هل يحقق الصحفي المرموق منصب رئيس التحرير؟

4-2-2017 | 15:51

 

بعد انتهاء مرحلة نجيب محفوظ وطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وأمل دنقل وأميل حبيبي، وما تلاها من مرحلة غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا ويوسف القعيد متّعه الله بالسعادة، وغالب هلسا، وحنا مينا، ومحمود درويش، وسميح القاسم، ويوسف الشاروني، وغيرهم كثير، أستطيع أن ادعي أن أحمد فضل شبلول يعد من أبرز معالم مرحلة اليوم، التي تواصل التحدي والمقاومة في وجه أعتى الأعاصير الغربية التي تصفع وطننا العربي، ليس عسكريًا فحسب، بل زراعيًا وصناعيًا وتجاريًا، وإنسانيًا وثقافيًا..وعلى كل الأصعدة.

أحمد فضل شبلول الذي عمل في الصحافة، وكتب الكتب الكثيرة في القصيدة، والنقد، والقصة القصيرة، وها هو ذا يفاجئنا برواية نوعية بعنوان "رئيس التحرير" لم أقرأ لها رواية عربية مثيلة، في بساطة سردها، وأهميتها، ودراماتيكيتها الحافزة، التي تدفعك لموصلة قراءتها بلا توقف، لتنهيها في يوم واحد.

كان شبلول ذكيًا في هذا التناول ولا أقول لئيمًا، إذ أنني متأكد أنه سيصطاد بهذا العنوان كل محترفي مهنة الأدب، لشراء هذه الرواية وقراءتها بشغف، ليس حبًا بأحمد فقط، بقدر ما هو فضول لمعرفة كيف يمكن لكل منهم أن يكون "رئيس تحرير"، أو على الأقل ليعرف خبايا مكتب رئيس التحرير وسراديبه، ما له وما عليه، أو ليعرف المحرر كيف يتصرف مع "رئيس التحرير" الذي لا تستطيع مهما كنت (جدع)، أن تقول له (بم).

أو ليعرف كيف يتحاشى فصله وظيفيًا من قبل رئيس التحرير، كنا نقول ونحن طلبة جامعيون أن "الدكتور دكتاتور". ولكن ثبت أن الوظيفة المهنية بعد التخرج الجامعي، صارت تواجه "رئيس التحرير" الإمبراطور" حسب سرد "يوسف عبد العزيز" شخص الرواية.

أنت تلتقي شبلول، هذا الرجل الصامت البسيط المؤدب، الذي لا يشاغب على أحد، ولا يستغيب أحدًا، ولا يتعالى على أحد، فتعتقد أنه لا يلوي على شيء، ولكنك، "إذا وقعت الواقعة"، تذهل إذ تقرأ له كل هذه الأبعاد الثقافية، والتحدي الوطني الصلب في الدفاع عن وطنه، وعن أمته العربية، والشخصية العملاقة الكرامة..لست أمدح أحمد، بقدر ما أتفاخر بوجود كاتب غير مصفق لرئيس التحرير..وكما قال الشاعر العربي السوري محمد الماغوط:

تقولون: يد واحدة لا تصفق.
يد واحدة لا تصفق.
يد واحدة لا تصفق.
أما شبعتم تصفيقًا؟

كان "يوسف عبد العزيز" (شخص الرواية)، ولا أقول بطل الرواية، لأن (الأبطال) اختفوا منذ عهد هاني بعل وأخيل وخالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي.. يقدم وجهة نظره لرئيس التحرير بدون مواربة. بدون تصفيق. وكان يناقش في الاجتماعات الممنوع فيها مناقشة رئيس التحرير.الذي إذا أراد شيئا، يريد أن يقول له: "كن". ولكنه "لم يكن يكون" عند يوسف عبد العزيز كما يريده الرئيس.

كان يوسف يقدم نقداً أدبيًا مميزاً، وتقارير صحفية مدهشة، وقضايا فنية رائعة، يرفضها "رئيس التحرير" لمدى اختلافها عن عبارة التبعية؛ (ميلي ما مال الهوى.) وكان يرفض أن يقبض رشوة تعرض عليه، مهما كان مبلغها، مقابل نشر مقال أو مادة أدبية هزيلة، لشخص غير مبدع، ولكنه ثري، أو لأنه ذو جاه، أو مركز اجتماعي ، ويرغب بإشهار نفسه في سوق الأدب.

وفي الوقت الذي نجد فيه يوسف عبد العزيز قويا ومتينا في تحقيق الحق، ولا ينحني أمام العواصف والأعاصير التي تهب من داخل مجتمع الصحافة والأدب، فيقف مثل الطود مدافعا عن قضاياه الوطنية وعن عروبة نهج جمال عبد الناصر "مثلاً"، كنت تجده يذوب رقة وطراوة وانحناء أمام إلهتي الجمال، الخليجية "الجوهرة إبراهيم" والمصرية "منى فارس" ليستا بصفتهما الصحفية، بل لسحر أنوثتهما، وفعالية شخصتيهما في المواقع التي تتواجدان فيها، حيث إن العاشقة المعشوقة، المعطرة بسحر جمالها؛ "الجوهرة إبراهيم"، باسمها المُعبر عن جسدها الجميل، وموقعها الاجتماعي والمهني، الذي كان يتفوق على موقع رئيس التحرير، وقدرتها المالية، وكذلك، الصديقة الصحفية الإسكندرانية بنت الشاطبي، الفنانة "منى فارس" ، التي صارت نجمة شهيرة من نجوم السينما والتلفزيون، ولهذا كان شرف إهذا هذه الرواية على صفحتها الأولى لهما فقط..هكذا صدر الإهداء :

"إلى منى فارس، والجوهرة إبراهيم، وحل يبحث عن مشكلة"

على نهج (لويجي بيراندلو) في مسرحيته؛ "ست شخصيات تبحث عن مؤلف" هنا نقرأ؛ "حل يبحث عن مشكلة"...لا داعي للبحث عن مشكلة أيها الروائي أحمد، فالمشاكل في وطننا العربي (متلتلة) ولا تجد لها من حلول.

وموجز الرواية أن الأديب "يوسف عبد العزيز" يسافر بتعاقد صحفي إلى دولة خليجية، بتوصية من صديقته الصحفية الفنانة منى فارس، ودعم امرأة خليجية عاشقة ، اسمها الجوهرة إبراهيم، التي ترى فيه شابًا وسيمًا وصحفيًا ممتلئًا ثقافة وإبداعًا ورجولة، وجرأة على قول الحق..فيعمل كمحرر في مجلة خليجية مشهورة..مع حديث المتنفذة جوهرة التي تعرض عليه أن يكون هو رئيس التحرير البديل لهذا الموجود ، غير المثقف، والذي لا يعرف كيف يدير هذه المؤسسة الحكومية.. وخلال عمله يواجه يوسف عبد العزيز مشاكل الغيرة من زملائه المصريين، وقسوة من رئيس التحرير، رغم ضعف الرئيس؛ المعرفي والإداري، وبعكس زملائه الآخرين، نجده يرفض أن يقدم تقريرا تجسسياً، دورياً، يطلبه رئيس التحرير، عما يقوله الزملاء في السراء والضراء، ويضطر لمناقشة الرئيس في المؤتمرات الصحفية، رغم أن المناقشات ممنوعة هناك، وعليك كما يقول المثل عندنا؛ أن (تبصم ، وتأكل راحة).

ورغم أنه استطاع هناك أن يقدم أفضل التقارير الصحفية والأدبية، وأن يعشق أجمل جوهرة خليجية، وأن يتعامل بمحبة مع الخادم الهندي والخادمة الهندية، إلا أنه بقي الأبعد عن زملائه المصريين، ورئيس تحرير مجلته الخليجية، ورغم كل ذلك كان موعودًا ليكون هو رئيس التحرير البديل، وذلك بدعم الجوهرة إبراهيم التي عشقته، وقضت أجمل الأوقات والليالي معه، خاصة في البتراء الأردنية وعمان.. فهل يصبح يوسف عبد العزيز هو رئيس التحرير المرموق؟.

اقرأ ايضا:

[x]