الحداثة وبداية تحولات الشعرية العربية في مصر

3-2-2017 | 01:04

 

تأتي الحداثة الشعرية تجاوزًا لكافة الأشكال وأدوات التعبير التقليدية، وهذا يستوجب تعبيرًا مماثلًا في وسائل الإدراك والتذوق والفهم، وعدم الأخذ بهذه المعادلة هو الذي تسبب في عدم التجاوب المباشر في تجربة الثورة الشعرية الحديثة، فالنقاد والقراء يدمنون عادة التلقي القائمة على الاستهلاك التقليدي، يبحثون في القصيدةعن معنى، ويترجمون الشعر إلى نثر كما علمتهم المناهج الدراسية، وكان طبيعيًا أن تحدث فجوة أوهوة عميقة بين الإبداع الجديد والتلقي المدرسي.

وكان لابد أن تدرك الثقافة العربية المتحررة من ربق الماضي وسلطته أن "كل ثورة على المحتوى هي كذلك ثورة على الشكل، وثورة في طريقة الفهم والنظر". إذا لم تعد تجربة الشعر الجديد في انطلاقتها الأولى معنية بقضايا خارج الواقع المعيش، فهبطت من علياء اللغة إلى بساطتها، ومن رونق البلاغة إلى فتنة السرد، وتحولت من الاهتمام بقضايا التجربة الذاتية إلى التجربة الإنسانية، بل إن "تجربة الشاعر الدائمة التي يعيشها في كل لحظة دون ارتباط مكاني أو زماني معين، ورؤية للعالم من منظور المبدع هي جوهر التجربة، وعناصرها تتسع لتستوعب مفرداته القريبة والبعيدة. إن المبدع يعيش تجربة مستمرة مفتوحة لاستقبال الواقع في جسدانيته، وروحانيته، في جملته وتفصيله".

استطاع عبد الصبور أن يعيد إنتاج الواقع عبر إفضاء لغوي له سمت خاص، ومواصفات خاصة، وأن يفتح للشعرية العربية بابًا آخر لم يستطع البناء التقليدي أن يستوعب حركة الشاعر الذي يلتقط ويراقب حركة الأشياء في حضور ما، واستطاعت الشعرية الجديدة أن تقول ما لم تقله من قبل، وأن تبوح برغبات الذات وممارستها دون ترجمة، حولت الشعرية الجديدة الكون إلى شعر أي خلق مايسمى بكوننة الشعر وتصبح الذات في هذا المشهد رائية ومرئية في آن:

ياصاحبي إني حزين
طلع الصباح.. فما ابتسمت ولم ينر وجهي الصباح
وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح
وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف
ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش
فشربت شايا في الطريق
ورتقت نعلي
ولعبت بالنرد الموزع بين كفي والصديق
قل ساعة أو ساعتين
قل عشرة أو عشرتين

وينشغل حجازي في ديوانه الأول "مدينة بلا قلب" بقضايا الانسان الجديد وبجماليات اللحظة الجديدة محاولا البحث عن واقع خاص، يكابد فيه أوهامه وأحلامه وصراعه ومشكلاته مع الحياة, يفتتح ديوانه بالثورة المماثلة للثورة الشعرية الجديدة : الثورة على مرحلة مهمة من مراحل حياته الذاتية، ويشهد تحولًا جماليًا وتحولًا اجتماعيًا على مستوى الذات التي تركت القرية إلى المدينة التي لا ترحم: مدينة بلا قلب.

- ياعم..
من أين الطريق؟
أين طريق السيدة؟
- أيمن قليلا، ثم أيسر يابني
قال ولم ينظر إلي

لم تحقق الشعرية العربية في مصر في عقد الخمسينات طفرة كبيرة أو خروجا جامحا في ثنايا الشعرية الجديدة وهذا راجع لضغوط رد الفعل التقليدي ورفضه وهجومه على الشعراء الجدد من ناحية , وفاعلية التراث وجاذبيته وسطوته من ناحية أخرى، كما أن التجربة لم تزل وليدة وأنصارها –في مصر- قلة تنحصر في جهود عبد الصبور وحجازي،وقد اقترنت إلى درجة كبيرة بحركة الأدب الواقعي.

انحازت تجربة صلاح عبد الصبور بعد تجاوزها الخطوة الأولى التي شكلتها تجربة (الناس في بلادي) إلى التيار القائد الثوري للحركة الحديثة في تجديد الشعر وهو التيار الذي"يرفض الحلول الجزئية التي تقدمها الرؤية الفكرية للواقع والفن، كما يرفض التجاوز والتخطي إلى مرحلة الرؤيا الشعرية الحديثة في الغرب، وإنما يختار "معاناة" حضارتنا في مختلف جوانبها السالبة والموجبة، فيتخذ موقف الرفض الصارم لكل ماهو سالب ويتبنى في صراحة مذهلة كل ماهو موجب . ويتحمل أعباء القيادة الثورية لجبهة الشعر الحديث".

لقد تحمل صلاح عبد الصبور مسؤولية الريادة في مصر وأعباء القيادة لثورة الشعر العربي الحديث وفتح لها حرية الحركة إلى آفاق أرحب، إنه الأب الشرعي للتجربة في عمقها، استوعب مراحل التطور الشعري، ونقل الشعر العربي من مراحل خطواته الأولى إلى التوازي مع حركة الشعر الحديث في العالم.

أما عبد المعطي حجازي فقد تبنى الرؤية الفكرية للفن والواقع وهذه الرؤية هي "أحد عناصر الرؤية الحديثة في الشعر، ولكنها بمفردها لاتشكل إلا انفصالا شبكيا في العين الشاعرة، فتصاب بفقدان البصر, أو البصيرة الشعرية، أو الرؤيا الحديثة في الشعر"(69). هذه النظرة التي تشكل رؤية حجازي تضخم الظاهرة وتعزلها عن غيرها من الظواهر، وتعمل على إيقافها عن الحركة والتطور، وتتحول مع مرور الوقت إلى عقيدة شمولية ثابتة(7.).

وأصحاب هذا التيار في جبهة الشعر الحديث هم من أطلق عليهم غالي شكري (السلفيون الجدد) وبالتأمل في أعمال حجازي تجعلنا نقر بهذا التوصيف المنهجي فكثير من قصائده تشكل صوته المنبري وتشير إلى كونه بوقا سياسيا محكوما بانتماءات سياسية وقومية وتراثية وأيديولوجية.

دخل في أروقة هذا الإتجاه الذي تكشفه أعمال حجازي كثير من شعراء المرحلة التالية,جيل الستينيات وإن اختلفوا من شاعر إلى آخر في قدراتهم الإبداعية/ الموهبة وثقافتهم وتجربتهم، من هؤلاء الشعراء: كامل أيوب، كمال عمار، محمد ابراهيم أبو سنة، فاروق شوشة، بدر توفيق، كمال نشأت، عبد المنعم عواد يوسف، أمل دنقل، محمد عفيفي مطر. وقد حاول بعضهم التخلص من رواسب الرومانسية العربية التي جسدتها أعمال جبران وخليل مطران وأفراد أبوللو، والبعض الآخر انحاز إلى التراث بوعي شديد بوصفه مذخورا فاعلا يحتاج إلى علاقة خاصة به وتصور جديد له، في ظل احتياجه رافدا معرفيا وجماليا مثلما فعل أمل دنقل.

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة