الثورة بين الفانتازيا والكوميديا والتراجيديا

7-2-2017 | 17:01

 

في روايته الجديدة الرائعة، "قطط العام الفائت"، ( الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، طبعة ثانية، القاهرة، يناير 2017، 386 من القطع المتوسط)، يدخل الراوئي الكبير إبراهيم عبد المجيد بالرواية العربية في منطقة جديدة تمامًا، متميزة للغاية، وتعد فتحًا كبيرًا يزيد من آفاق الرواية المصرية ومستويات التلقي وآليات الاستقبال وجماليات السردية العربية.

ففي هذه الرواية المدهشة يوغل إبراهيم عبد المجيد هذه المرة في عالم الفانتازيا عائدًا في الزمن إلى سرد أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، في بلد متخيل، بعد مرور عدة سنوات على قيامها في الواقع المعيش، برؤية متميزة وقراءة عميقة لها، ومقدمًا سيرة أقرب للحقيقة منها للخيال في شكل فانتازي يمزج الكوميديا بالتراجيديا السوداء، وممجدًا من تلك الثورة النبيلة التي تم إجهاضها والسطو عليها وسرقتها، ومؤكدًا على استمرارية الثورة من خلال شبابها الذي لم يفقد الأمل بعد من أجل تحقيق مباديء الثورة التي قامت بسبب غيابها ولسببها.
وبحيلة ذكية يؤكد الكاتب عبر مفتتح الرواية على أن أي تشابه مع الواقع غير مقصود. ويوغل إبراهيم عبد المجيد في هذه الرواية في الرمزية (الإليجورية) ويوظفها بشكل كبير. ومن سياق الرواية وواقع الأحداث التي عاشتها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 وما قبلها، يدرك القاريء رمزيات الكاتب.

وتدور أحداث الرواية، في 29 فصلًا، حول قيام ثورة في بلد متخيل يطلق عليه الكاتب "لاوند"، في نفس اليوم التي قامت الثورة في بلد آخر يسميه "مصرايم". وتركز الرواية على ثورة "لاوند"، وتذكر أحيانًا بثورة "مصرايم". ويقوم الخط الدرامي في هذا العمل على الصراع بين نظام فقد شرعيته وزمنه وبين شباب وشعب ثائرين من أجل حياة أفضل وتتداخل عناصر معاونة ومضادة مع كل فريق.
ويحكم "لاوند"، الحاكم الثمانيني، أمير باشا أبو العساكر منذ خمسين عامًا، وينحدر هذا الحاكم من جد أسطوري يدعى القنطورس. ويعاون الحاكم فريق من الرجال المتآمرين أمثال مدير المحن والأزمات المسماة باختصار "مُز" الذي تخرج الثعابين من أصابع يديه، خصوصًا، وهو يعذب الكثيرين، ووزير "الأمن والأمان" التي اختصرها الحاكم تحت مسمى "مَم" ورجاله، والسر عسكر ناظر الحربية.

لقد ثار الثوار في الميدان الكبير في، العاصمة، "لاوندة"، فألقى السر عسكر ناظر الحربية غازًا مخدرًا من الطائرة عليهم، وهو غاز لا يقتل ويسبب فقط تجمد أعضاء الثوار ليومين وذلك حتى حين يرى الثوار في كل مدن "لاوند" ما حدث في الميدان الكبير، فلن يصلوا إلى العاصمة، وسوف يصيبهم الإحباط، ويتركون أماكنهم، وذلك حتى ينتهوا من التفاوض مع الشيخ شمعدان، شيخ جماعة "النصيحة والهدى"، الأكثر تنظيماً في مواجهة نظام أمير باشا أبو العساكر.

وينجح الحاكم ذات القدرات الخاصة في إلقاء الثوار في الصحراء معيدًا إياهم إلى عام 2010 السابق بدلًا من عام 2011 الذي ثاروا فيه عليه وعلى نظامه الفاسد. وتعاونه جماعة "النصيحة والهدى" في ذلك. وتأتي فتاة تسمى هديل من بلاد الشام، تشبه سعاد حسني، وتعطيهم قبلة الصحوة، فيعودون إلى الحياة ويكتشفون أنهم الآن في عام 2010 وليس 2011 الذي كانوا فيه ثوارًا في الميدان الكبير. ويتحولون إلى قطط بعد أن تم القبض عليهم فيخرجون من السجون. ويحارب النظام القطط ويحاول القضاء عليها بجنون، فتنتشر الفئران كنتيجة لذلك!

وتقدم الرواية، زوجة الحاكم، السيدة سناء، امرأة مسيطرة متواطئة مع الحاكم تسعي لتوريث ابنها الحكم بعد والده الحاكم المسن جدًا. ويظهر الحاكم عاجز جنسيًا، لا يجيد غير قهر الثوار ونهب ثروات البلاد وتهريبها إلى الخارج ونفي أعدائه في الزمن، ويقوم بنفس فعل النهب كل أفراد نظامه المنحرفين على كل المستويات. وفي مشهد دال يقدم الكاتب بعض جنرالات وزارة "الأمن والأمان" "مَم" يعانون من أجسام حادة تبرز من المقاعد وتدمي مؤخراتهم!

ويحاول وزير "الأمن والأمان" "مَم" أن يصبح حاكم البلاد وأن تكون له قدرات أعظم من الحاكم الذي ينفي الناس في الزمن، وأيضًا من مدير المحن والأزمات "مُز" الذي تخرج الثعابين من أصابع يديه، فيذهب إلى قبر الفنانة الراحلة سعاد حسني ويرجوها أن تمده بقدرات خارقة أقوى مما لديهما.

وفي الرواية، يظهر الكائن الأسطوري "كينج كونج" في الميدان الكبير وفي مواضع أخرى عديدة معاونًا ومحبًا لهديل. ويوظفه الكاتب بذكاء شديد حين يدعي حاكم البلاد في خطاب للشعب أن "فيسبوتشا" (في رمز دال إلى الولايات المتحدة الأمريكية) ترسل إليهم ذلك الكائن كي تحارب البلد من خلال أعمالهم السينمائية التي تسخر من قدرات الشعوب وتعظم من قدرات تلك القوة العظمى الوحيدة في العالم! ويفيد عبد المجيد من مختلف الأساطير والثقافات مثل الحصان المجنح بيجاسوس الذي كانت تستخدمه شبيهة سعاد حسني في تنقلاتها.

وتظهر خيانة الشيخ شمعدان وجماعته واضحة للثورة. وتوضح أحاديث مكتب جماعته وقياداته براجماتية الجماعة التامة التي تسعي للحكم على جسد الوطن، وتتعاون من الحاكم الفاسد الديكتاتور الأبدي الجاسم على جسد البلد لما يقرب من نصف قرن، ويخدعها ذلك الحاكم في كل مرة ولا تتعلم الدرس أبدًا، ومساعدتها له حتى في فك يده التي التصقت بمؤخرته! وتفضح الرواية الفساد السياسي بكل تبعاته من فساد أخلاقي وإنحلال ونهب لمقدرات الأمة وثروات البلد.

ولا يمكن نسيان الثوار من الشباب أمثال نزار ونورهان والدكتور مصطفى وأحمد خشبة وشيماء وشهيرة وماهيتاب، ولا السيدة كريمة، أم نزار، السيدة المناضلة القديمة، ولا زوجها الثوري الراحل، ولا صديقه الثوري الجنوبي، والد شهيرة صديقة نزار، ولا السيدة إكرام، الإسكندرانية الجليلة المؤيدة للثورة والتي تتهف من شرفتها وما حدث لها على أيدي على الشرطة نتيجة ذلك.

ويشمل المكان أجزاء عديدة من البلاد خصوصًا الميدان الكبير ومدن أبيدوس وفاروس ولاندة والجنوب حيث المطاريد الذين يتعاونون مع مدير أمن المنطقة. ولا ينسى عبد المجيد التذكير بمقدماة الثورة والحركات المضادة للنظام الحاكم والداعية لإسقاطه ورحيله مثل حركة "حنكسر قلة"، في إشارة رمزية لحركة "كفاية" المصرية الشهيرة.

والجنون عينه أن يقبض مدير "مز" على كل البنات شبيهات سعاد حسني حتى يقضي على مساعدتها للثوار. غير أن الحاكم يقضي على مدير "مز" نتيجة خيانته له ويرسله بعيداً في الزمن. وبذلك تسعد البلاد وتعيش في شمس مشرقة والجميع مندهش ويتساءل هي "البلد حلوة كده ليه؟". ثم يسود ظلام دامس بعد أن خطب الحاكم في الشعب على الرغم من إعلان شيوخ المساجد أن الدنيا أضاءت ولن تظلم أبداً؛ بسبب بركة الحاكم الذي رضي الله عنه فحلت البركة على الدنيا!

ولغة الرواية شعرية وسهلة وتمزج الفصحى بالعامية وتنحت مفرداتها وتقدم الجديد منها وإيقاعها سريع كالراوية نفسها والجمل قصيرة وموحية. والرواية مليئة بروح المرح والفكاهة وخفة الدم ولا يكف القاريء عن الضحك أثناء قراءة هذا العمل الكبير. وأفاد الكاتب من تقنيات التواصل الاجتماعي مثل توظيف الهاشتاج والفيس بوك وكذلك من السينما وتوظيف الأعمال الموسيقية العالمية مثل أداجيو (الذي توجد رواية من روايات الكاتب بنفس الاسم) وغيرها في الرواية. واستخدم الكتابة المشهدية السينمائية في بنية النص الروائي والغرابئية وأشعار أحمد فؤاد نجم في العمل. كل هذا يجعل من هذا العمل فريداً في محيطه الإبداعي الجديد.

وتنتهي الرواية بنفي مدير "مز" في الزمن من قبل الحاكم بعد أن علم بخيانته، كما سلف القول، والقبض على وزير "مم"، واستيلاء السر عسكر على الحكم الذي يؤكد أن ما قاله الحاكم كان كذبًا، وأنهم في عام 2010 وليس في عام 2012، وأن عام 2012 بدأ منذ أسابيع، وأن الفنانة سعاد حسني هى من أعادت الثوار إلى الحياة بعد ساعات. وأكد اختفاء الحاكم ووزوجته ولا يعلم إن كلنا قد لحقا بابنهما الذي يقضي وقته في جزر تاهيتا منذ حوالي عام، أم أنهما خرجا من زمانهما إلى زمن بعيد غير معلوم.

وأعلن حظر التجوال لمدة خسمة أيام كاملة ليل نهار حتى يمر الثامن والعشرون من يناير بسلام دون أية مظاهرات أو أعمال فوضى. ووعد بتقديم خطة عمل جديدة لبناء البلد، أم الدنيا، على أساس ديموقراطي لم تعرفه لاوند من سبعين عاماً، وفتح باب الترشح لحكم البلاد.

وفي نهاية الرواية، لا يصدق شباب الثورة كلام السر عسكر، وتصلهم رسالة من هديل تقول فيها أنها أعطت قدراتها لكل بنات لاوند وأنه لن يستطيع أحد اعتقالهن بعد اليوم. وهنا أطلق الشباب هاشتاج ثوريًا "خرافة_أم_حقيقة_انزل." وقالوا ضمنه: "انسوا ما قال السر عسكر.

ما اختفاء أبو العساكر إلا خطة لمرور الأيام وسيظهر يوم 30 يناير"، وغيره، من دعوات صريحة للناس إلى استمرارية الثورة من خلال النداء الشهير:"انزل".

مقالات اخري للكاتب

ملحمة إنقاذ "أبو سمبل"

تمر السنون وتتعدد الأحداث ويسقط من الذاكرة عدد كبير من المشروعات سواء أكانت عظيمة أو غير عظيمة، لكن يبقى مشروع إنقاذ آثار النوبة، خصوصًا معبدى أبو سمبل الكبير والصغير، من المشروعات الحضارية والثقافية الكبرى فى العالم أجمع فى القرن العشرين.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة