بالفيديو.."مملكة الدباغين" ترفض "متاهات الروبيكي"..المُلاك: مشروع تفصيل للحيتان.. والعربجية: هنجيب برسيم منين؟

26-3-2017 | 20:05

مملكة الدباغين

 

ميادة عبد المنعم

هنا مملكة "الدباغين"، مسقط رأس صناعة الجلود ، بمصر القديمة حيث تعيش الحيوانات برفقة البشر في عشش لا تتعدي مساحتها 3 أمتار-كما تقول مني أو كما تلقب بـ "أم جميل" التي تقوم بجمع مخلفات الورش عبر أجولة عملاقة تحملها علي عربة "كارو" وتلقي بها بالقرب من جامع عمرو، مقابل 45 جنيهًا للنقلة الواحدة ومع صعوبة الحياة والأجواء فهي ترفض النقل للروبيكي وفق أسباب وقناعات.

"العربجة" هنا ليست سُبة كما يعتقد البعض، وإنما هي مهنة يعيش عليها 500 "عربجي" بأسرهم، في منطقة الدباغين بمصر القديمة -ما قاله إسلام الحاصل علي ليسانس الحقوق الذي منعه الحرج من الكلام فطلب من المَعلِمة "أم جميل" التحدث نيابة عنه.
"لا مش موافقة علي النقل، معرفش أعيش مع سكان الفيلل، دا احنا هدومنا هتوسخ المكان"- قالتها "مني" التي تربعت أمام حصانها فوق عربة كارو، موضحة: أكل عيشي هنا، من مخلفات الورش، في رقبتي 2 صبيان وحصان، أصرف عليهم بكام في بدر ونعيش ازاي، طب لو فرضًا وفروا سكن للعبد لله، أبيت العربية والحصان فين؟
وتساءلت المرأة التي تسكن عُشة من صفيح:"أشتري برسيم منين، في برسيم في السوبر ماركت؟.

"أصلك مش وش نعمة"-جملة اعتراضية أطلقتها فاطمة التي تلطخت عباءتها السوداء بالأصباغ في وجه صديقتها صاحبة الكارو تعبيرًا عن رفض وجهة نظرها.
ثم استعادت فاطمة شيئًا من الهدوء لتقول لصديقتها: "حد يكره النضافة يا هبله، هنلاقي فرشة حلوة وهوا نضيف، جنبنا وجعنا من نومة الأرض يا فقرية، ثم استدارت عاملة الأصباغ نحوي لتستفسر: أنا معنديش عقد إيجار ولا تمليك، تفتكري ممكن آخد شقة هناك؟.

العمل في المدابغ غير تقليدي بالمرة، الأجواء باردة للغاية، لكن عبد الرحمن الذي انهمك أمام ماكينة الحلج مرتديًا ملابس صيفية ظهرغير مهتم بالطقس وظل يكرر:"مش موافق طبعًا علي النقل، أنا اًُجري وأعمل بالقطعة، لا أخضع لمظلة تأمينية مثل الآلاف من الشباب هنا، الروبيكي للمؤمن عليهم فقط يا استاذة-حسب معلومات الشاب الذي لم يكمل تعليمه مفضلًا تعلم حرفة.
"جاموسي وبقري، هي نوعية الجلود التي تأتي فوق عربات الكارو لتتم معالجتها بحلق الشعر أولًا ثم تسوية الجلد داخل براميل خشبية يصب فوقها مواد كيماوية، بعدها تدخل الجلود مرحلة التخفيف عبر ماكينة تسمي حلاقة المقلوب، بسمك 6م فقط، بعدها تمر بالصباغة فتأخذ لونًا أوليًا مائلًا للخضار ثم اللون البني أو الأسود حسب رغبة العميل- مراحل التصنيع حسبما شرح الحاج محمد مصطفي.
أما الحاج محمود، الذي عقد اجتماعًا مصغرًا مع رفاقه من مستأجري المدابغ ، فتحدث من زاوية أخري: "المسافة بين المدابغ ومصانع باب الشعرية المصنعة للجلود، 15 دقيقة لا أكثر، 150 أو 200 جنيه تكلفة النقلة، فكم سيتكلف النقل من صحراء بدر لـ باب الشعرية؟ ومن سيتحمل الفارق؟.
وتابع الرجل الذي استأجر مدبغته مقابل 9000 جنيه شهريًا: الروبيكي معمول "تفصيل" لأصحاب الغرفة وشعبة الجلود والحيتان ولهذا يتكتمون علي المعلومات، منوهًا أن الحكومة صرحت بأن التعويض المادي للملاك وليس المستأجرين، والورش الجديدة مرهونة أيضًا بتقديم عقود ملكية للمدابغ القديمة، معظم الناس هنا مستأجرة، فأين العدل؟.
"سعر المتر ب الروبيكي يبدأ من 6000 ج وأقل مساحة 300 م، محتاجين ماكينات قولي بمليون جنيه، طب منين وليه تغرقني في ديون وقروض"-تساؤل طرحه أحد المارة ب المدابغ .
بينما "رافض طبعا" فجاءت إجابة مقتضبة علي لسان عمرو، 19 عامًا، عامل تمليح يقوم بفرد الجلود و تغطيتها بطبقة كثيفة من الملح في الشمس لتبدأ بعدها عملية الدباغة.
و"هذا ما ألفنا عليه آباءنا".. جملة رددها ماهر الذي رفع "طريحة" بها 300 قطعة من الجلد فوق ظهره ذاكراً مشكلته مع مواعيد العمل التي تبدأ من السادسة صباحًا وتنتهي في السابعة مساء، بما يعادل 11 ساعة متواصل نظير يومية 400 في الجمعة.
وبحسبة بسيطة تابع: "بدر قرب السويس، 6 ساعات سفر رايح جاي، مع 11ساعة عمل، يصبح الناتج17ساعة من هدة حيل، دا أنا لو جمل هينخ".
أما العجوز التي جلست فوق كرسي قديم منزوع الأرجل بجوار كومة من البرسيم وأمام بركة مياه راكدة فرفضت النقل وقبلته في نفس الوقت:"نفسي في مطرح يلمني أنا وعيالي بس أنا بسترزق من شوية البرسيم اللي ببيعهم هنا للرجالة أصلهم عارفين إني بجري علي يتامي".
"موافق يا حج محمد علي النقل لحياة أفضل وبيئة عمل صحية ".. سؤال قاطعه الحج محمد الصعيدي قائلًا: إحنا ما شايفنش حاجه، لا ورش ولا شقق ولا شئ، كله كلام في كلام.

وبابتسامة غير متوقعة أفصح المسن الذي قارب علي السبعين:" ذراعي عجز ب المدابغ ومعاشي 700 جنيه أول عن آخر، مين هيشغل مُسن معاق في الروبيكي ، مؤكدًا بضحكة: المهنة بعدي هتنقرض".
وعلي المقهى المتواضع الذي يضم الجميع في أوقات الراحة، جلس "مصطفي"، يتزعم الجلسة: "أنا مراقب إنتاج لديّ 3 بنات أيتام، الكبرى بجامعة القاهري و2 بعين شمس وعيشة زفت".

يشعل أبو البنات، 5 سيجارات بأقل من 10 دقائق ويقول.."الورشة على بعد خطوتين من المنزل، أروح ببناتي وجامعاتهم فين ولا أنقل الروبيكي وأسيبهم واعمل فيها مُعار للخليج وأنزل أجازات".
وعن اليومية أوضح أنها تبدأ من (30- 100 جنيه)، متسائلًا:هل سيكفي هذا المبلغ فتح بيت بمنطقة فيها الطاق طاقين؟.
بينما طارق الذي حمل بيده بخاخة زرقاء اللون فأعلن: "60% من الدباغين مرضي صدر بسبب ملح النشادر ومية النار، ومستشفي الصدرعلي بُعد 30 دقيقة، فما المصير لو تعرضنا لأزمات بالصحراء هناك؟"

"شوفوا لي شقة عاوز اتجوز، مش لاقي حتة أنام فيها، إيدي عجزت وعاطل".. مطلب كريم الذي فقد والده بعد إصابته بمرض خطير نتيجة عمله ب المدابغ .
فيما أخبر العقلاء من أصحاب المدابغ : "المكن عجوز عمره 1500 سنة، أكله الملح والصدا، لو تم تفكيكه تحلل وتعرضنا لخسائر مليارية".
انقسام وجدل وتساؤلات سادت منطقة الدباغين، فالبعض يصفق لقرار النقل أملًا في حياة أفضل والأغلبية تُعلن الرفض وتعتبر منطقة سور مجرى العيون بكل ما تحتويه من أمراض مملكة وواقع أنسب لتتعالى الأصوات من خلفنا:"قولي لهم مش ماشيين إلا بضمانات، ورانا كوام لحم، إحنا راضيين بـ الهم، خليهم يتوسطوا لنا عند الهم عشان يرضي بينا".


الفيديو


الفيديو


الفيديو

.

اقرأ ايضا:

[x]