Close ad

"الحريق".. اشتعال القلوب هو ما يصنع الثورات

9-3-2017 | 15:57798

"الحريق".. اشتعال القلوب هو ما يصنع الثورات

9-3-2017 | 15:57798
9-3-2017 | 15:57798طباعة

لا يختلف الشعور بالمواطنة بين بلد وآخر؛ لأن حب الأوطان هو ذلك الشعور المتجذر داخل النفس البشرية، فهو يرتبط بالإحساس بالأمان والانتماء. تغطينا سماء واحدة، ونستنشق العبير نفسه. بل ونكاد نحلم أيضًا الحلم نفسه باختلاف الطموح الشخصي. إننا هنا بصدد الحديث عن إحدى روائع الأدب الجزائري، أو بالأحرى الأدب الفرانكفوني: رواية "الحريق" لمحمد ديب، لقد اخترت تحديدًا هذه الرواية التي تجذبنا من عنوانها، الذي يجسد ذلك البركان الثائر داخل الذات الجزائرية أمام المستعمر الفرنسي.

الحريق من أوائل الروايات التي تنبأت بالثورة الجزائرية؛ حيث تتماشى أحداث الرواية واشتعال أكواخ الفلاحين عشية الحرب العالمية الثانية، بل نستطيع القول إنها اشتعال القلوب التي طالما كانت منكسرة ومقهورة. تزامن صدور الرواية قبيل أشهر من تفجر الثورة الجزائرية، ومن هنا تأتي أهمية هذا العمل الأدبي؛ فهي بمثابة رؤية تنبؤية فاعلة لما سوف يحدث تحت سماء الجزائر من مقاومة وثورة ثم حريق.



لقد أثير الجدل كثيرًا حول المسار الذي اتخذه الكتاب الجزائريون آنذاك؛ لأنهم استخدموا اللغة الفرنسية في كتابة أعمالهم الأدبية، على الرغم من الانتقاد الموجه لهذا المسار تحت مبرر الابتعاد عن الهوية العربية. إلا أنني أتفق مع الرأي الآخر الذي يستند إلى ظهور هذه الكتابات في فترة المد القومي المصاحب لمرحلة التحرر من الاستعمار.

لقد استخدموا الفرنسية بغرض تعرية جرائم الاستعمار واعتداءاته الوحشية التي كان عليها الكثير من التعتيم الإعلامي. نضيف أن سرد ديب للشخصيات والأحداث كان محفزًا للوجدان بالطاقة القومية ونبذ الاستعمار، كما أن هذا العصر كان زمن تأجج المشاعر القومية على امتداد الوطن العربي، المتزامن مع العدوان الثلاثي في مصر, ليأتي فيلم"جميلة بوحريد" من إخراج يوسف شاهين وسيناريو وحوار نجيب محفوظ والشرقاوي والزرقاني, ليجسد بدوره ملحمة من التلاحم العربي، ورؤية موحدة ضد أي مستعمر.

ثم روايات تظل محفورة في وجدان القارئ لا يمحوها الزمن، ومنها هذه الرواية، التي هي جزء من ثلاثية ديب"الدار الكبيرة – الحريق – النول"، والتي جعلت من الكاتب الفرنسي لويس أراجون يطلق على كاتبنا لقب بلزاك الجزائر.

تأتي الشخصية الرئيسة عمر كرمز للهوية الجزائرية وتجسيد للمواطن البسيط الذي يلهث وراء لقمة العيش، لكنه أيضًا يتطلع إلى حياة كريمة تجد فيها الحرية والكرامة والعدالة, إنها رواية واقعية نقدية لأحوال فلاحي قرية بني بوبلان؛ حيث تصف الواقع المزري جراء السياسة الاستعمارية, بل هي تجسيد لصوت الضحايا.

إننا نلحظ تطور الوعي الوطني بين طيات هذه الرواية؛ فقد اختزل فيها ديب نظرة جيل كامل بلسان الأبطال وتساؤلاتهم المثيرة للجدل، لتدور معظم المناقشات داخل البيت الكبير "بيت سبيطار" كرمز لميلاد المقاومة، التي سوف تنتشر فيما بعد داخل كل بيت جزائري ليبدأ التنظيم السياسي في البوز ويبلغ ذروته في الفصل العشرين، حيث كانت شخصيات الرواية تتأهب للمشاركة في الحرب العالمية الثانية، وهذا يعطي عمقًا تاريخيًا للرواية؛ لما تستند عليه من أحداث واقعية.

كما يجب أن نلقي الضوء أيضَا على شخصية حميد سراج، ذلك المثقف والمناضل الذي أثار بمعلوماته حماسة الفقراء والمهمشين، وكأنه بمثابة ذلك القبس الذي كانوا ينتظرونه ليضيء أمامهم طريقًا يكاد يكون مبهمًا، بل إنه يؤكد أن الخلاص لا يأتي إلا بإرادتهم.

لقد انقشعت الكثير من الغيوم من أمام ناظرهم؛ فقد استطاعت هذه الشخصية أن تسقط صورة ذلك الوحش الذي لا يقهر (فرنسا). لقد بدا في الأفق فجأة بصيص أمل بأن هذا الكيان يمكن قهره.

دائمًا يوجد داخل كل مجتمع، بل مع كل شخص منا على حدة، ثمة شخص يضيء لك الطريق، أو ربما يجعلك ترى الحياة بنظرة أخرى لتدرك حينها كم كنت تفتقد من معاني جراء نظرتك القاصرة للحياة. وإذا عممنا الحديث فإننا نستطيع أن نقول إنه مهما طال بنا العمر فهو قصير أمام حياة الأوطان التي تتجدد من جيل لآخر حتى يخونه أهله أو يتخلى عنه ذويه، هنا فقط يعلن الوطن عن خاتمته. حفظ الله مصر.

اقرأ ايضا:

"الحريق".. اشتعال القلوب هو ما يصنع الثورات