Close ad

الحداثة وتحولات الشعرية العربية في مصر (2)

26-2-2017 | 17:24756

الحداثة وتحولات الشعرية العربية في مصر (2)

26-2-2017 | 17:24756
26-2-2017 | 17:24756طباعة

كانت هزيمة حزيرن 1967م من أهم المؤثرات التي حددت حركة التجربة الشعرية عند أمل دنقل في الوقت الذي أصيب فيه الشعر العربي عامة والمصري بخاصة بنكسة مماثلة على مستوى الأداء،لأن الهزيمة سرت في الدماء حتى وصلت النخاع: الإحساس بالمهانة والانكسار والذل والضعف والتخاذل وضياع الأمل في الغد..

فارتدت التجارب إلى الصوت الرومانتيكي الشاكي الباكي الحزين ما عدا تجارب أمل دنقل التي اكتسب طابعها الواقعي، الصدامي، الثوري، الانفعالي، المتوهج, مرتفع الصوت على المستوى البنائي , إنها تجربة الانعكاس المباشرغير التقليدي القائم على النظم وإنما حضورالوعي واللاوعي في تجل خاص مع اللغة ذات الإيقاع الخشن والصور البلاغية التقليجديدة (التقليدية- الجديدة).لم يستطع أمل دنقل أن يخفي انتماءاته السياسية و القومية، فجاءت بعض قصائده عبارة عن منشور حزبى أو بيان سياسي تحريضي كما في قصيدة "لاتصالح".

لكن شاعرا مثل محمد عفيفي مطر قاده الفكر الطليعي والتأمل الفلسفي العميق إلى تجاوز هنات الحركة ومشاكل التجديد أو الرؤية الفكرية للواقع والفن , وانحاز إلى التراث في حالة حركته واتصاله بهموم الإنسان المعاصر وقضاياه , التراث في سمته الفاعل الحي , اكتشف لغة الأرض والطين فأخذ يفجر مافيها من مكنون وكنوز من الخرافات والأساطير , أخذت اللغة عند مطر حالة المتصوف المتماهي بالأرض، فأوجد علاقات خاصة-بين الدال والمدلول- لم يكن الشعر الجديد يعرفها في حينها، واجه الواقع السياسي ببيان جمالي مغاير , التزم بالتفعيلة ومارس شهوة التجلي من خلال البناء التراكمي والصور التي تعتمد على الإدراك الحسي الجواني, فاتهم بالغموض والفنتازيا التكوينية , يمثل مطر نقطة اختلاف في الشعرية العربية في مصر لم تستطع التفعيلة أن تمارس سطوتها عليه، فيصبح أسيرًا لها ويتحول إلى مقلد في إطارها , بل مارس سطوته على التفعيلة، وأصبحت تابعة لتجربة مرتبكة ومربكة على المستويين الجمالي والرؤياوي, لم تكن التفعيلة قيدا عند مطر،كانت ملائمة لمرحلة ما، بل حرية تستوعب حركة تجربته المتراكمة المعقدة , تفصح عن بهجته الغامضة.


عاش المجتمع المصري – علي الأصعدة كافة – انعكاسات الهزيمة، فقد كان الجرح غائرا والإحساس بالهزيمة عميقا، والشعور بالمهانة يملأ الروح، فبدأ اليقين فى التراجع، وأصيب الوعى باهتزازات كبيرة، مرتبكة، فقدت الذات قدرتها على استشراف المستقبل، وقدرتها على التواصل مع العالم . فكان طبيعيا أن يحدث تحول فى بنية الوعى والرؤى فهيمن على الخطاب الشعرى مناخ " البكائيات" – مثل " البكاء بين يدى زرقاء اليمامة" – وصار يشكل ملامح جيل كامل فى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وتحكمت الرومانطيقية فى زوايا الرؤية .


أحدثت هزيمة يونيو تحولا فى الفكر والرؤية ولم تحدث تحولا مماثلا فى البنية الجمالية وأدوات التشكيل الفنى، ظلت الكتابة الشعرية محافظة على صياغة الهموم الجديدة عبر النسق التفعيلى الذى حددت معالمه قصيدة الريادة التى ظلت سائدة طوال الخمسينيات والستينيات .

كانت مرحلة الخمسينيات والستينيات تأسيسا لنموذج جمالى ثابت، تحولت فيه سلطة البيت ووحدته إلى وحدة التفعيلة، حيث حرص الشعراء على استخدام تفعيلة واحدة فى السطر الشعرى تتكرر أفقيا، أما التنوع بين التفعيلات فى السطر الشعرى الواحد فلم يجد طريقه فى تلك الفترة إلا بعض الهنات / التحولات العروضية البسيطة التى لا تشكل ملمحا جديدا، لكن بعض الشعراء خرج على نظام التفعيلة الموحدة، وانتقل من وزن إلى آخر داخل القصيدة الواحدة خارج مصر.
وقد فند د. عز الدين إسماعيل هذه الظاهرة التى اعتبرت نشازا فى وقتها، وهو يقر فكرة الإلزام والالتزام فى الوقت الذى لا يعترف بوجودهما، فهو يرى أن الانتقال من سطر مؤسس على تفعيلة الى سطر آخر مؤسس على تفعيلة أخرى لايمكن تحققه وقبوله إلا فى الحالات التالية:
1-أن يكون السطر الجديد بداية لمقطع جديد من القصيدة.
2- أن يعبر هذا السطر عن انتقال فى الموقف الشعورى.
3- فإن لم يكن هذا أو ذاك فيتحتم عندئذ أن تكون هناك (علاقة تداخل) بين التفعيلة المستخدمة فى السطر الأول والتفعيلة فى السطر الذى يليه على أن يدخل فى اعتبار الشاعر استغلال هذه العلاقة فنيا .

لم تسجل تلك الفترة خروقات فى نظام التفعيلة فى السطر الواحد ولكنها أوجدت منهج الجملة، وقد اشار د. عز الدين إسماعيل إلى هذا الإجراء وعلاقته بالشعور الذى يعبر عنه الشاعر.

أما فيما يخص القافية – وهى الجانب الموسيقى الثانى – فقد مرت عند هذا الجيل بمحاولات تجديد وتحول " يستبعد منها كل عوامل الملل والرتابة من جهة ويجعل منها عنصرا موسيقيا فاعلا بحق " .على حد رؤية د . عز الدين إسماعيل .
لم تتخلص الشعرية الجديدة من القافية بوصفها سلطة تحفها القداسة كما الوزن الذى يعتبر أحد المعايير الفاصلة بين الشعر والنثر كما ذهب البعض قديما وحديثا على اعتبار أن البناء الإيقاعى هذا هو الشرط اللازم والضرورى لشرعية القصيدة.

لقد حرصت تجربة الشعر الجديد فى تلك المرحلة على أن يكون التجديد والخروج فى إطار محدد يقع بين الخروج والالتزام، فلم يكن التجديد أو التغيير مطلقا، ولكن يبدو أن النفس العربية تستأنس بالنموذج والمثال وتستكين إلى شاطئه رغبة فى السلامة والأمان، فالنفس أسيرة الماضى لأنه يحمل عبق الآباء والأجداد وروحهم الطاهرة التى ترفرف فوق رءوس الأبناء البررة تحميهم من لفح الهجير وضجيج حضارتهم التى تأبى أن تنام فى ضوء خافت وشحيح أو تركن إلى حائط متهالك، متصدع.

إن الارتباط بالنظام حتى وإن كان خفيا حرم الشعرية العربية فى مصر من أن تخوض مغامرة جمالية حقيقية أكبر مما كانت عليه وكان متاحا لها، فالمتغيرات السياسية والتحولات الاجتماعية التى شهدتها فترة الستينيات كانت كافية للخروج من أسر الالتزام وإن كان مؤثرا، فتأثيره فى إطار الإلزام يظل محكوما بقوانين ثابتة فى النظام قوانين معدة وأنظمة جاهزة لتجربة غير معدة وغير جاهزة. مناخ التوتر يكسر اليقين ويبدد الألفة، ويفتح شهوة المبدع للتساؤل، لا يتحقق فى الأجوبة الجاهزة.

اقرأ ايضا:

الحداثة وتحولات الشعرية العربية في مصر (2)