Close ad

أريحية التأويل

7-3-2017 | 09:211491

أريحية التأويل

7-3-2017 | 09:211491
7-3-2017 | 09:211491طباعة

هلا راقبت أيها القارئ الكريم، هذا النفس العميق الذى أخذته بعد قراءة العنوان السابق، أدعوك لاستثمار دقائق تتأمل فيها ما تضفيه كلمة التأويل إلى كلمة أريحية من عمق ينفى كل وصف ألصق بها من قبيل الصعوبة أو الشطط أو اللامنهج أو استنطاق النص بغير ما فيه إلخ.

التأويل فكرة طرحت لتعالج فكرة مضادة، وهى الإقصاء، إقصاء كل آخر من الحوار، واستبعاد كل آخر من المشهد، لتحويل المشهد برمته إلى مركزية واحدة، يصدرعنها الخطاب، ويقبله الجمهور دون اعتراض، وكأنه يحمل صكًا للفهم الأحادى الموجه.

التأويل فكرة تضعنا جميعًا على طاولة النقاش دون "هيراركية" المنصة والجمهور، وتفتح آفاقًا للحوار بين الجميع، وإن انتموا لعصور مختلفة، وإن شئنا يمكننا أن نقول، إنه لاحوار مع القديم إلا فى رحاب التأويل ولا تجديد يُنتظر إن أغلقنا هذا الباب، ولا تواصل مع الجديد دون تأويل، فالتأويل يفتح أمامنا بوابة الاحتمالات المتضمنة فى كل نص " مسموع ،مقروء ،مرئى" يفتح آفاقًا مغايرة لهذا الخطاب الذى يمسك العصا لكل مخالف ويحتكر المعرفة لنفسه ، وإن استمر حامل شعلة التأويل فى مهمته، رُمى بتهمة مجهزة وسائدة فى عصره تغازل فصائل أخرى على أصعدة متباينة.

كل مؤول بالضرورة، إنسان متسامح مع الكون، حتى يستطيع أن ينصت لتلك الأصوات المتعددة الصادرة كل صباح عن النص الأكبر /الكون ولايجد فيها تنافرا أنه يبحث عن التناغم أينما حل، عن الحوار الذى يقودك لمساحات أكبر من الاكتشاف وتصحيح المسار لا الحوار الذى يبحث عن المنتصر الذى يعشق حمل لواء " أدحضته وطرحته أرضا" ليس هذا الحوار هو الذى يبتغيه التأويل إنه يبحث عن تداخل النص: "أين تجدنى وأين أجدك والكون بنا متى حللنا أى مكان" على سبيل المثال حينما نعبر عن سعادتنا أو امتعاضنا من مشاهدة مباراة كرة ، فإننا نطلق الأصوات والصيحات أو نصمت تمامًا،هنا نحن نعبر عن النص المرئى  القابل للتحليل من وجهات نظر مختلفة بنص صوتى آخر قابل للتحليل والتأويل قد يستخدم فيما بعد لدراسة توجهات الجماهير.

ومتى تنطلق الأقلام تكتب عن هذه المباراة يستحيل النص المرئي إلى نص مكتوب قابل للتحليل والمناقشة والتأويل ومتى تتخذ برامج التوك شو من المباراة مادة لها تستحيل لمادة حوار حى تناقش، كل حسب خلفياته وتوجهاته وتحكم رأس المال.

ومتى تتحول المباراة إلى ومضات موجزة عبر فيسبوك، فهذا نص آخر النص الأول هو المباراة والنصوص التى عملت عليه مختلفة ومتنوعة كل منها له خصائصه وتيماته وتوجهاته التى تحركه، وإن كانت عفوية من فطرة الشعب لا يوجد نص قام بإلغاء نص ولم يظهر نص تعالى على نص ،كل نص له جمهوره، كل النصوص تداخلت وانبثقت من رحم نص واحد نص مرئي فى هذا المثال البسيط الحى مباراة كرة.

كلنا نصوص قابلة للقراءة والتأويل.. كل يحمل أنساقًا ثقافية، خرج من رحمها وهيمنت على خطابه.. كل يعبر وفق أداة يظنها الأجدى للتواصل مسموعة مكتوبة مرئية أو بالصمت ..اختلاف النصوص ثراء من أجل تواصل أفضل وتأويل يعمق الفهم.

فالتأويل محاولة فهم أفضل لتعددية الأصوات الكونية وتناغمها ومن بينها صوت الإنسان ،التأويل هو محاولة الإنصات لكل الأصوات التى تعزف لحنا لا بُغية التمييز ولكن بغية اكتشاف التناغم /الهارمونى بين تلك الأصوات الصادرة عن آلات متعددة وإن كانت تعزف اللحن نفسه فمابالنا بالألحان المختلفة الصادرة عن إنسان واحد أو مجموعة بشر.
التأويل يعيدنا للقراءة المتأنية المتأملة التى تحفل بالكلمة، وتحترم سياقاتها المختلفة وماتحمله من أنساق ثقافية عبر أزمنة مختلفة.
التأويل يؤكد لنا أن عملية الفهم ليست لحظية مباشرة وإنما تاريخية ومرتبطة بالماضى والحاضر فى آن واحد.
إن الهجمة الشرسة التى تعرض لها التأويل من قديم ومازالت مستمرة، تهدف إلى ترسيخ مركزية الفهم وأحاديته والسير وفق الآراء المتواترة دون إعمال العقل فى جوانب أخرى تحتملها النصوص على اختلاف أنماطها ليكتسب الرأى المركزى قدسية بفعل مرور الزمن فقط والأصل أن نركز على قدرته على التواصل مع متغيرات الخطاب ونبحث فى جوانبه المتعددة المضمرة قبل الظاهرةحتى نستطيع التخلص تدريجيا من براثن فكرة الخطاب الأحادى .
مازلت مؤمنة بقدرتنا على التغيير، إن آمنا معا أن التغيير مرتبط بقدرتنا على الحوار مع كل شىء ، الحوار هو الذى يتيح لنا اكتشاف بعضنا فى الآخر.

لأننا فى الأصل لم نخلق لنتنافر، الحوار حياة القلوب، وإن كانت نابضة ،الحوارإعادة تشكيل لذواتنا من الداخل، ترتيب لأولوياتنا، مرآة صادقة تظهر مواطن الضعف والقوة في تفكيرنا، الحوار يكشفنا قبل أن يكشف الآخر، الحوار سؤال دون أداة استفهام، الحوار سؤال ممتد غيرحافل بنقطة النهاية.

والجموع الماضية تسهم في خلق الفرد، والفرد سيصبح ـ هوـ حين يدرك تفرده وبين الجزء والكل نطوف في خشوع لنقرأ الإنسان. والقراءة حوار، والتأويل إنصات لأصوات كل محاور داخل النص وخارجه.

اقرأ ايضا:

أريحية التأويل