Close ad

الرقص تحت عواصف الخريف

14-3-2017 | 07:20735

الرقص تحت عواصف الخريف

14-3-2017 | 07:20735
14-3-2017 | 07:20735طباعة

عندما تجد نفسك وحيدًا خائفًا مهزوزًا تشعر بأنك ورقة شجر ضعيفة في فصل خريف، إن هبت عليك ريح خفيفة فإنها تبعثرك في الهواء تعلو و تسقط. تهوي كلما حاولت الوقوف ثانية، حتى إن قطرات الندى التي كانت تنعشك تصبح حملًا ثقيلًا لا تستطيع حمله والأمطار عدو لك، وقتها لا تعرف من معك ومن عليك، فتشعر بأن الجميع ضدك وأنك تحارب من أجل البقاء.

تحارب ضد المطر، ضد الرياح، ضد الخريف، ضد الطبيعة، بل إنك حتى تحارب ضد أمك، الشجرة الأم، كيف تركتك تسقط لتركع للخريف؟ لا تعرف من تواجه وكيف ستواجهه؟ تغمر عينيك غشاوة لا تعلم من أين تأتيك، فتضطر للخنوع والركوع والاستسلام، فتصبح عرضة للدهس بالأقدام وركل الكعوب.



وصف تفصيلي دقيق لمأساة العديدين. ليست المشكلة في الوصف, بل المشكلة في أنهم حتى لا يستطيعون تحديد ما يتعرضون له. فيحبسون آلامهم داخل أجوافهم؛ عل الأيام تمنحهم لحظات أمل. ولكن العجيب أن الضعف يجعلهم لا يستطيعون الوقوف فيسقطون ثانية، وكلما زادت سقطاتهم اشتد يأسهم وضاعت أحلامهم. ولكن هي كانت عكس ذلك.

كانت تحدث نفسها دائماً: "اليأس يجعلك تفقد الحلم، لكن الأمل يجعلك تحول الفشل إلى نجاح".

لا أدري ما إذ كانت تلك الجملة الأخيرة ترددها هي لذاتها كي تقنع نفسها بأنها قادرة على النجاح، أم إنها بالفعل تعيش على ذلك. ورغم أن وجودها وحيدة وسط عالم من الرجال قد جعلها تشعر بمدى ضعفها، فإنها كانت تدعي العكس وتحاول إثباته.
أب لا يفعل شيئا سوى البكاء على فقدان زوجته, وأخ لا يقدم على فعل لأنه يخشى الفشل, وعم يعيش معهم من قبيل الادعاء بالونس بينما هو ليس معه حتى ثمن لوجباته، وجد ليس لديه سوى ذكرياته.

أربعة رجال يعيشون دون أي أحلام أو آمال أو طموح, يحيون لمجرد ادعاء الحياة. كانت تحدث نفسها: "أعيش مع أربعة رجال، فيعتقد الجميع أنني مدللتهم ولا يعلمون أنني خادمتهم وطاهيتهم ومنسقتهم وسائقتهم، بل حتى إنني زوجتهم التي تجيب لهم جميع طلباتهم أيضًا. لم يسعني دخول إحدى كليات القمة لأنني ليست لدى ميزة استثمار وقتي؛ فقد كان وقتي مقسمًا بين أبنائي. نعم، فأنا أعدهم أبنائي (جدي وأبى وعمي وشقيقي)، أربعة أبناء.

وعلى الرغم من أن الأم هي من تصيح في أبنائها، فإن العكس تمامًا ما يحدث عندي؛
فالجميع يصيحون بى والمطلوب مني الصمت والتقبل والهدوء والانصياع. التحقت بكلية التجارة؛ فهي المهنة الوحيدة التي أجيدها، فمن تجيد إدارة منزل ليس من الصعب عليها أن تدير مكتبًا.

وبالطبع لم يكن لي حق اختيار العمل؛ فأول وظيفة قدمت لي قبلت بها. سكرتيرة بإحدى الشركات، ولكن ليست سكرتيرة لفرد، بل سكرتيرة لثلاثة شركاء أشقاء،
ولكم أن تقدروا فتاة مسئولة عن سبعة رجال، ماذا تفعل؟

قررت أن تتعامل كأنها أم للجميع، فتترفق بواحد وتشارك الآخر وتستمع للثالث، وكما تتعامل مع رجال البيت كذلك تتعامل مع مديرين العمل. العجيب أنها استطاعت أن تثبت جدارة حتى إنها أصبحت كالجوهرة، الجميع يريدونها، الجميع يرفض إفلاتها من يديه وكأنها ملك خاص له.

ولكنها كانت قد كرهت كل هذا الجنس بكل ما به. وعلى الرغم من أنها لم تكن رائعة الجمال أو فائقة الأنوثة، فإنها كانت عطرة شابة نشيطة متحركة. كانت نموذجًا رائعًا للحياة, فتاة كل ما حولها يحاربها بينما هي ترقص تحت العواصف.

نعم فالجميع يعلم أنه وقت العواصف يجب الهرب، بينما هي علمت نفسها أن ترقص متى تأتيها العواصف؛ فقد تعلمت أن لا تخشى الأمطار والعواصف، أن لا تلعن الطبيعة ولا تكره الشجرة الأم، أن ترقص في الخريف ولا تخشى زوابعه، اعتادت الحياة بكل ما بها، إلى أن أتى يوم جاء فيه أحد الشركاء بابنه إلى العمل, وفوجئت به يقلب الأحداث.

يقوم بأكثر من نصف مسئولياتها ويتحمل معها المتبقي، ويتدخل في كل ما يدور. كادت أن تجن، فما بال هذا الصنف؟ فمن المعروف في عالمها أن ذلك النوع لا يستطيع التحرك من كرسي لآخر دون مساعدة منها، في حين هو يكاد يطالبها أن تبتعد وكأنه هو صاحب الشركة الوحيد القادر على التعامل في كل المصاعب والمشاكل.

العجيب أنه حتى لم يترك لها حرية التعامل في المطبخ، المشروبات والمأكولات وتحضير وجبات الموظفين، حتى المرتبات أصبح هو من يحددها، كادت أن تجن, لماذا يفعل ذلك؟ أيطمع في مركز أو منصب أو مال؟ لا؛ فالجميع يعلم أنه الشريك المتضامن الأكبر للشركة، فجميعهم موصون بينما هو الوحيد المسئول وله نسبة51%, فلم يحتاج أن يثبت ذلك؟

كلما قررت شيئًا وجدته يقرر العكس، وكأنه يبحث عما يكدرها. اضطربت وقررت مواجهة الشركاء الثلاثة، ولكنهم أخبروها أنه لا غنى عنها؛ فهي المسئولة عن كل أعمال السكرتارية والإدارة والتحضيرات, أما هو فمسئول عن أعمال الشركة ومشاريعها.

كانت تصرخ: لكنه لا يفعل ذلك فقط، إنه لا يعطيني الفرصة لإثبات جدارتي. حاول الشركاء الثلاثة احتواء الموقف وعقد اجتماع بين الطرفين في حضورهم، وبالطبع لم تنته المناقشة على اتفاق، بل ساد الضيق الجميع. إلى أن صاحت في ضيق: لأنك ابن أكبر الشركاء والشريك المتضامن الوحيد والجميع يخشاك لذلك أنت تتفوق.

أجاب: بل لأنك اعتدت أن يسير الرجال تحت وطأتك، فأنت ترفضين من ينافسك في أي مجال، فقد اعتدت على أن تكوني صاحبة الخطوة الأولى، ولكن الآن يجب أن تتراجعي وتسيري خلفي.

فإذ بها تصيح وهي تغادر: أتعلم ما نصيحتي لك؟ أن تبتعد عن العواصف فأنت لم تتعلم بعد الرقص تحتها.

ومن وقتها اشتدت الحرب بين كليهما, كل منهما يثبت جدارته بالعمل، هي تقرر تغيير وجبات العمال من إحدى الشركات المتخصصة إلى إحدى الأسر، وبتخفيض رائع للشركة، وهو يقرر إدخال شبكة مراقبه كاملة وتوفير مرتبات الأمن، هي تقرر الاستفادة بساعة الغداء لوضع نظام تشغيل تلفزيوني لشرح خطة العمل أثناء الوجبات، وهو يقرر منع السيارات التي توصل المديرين وتوفير أتوبيسات مكيفة لنقل الجميع.

أفكار وخطط وتبارز وذكاء بين شخصيتين فائقي المهارة. العجيب أنهما تعلما كيف يستطيعان استفزاز بعضهما البعض عند النجاح وكأنها وسيلة ترفيه؛ فعند انتصاره ينظر لها نظرة المنتصر ويقدم لها وردة، وهي تأخذها مبتسمة، وبمجرد أن يسير تفرمها بحذائها.

وهي لحظة انتصارها تتحرك بشعرها ليتراقص يمينًا ويسارًا وكأنها رقصة الانتصار، وترفع له بإصبعيها علامة النصر. هو يكاد يجن منها؛ فهي الوحيدة التي لا تقف عند دخوله. وهي تكاد أن تصرخ منه؛ فهو الوحيد الذي لا يستمع لأفكارها.

هو يتعمد أن يطيح بيديه بما على مكتبها لتقوم من مكانها لتحملها فيشاهدها العمال وهي واقفة، وهي تغلق الباب من الداخل بالمفتاح فيضطر للمكوث حتى لا يظهر أمام الموظفين أن سكرتيرته تغلق عليه الباب.
هو يضع أنواع عطور نفاذة الرائحة؛ لأنه يعلم أنها تعانى حساسية ضد الروائح، وهي ترتدي الحذاء ذا الكعب العالي وتصطنع الوقوع حتى تدهس قدميه. وعلى الرغم من إنها أنواع مختلفة من الاستفزاز، فإنه كان يجد بها لذة لا تضاهيها لذة؛
فقد كان المتوقع ألا يزيد بقاؤه بمصر أكثر من شهر، في حين مر ما يزيد عن ستة أشهر وهو مستمر.

وذات يوم تغيبت عن العمل وهي ليست بعادتها، والعجيب أنه باليوم التالي حدث الشيء نفسه، فقرر أحد الشركاء الذهاب لها بالمنزل نظرًا لأنها لا تجيب على تليفونها، في حين هو يصمم ألا يذهب حتى لا يضطر للرضوخ لها، فقرر الشريكان الذهاب، ولكنهما فوجئا بقدومه في الموعد المحدد هامسًا وكأنه يقنع نفسه: لقد أتيت حتى أخبرها أنها خسرت المعركة.

وقرعوا الباب فيما هم يسمعون أصواتًا مختلفة تطالب فتى يدعى نسنس بفتح الباب،
وإذ بها تصيح: إنني أفتح، لا داعي للصياح.

نظر لها الاثنان وفماهما مفتوحان؛ فليست تلك الأنثى حافية القدمين ذات الشعر الأشعث والبيجاما الرجالي هي سكرتيرتهم الهادئة. ابتسم هو ابتسامه المنتصر متسائلًا: هل نسنس هو دلع كلمة نسنا...؟

وقبل أن يكمل ضربه صديق ولده هامسًا: نسمة حبيبتي ماذا حدث؟ لماذا لم تأتي للعمل؟

لم تجب، بل وأغلقت الباب في وجوههم لتدخل لتغير ملابس الرجال التي ترتديها، وتمشط شعرها وتخرج لتفتح الباب ثانية، لتجد الرجل الكبير يفترش الأرض قبل أن يصفر بفمه بعد أن غيرت ملابسها.

همست: فلتتفضلوا. اعذروني فقد كنت أرتب الشقة.

فإذ بصوت من الداخل يصيح: نسنس، من هؤلاء؟ فردت إنه مديري وأحدهم يا أبي.

بينما هو يكاد يقتلها: أحدهم؟ ألا تعرف تلك أن 51% من أسهم الشركة ملك لي؟

قدم والدها وهو ينظر لهم، فتقدمت: إنه أستاذ مراد مديري، ولم تعرفه بالآخر، فمد يده وأجاب: أنا ممدوح، رئيس مجلس إدارة الشركة ومدير ابنتك.

لم يهتم الأب ولم يمد يده، بل نظر لها هامسًا: ما أخبار جدك؟ فلم تجب فعاد يسأل السؤال نفسه.
لم تجب فدخل عمها ينادي: نسنس ما أخبار جدك؟ فلم تجب، في حين كان شقيقها يصرخ: أرايت جواربي أم أخذه والدك؟

فصاحت فجأة وسط ذهول الجميع: بدلًا من أن تسألوني عنه ادخلوا أنتم لتروه، أم إنكم أيضًا لا تحملون عيونًا ترون بها, ثم نظرت لشقيقها بغيظ ممسكة بكم والدها: هذا والدك فلتسأله عن جواربك ولا تسألني أنا.

ثم اتجهت لمديرها وصرخت: أرأيت لماذا لم آت إلى العمل؟

وانطلقت لتصعد ثم عادت وهي تحمل سكينًا من المطبخ وسط اندهاش من الجميع،
واقتربت منه ونظرت بعين تكاد تفتك بمن أمامها: أتمنى أن تغرب من وجه العواصف في هذا الوقت.

نظر لها مبتسمًا: ولكني تعلمت أن أرقص تحتها.

وفي اليوم التالي ذهبت للعمل وهي مقررة أنه آخر يوم لها. اقتربت من الشركاء الثلاثة وهمست: لي معكم أكثر من خمس سنوات، وكنت على استعداد لقضاء بقية عمري برفقتكم, ولكن الآن لم يعد ذلك ممكنًا، لذلك أنا سأنتقل للعمل بشركة الحديد الأولى بمصر، لأصبح السكرتارية التنفيذية لهم.

صدم الجميع في حين تقدم ممدوح يسألها: هل أضافوا على مرتبك مبلغًا كبيرًا؟ لم تجبه، بل نظرت للشركاء ونطقت "ثلاث أضعاف". فعاد يسألها: أبذلك تكونين قد خسرت الرهان؟ نظر له الشركاء شزرًا، في حين هي همست: إن كان هذا يريحك فاعتبر نفسك فائزًا.

رد بهدوء: ولماذا يريحني؟ فأنا لا أهرب من العواصف، بل تعلمت أن أرقص تحتها.

نظرت له وصاحت: قبل أن تولد أنت وفي فمك معلقه ذهب، كنت أنا أرعى أربعة رجال منهم أبي وجدي وعمي وشقيقي الذي يكبرني بعشر سنوات. لم أجد من يذاكر معي مثل بقية صديقاتي، ولا من يعالجني، ولا من يسمعني؛ فحتى أمي هربت من تلك المسئولية وتركتني وحيدة, فلا تخبرني أنت أنك تعلمت الرقص تحت العواصف فأي عواصف قابلت؟

رد بضيق: تلك التي تنثرينها علي؛ فمنذ قدمت وأنت تشعرين أنني شيء تافه لا تعبئين له. لم تفكري حتى كيف استطاع شاب مثلي أن يعيش وحيدًا في بلاد غريبة ليس له من يسنده، وبدلًا من أن تساعديني وضعت كل العراقيل أمامي حتى أسقط.

أخذ الاثنان يصيحان بينما الشريكان أشار كل منهما للآخر وخرجا، فاقترب منها سريعًا وضمها لصدره وهمس: لقد رفضت السفر والعودة حتى لا أتركك ترقصين وحدك تحت العواصف, فإنني أريد أن أرقص معك.

حاولت أن ترغم نفسها على البعد عن صدره ولكنها تشعر براحة لم تستشعرها من قبل. والعجيب أنها لم تستطع حتى محاولة البعد، فاستمرت تاركة جسدها ليستدفئ في صدره دون نطق، إلى أن فتح الباب ودخل والدها يصيح: جدك يا نسنس،أسرعي.

حتى إنه لم ينتبه إلى أن ابنته كانت في أحضان شخص ما، أسرعت نسمة تجري لتجد جدها قد أسلم روحه لخالقها, بينما الأب يبكتها: أين كنت بينما جدك يحتاجك،
فصاح ممدوح من الخلف: كفى، كفى، ألا ترون ما فعلتم بها؟ لقد جعلتموها تبحث عن العواصف حتى ترقص تحتها, لم تعد ترى سوى الخريف، حتى أنكم نسيتم أنها فتاة وتحتاج لحنان وحب ورحمة, وأنكم من يجب عليكم مساندتها وليست هي المنوطة بذلك.

نظرت له بصمت في حين ألقت بجسدها على جدها تعتذر له عن تركها له في أشد أوقات احتياجه، لم يلتقيا ثانية حتى في الجنازة. لم يذهب ليعزيها؛ فقد شعر أنها توبخه لأنه بتعطيله لها وضمها لصدره قد منحها لحظات لها هي، وهي اعتادت أن تكون لحظاتها لمن حولها.

ومر أسبوعان وذهبت للمصنع الجديد, ليفتح لها الباب لمقابلة المدير، في حين هو يقف معطيًا إياها ظهره, فيعتدل لينظرها بينما هي في ذهول، فيرد: أتعتقدين أن أيًا كان يستطيع أن يأخذك مني؟ لقد افتتحت المصنع خصيصًا لك لأنني أعلم أننا معًا نستطيع الرقص تحت العواصف والمطر.

ردت بذهول: ولكن!

فأجابها: لقد قدمت من الخارج خصيصًا كي أرى من يحكي والدي وأعمامي عنها أقاصيص، لم آتى لأنشئ مصنعًا أو لأحيي شركة، بل لأرى تلك المرأة التي أثارتني من قبل أن أراها، ولكني اكتشفت أن رقصي معك تحت العواصف أفضل من ذهابي بمفردي وقت الربيع، ثم اقترب منها وهمس: ولكن أجيبيني، كيف تسمحين لنفسك أن تسكني في صدر رجل ما يزيد على ربع ساعة دون تململ؟

ردت باندهاش: ربع ساعة كاملة؟

ابتسم: ألم تشعري بالوقت؟

فخجلت وطأطأت رأسها. فرد: أتدرين تلك الحركة التي تفعلينها كي تظهري لي انتصارك كادت تجعلني أجن؟

انتبهت متسائلة: أية حركة؟

حرك رأسه يمينًا ويسارًا، وهمس: لا أحمل شعرًا طويلًا ذهبيًا مثل شعرك ليتحرك، كما أن جسدي لا يتحرك بليونة مثلما تفعلين.

سالت بخجل محاولة التهرب من غزله:هل لنا أن نبدأ العمل

أجابها وهو يغمز بعينيه: سنبدأ فورًا بعد ربع ساعة، وباقي العمر في قلبي يا زوجتي المحبوبة.

اقرأ ايضا:

الرقص تحت عواصف الخريف

أضف تعليق