الشاعر البحريني قاسم حداد: القطيعة مع التراث مرفوضة.. ودخلت عالم الشعر من بوابة السياسة

3-2-2017 | 22:34

الشاعر البحريني قاسم حداد

 

منة الله الأبيض

"إننا نقضي الحياة نتمرن على استخدام الكلمات".. لا يجد الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد، عبارة أبلغ من عبارة الفنان الهولاندي فان خوج، ليدلل على شعوره تجاه تجربته الشعرية الممتدة،والتي بدأها في الستينيات.

ويؤكد "حداد"، خلال اللقاء الفكري، بالقاعة الرئيسية، بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، مساء اليوم الجمعة، أنه شاعر لا يُجيد الحديث عن تجربته الذاتية، وكلما تعرض لهذا الموقف، يشعر بحرج كبير ويفشل.

وينطلق "حداد"، من القضايا الأساسية التي شكلت له أسئلة ملحة وشكّلت هاجسًا في السنوات النادرة التي حاول أن يكتب فيها بعض أشعاره، موضحا أن جيله دخل إلى الأدب والشعر خصوصًا من بوابة كبيرة، وهي بوابة السياسة في الستينيات، حيث النضال السياسي في الوطن العربي، واذا حصدنا العديد من تجارب شعراء ذلك الزمن، نكتشف أنهم انهمكوا مبكرًا في العمل السياسي والنضالي.

واعتبر "حداد"، أن فكرة النضال السياسي التي انطلق منها جيله في الكتابة، أحد أشكال التعبير عن هذا النضال، وقد كانت هذه الفكرة مشروعة ومفهومة في مرحلتها، لكن سرعان ما اكتشفنا الأهمية الجوهرية للتعبير الأدبي والتي ينبغي عند الكتابة، ألا نفرط في أحلامنا من جهة، ولكن أيضًا لا ننهمك ونقلب الهاجس السياسي، على الوعي للعملية الفنية من جهة أخرى.

ويظن "حداد"، أن معظم شعراء جيله انتبهوا مبكرًا لهذه الفكرة، وكذلك هو، أدرك مبكرًا أهمية التشبث بالشرط الإبداعي أكثر من الغفلة والذهاب إلى الهاجس السياسي، دون أن يعني ذلك أنني أدعو عن الانعزال عن الهم السياسي، فلا يستطيع الشاعر والكاتب والمثقف أن ينعزل عن حياته بشكل عام، باعتبارها محور تكوين المبدع.

وشعر "حداد" أن القضايا السامية التي انهمك في النضال نحوها في العمل السياسي المباشر لا تجعل نصه مؤهلا لأن يكون فنًا، ولا يشفع لأي نص أو فن أنه يتكلم عن قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية.

وحول الصراع بين الأجيال، والسجال الأدبي بينهم، يرى "حداد"، أنه في البحرين، وفي بداية السينيات، لم يصادف هذا السجال بمعناه الواضح والمعروف، وإنما تعرض جيله لبعض الانتقادات المقبولة، فالبعض رأى أن تجارب جيله تخرج عن المألوف، لأننا كنا نكتب في الأفق السياسي والثقافي العربي، ومعظمهم لم يكتب نصًا حاملًا ملامح خاصة بالبحرين، وأوصلنا كثير من مواهبنا الأدبية لانها كانت تحمل هاجس المعرفة والثقافة. كما اتصلنا بالتجارب الأدبية من المغرب والشام وفلسطين، حتى تمتعت تجاربنا بنوع من الرحابة وعدم التقوقع في العمل الأدبي.

ويعتقد "حداد"، أن بعض القضايا الأدبية العربية، كانت تجربة أبناء جيله، تتعرض لها، وتبث هموم تلك القضايا هذه الهموم، وكان جيله جزءًا من تيار شاسع يتداول مصطلحات تغلب عليها الطبيعة الأيدولوجية والحماس أحيانًا، من ضمنها مفهموم بسبب الانهماك في السياسة لجيله الكامل، وأبرز هذه المفاهيم؛ مفهوم الالتزام والواقعية الاشتراكية، وفكرة الأدب للجماهير.

موضحًا أن حماس جيلهم تجاه هذه الفكرة، كان عميقًا جدًا، وأحيانًا يتطرف، حتى وصل بهم الوهم، أن هذه الايدلوجي هي القانون الوحيد الذي يتوجب أن يقود فعاليتهم الأدبية، ولكن سرعان ما تحولت هذه القضايا إلى سجال عميق وجاد في الحركة الأدبية في البحرين، وكان السجال بالسجال الثقافي العربي، سجالًا مفهومًا في تلك الفترة، وساهم في توضيح مفاهيم كثيرة للأشخاص الذين يحاولون أن يحققوا معادلة عدم التفريط في الشرط الفني وكذلك مفاهيم الحرية والعدالة.

يضع "حداد"، مصطلحًا آخر، أو هاجسًا آخر كما يسميه، بجانب مصطلح الالتزام بالواقعية الاشتراكية، وهو مصطلح "القطيعة مع التراث"، ويُعد هذا المصطلح من أكثر المصطلحات التي فُهمت خطأ، مشيرًا إلى أن التراث من أهم مصادر المعرفة الفنية واللغوية في تراثنا، تصوّر البعض أن اتصالنا بالتراث، يناقض التحديث في اللغة والأشكال الأدبية.

ودعا الشاعر البحريني، إلى مراجعة مثل هذه المصطلحات خصوصا من الأجيال الجديدة حتى لا يخسروا مصادر المعرفة الفنية خصوصا في مجال اللغة والافكار وثقل المخيلة بالأدوات الفنية التي نتاجها، فتراثنا هو الجذر الذي نتكأ عليه.ولا نستطيع ان نحلق بدون اتصالنا بالجذور.

تطرق "حداد"، إلى مفهوم التوصيفات المختلفة للكتابة الشعرية الجديدة، بما فيها مصطلح قصيدة النثر، وهذا المصطلح بسبب تاريخه المربك في الثقافة العربية، جعلنا نبلغ في الانصراف عن العناصر الفنية والموسيقي التي هي أبعد من ما يكون عن بحور الأفعال والقوافي والوزن، في حد رأيه.

فالكتابة، كما يتصورها، لابد أن تمنح النص درجة من وعي الموسيقى، والموسيقى ليست هي الوزن، لأن أساس التفاعيل، الأوزان والبحور أساسها لغوي، وبالتالي الشاعر الجديد يأتي وهو متحرر من القيود، ويكون مسئول أكثر من جيل الرواد الذين خرجوا من الأوزان وشعر التفعيلة، عن إقناع القارئ أنه يكتب شعر، وهي مسئولية تتضاعف عند من يكتبون الشعر، وتستعدي وعيًا جماليًا نوعيًا، لذلك يعتقد أن الأجيال الجديدة عليها مسؤليات اكتشاف جماليات اللغة العربية. واللغة العربية غنية جدا بالموسيقى ومن الخسارة التفريط فيها من قبل الشعر العربي.

وختم "حداد"، خلال اللقاء الفكري الذي أداره الإعلامي محمود شرف، بأن الصحافة الأدبية يمكن أن تطلق أحكامًا ظالمة على الأعمال الأدبية، ليس لأنه مؤهل، ولكن لأنه لا يوجد بديل، وسط فراغ النقد، فمن يقرأ الجريدة باعتبارها حكمًا، وهذا الذي يؤدي إلي افتعالات مجانية.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة

مادة إعلانية