأدب وعلاقته بالواقع والحياة والفن من هؤلاء النقاد د. محمد مندور ،د. لويس عوض ،د رشاد رشدى ،محمود أمين العالم ، والمعداوي.


كان أول إنجاز نقدى ساند حركة الشعر الجديد فى مصر كتاب( شعر اليوم) لمصطفى السحرتى صدر في ديسمبر عام 1957.

 

وفى عام 1964م صدر كتاب (قضية الشعر الجديد) للدكتور محمد النويهى، ويعد هذا الكتاب من أهم الكتب التى انحازت بموضوعية للحركة الجديدة مقدما لذلك الأسانيد والبراهين من خلال واقع التجربة الشعرية وعلاقتها بالتجربة التقليدية ، وعرض فيه لقضية اللغة والموسيقى ، ورفض المطلق فى الشكل والتراث.


وفى بداية العام نفسه صدر العدد الأول من مجلة (الشعر) المصرية وكان يشرف على تحريرها كل من د.عبدالقادرالقط ود.غالى شكرى ،و احتضنت هذه المجلة كافة التيارات والتوجهات الفنية .


وفى عام 1966 ظهر كتاب د. عز الدين إسماعيل " الشعر العربى المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية " فى طبعته الأولى ، ويعد هذا الكتاب من أمهات الكتب التى تعاملت مع تجربة الشعر الجديد، يقول عنه صاحبه : " هذا كتاب شئت به أن أشارك فى تجلية الصورة الراهنة لشعرنا العربى ، بأن استعرض كل القضايا والظواهر الفنية والمعنوية الخاصة بهذا الشعر ، التى أثيرت خلال الخمس عشرة سنة الماضية ، وأن أستكشف كذلك مالم يثر من قبل من هذه القضايا والظواهر ".


وبعد صدور كتاب " الشعر العربى المعاصر" بعامين ظهر كتاب " شعرنا الحديث إلى أين ؟" للدكتور غالى شكرى عام 1968 ويعد فى وجهة نظرنا من أهم الكتب التى أرخت لحركة الشعر الجديد، وفندت تياراتها وناقشت مصطلحاتها مناقشة علمية منهجية دقيقة، تبنى فيه صاحبه الحداثة فى الشعر الجديد على اعتبار أنها مفهوم حضارى، فناقش كافة القضايا المتعلقة بهذا الشعر من هذا المنظور متناولا أعمال الشعراء الجدد وفق هذه الرؤية .

اقرأ ايضا:

تحولات الشعرية العربية الحديثة في مصر (3)