[x]

ثقافة وفنون

يوسف الشاروني بين التناغم والتمرد

27-1-2017 | 13:20

يوسف الشاروني

يعقوب الشاروني

كنت فى الرابعة الابتدائية، لا أزال أرتدى "البنطلون" القصير، عندما كان أخى الأكبر يوسف وأول أساتذتى فى السنة الأولى قسم الفلسفة وعلم النفس بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول ( القاهرة الآن).


وهكذا امتلأ البيت حولى، منذ بلغت العاشرة من عمرى ، بكتب الفلسفة للدكتور عثمان أمين ، وكتب علم النفس للدكتور يوسف مراد، والمسرحيات التى كانت قد صدرت فى ذلك الوقت ( 1941 - 1945 ) لتوفيق الحكيم ، الذى تعلمنا منه جميعًا فن الحوار وأسراره.


وأذكر كذلك عندما أحضر لى أخى يوسف روايات نجيب محفوظ الأولى ، أنه قال كأنما يتنبأ " إنه أعظم كاتب رواية باللغة العربية ، وقد يحصل يومًا على جائزة نوبل. " ولست أعرف هل يتذكر يوسف أنه قالى لى هذه العبارة، ولعله قالها ليثير حماسى لكاتب لم أكن قد قرأت له من قبل ، لكننى كنت أتذكرها دائمًا كلما انتهيت من قراءة إحدى روايات كاتبنا الكبير. وعندما حصل أستاذنا نجيب محفوظ على الجائزة عام 1988 ، تذكرت بقوة كلمات أخى يوسف الشارونى ، الذى أدرك بحسه الفنى المرهف أننا أمام روائى مصرى يستطيع أن يضارع أكبر أدباء العالم.


* كذلك امتلأ البيت بعدد كبير من أصدقاء أخى يوسف، مما أتاح لى الاستماع، فى تلك السن المبكرة، إلى كثير من المناقشات والآراء، وقراءة عدد كبير من المخطوطات لأعمال أدبية وفكرية وفى مجال الدراسات النفسية، مما آثار اهتمامى المبكر بقضايا وآراء متعددة ما كان يمكن أن يتعرف عليها من كانوا فى مثل سنى فى ذلك الوقت.


* وكانت ال ثقافة الموسيقية من بين الخبرات المبكرة التى أتاحها يوسف الشارونى لى ولأخوتى فى ذلك الزمن المبكر من حياتنا.
وقد لاحظ عدد كبير من النقاد، أنه توجد فى كثير من قصص الشارونى " ألحان متقابلة "، أو نغمة أساسية أو رئيسية ، تعقبها وتحيط بها تداعيات تنتقل بالقصة من الخاص إلى العام، أو من العالم الخارجى إلى العالم الداخلى، أو العكس ، ثم لا تلبث النغمة الرئيسية أن تعود أكثر قوة ووضوحًا، وهو ما اعتدت أن أسميه " تنويعات ومقابلات على اللحن الأساسى " .


والحقيقة أن ملاحظات هؤلاء النقاد حول المقارنة بين قصص يوسف الشارونى والأعمال الموسيقية صادقة جدًّا، وإن كانوا لا يعرفون أن مصدرها هو ثقافته الموسيقية المبكرة ، التى تذوقناها معه ، نحن أخوته ، انطلاقًا من غرفته فى بيتنا الذى نشأنا فيه معًا.


* وبهذه المناسبة أذكر أن والدنا ، عندما قرر الإقامة بالقاهرة، وترك الريف و" شارونة " بصعيد مصر ، استصحب معه بعض قيم الريف، ومنها الحرص على كثرة الأبناء ، فكنا تسعة ، يوسف ثالثهم وأنا سادسهم .


كذلك حرص والدنا على بناء بيت متسع وسط قطعة أرض كبيرة المساحة ، لعلها تبلغ " الفدان "، بها كرم عنب ونخيل وأشجار سنط ، وحديقة نزرعها ونلعب فيها، لأن الإنسان لا يشعر فى الريف بقيمته الحقيقية إلا إذا كان يملك مساحة من الأرض الزراعية. فلما جاء إلى المدينة ، كان البديل عن الأرض أن يمتلك بيتًا متسعًا، أتاح أن يستقل كل واحد من الأبناء بغرفة مخصصة له.


وفى غرفة يوسف ، شاهدت مكتبته تتكون خطوة بعد خطوة ، أو كتابًا بعد كتاب ، فكان أول شىء حاولت أن أتمثل به أن أنشئ لنفسى مكتبة ، بل حاول كل واحد من أخوتى أن تكون له مكتبته الخاصة فى غرفته منذ سنواته المبكرة ، إلى أن أصبحت المكتبة تملأ معظم غرف بيوتنا حاليًّا ، وكان هذا من أهم نتائج القدوة التى قدمها لنا الأخ الأكبر ، بعد الوالد الذى كان يمتلك أيضًا مكتبة خاصة ، ونراه دائمًا مشغولاً بالقراءة أو الكتابة .


* وعندما كان أخى يوسف طالبًا فى كلية الآداب ، كانت هناك جمعية اسمها " جمعية الجرامافون " لتنمية التذوق الموسيقى . كانت تجتمع فى بيوت الأعضاء بصفة دورية . والحقيقة أننى لم أكن قد استمعت إلى الموسيقى الكلاسيكية قبل أن أسمع من أخى عن تلك الجمعية ، عندما كان عمرى 11 أو 12 عامًا .


وذات يوم أعلن لنا أخى يوسف أنه جاء الدور على بيتنا ، وأن أعضاء الجمعية سيجتمعون فى غرفته للاستماع إلى الموسيقى المسجلة على اسطوانات . وأحضر أخى الاسطوانات وجهاز تشغيلها ( الجرامفون أو البيك آب )، واستمعنا إليها مرارًا قبل وبعد مجىء زملاء يوسف ( فى الجامعة ) ، ومن بينها السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، وشهر زاد لريمسكى كورساكوف . وقد حفظنا أنا وأخى صبحى ( الدكتور صبحى الشارونى الناقد التشكيلى حاليًا ) مقطوعات كثيرة مما سمعنا ، وأخذنا نرددها فى البيت ومع الأصدقاء.
وبدأ يوسف يكشف لنا أسرار القصائد السيمفونية ، وكيف أنها تدور حول لحن أساسى يتردد خلالها ، لكنه يفسح الطريق لغيره من النغمات ، ويكون التناسق أو التناغم أو الهارمونى ، هو الذى يحقق الوحدة والتماسك بين أجزاء العمل الموسيقى ويعطى له أثره الكلى .


هذه ال ثقافة الموسيقية انعكست بوضوح على البناء المتناسق الذى نجده فى عدد كبير من قصص يوسف الشارونى ، رغم اختلاف النغمات ما بين العالم النفسى للبطل والعالم الخارجى ، أو ما وصفه أستاذنا يحيى حقى بأنها قصص " ذات بعدين "، وهو ما جعل عددًا من النقاد ، كما ذكرت ، يشبهون قصص يوسف الشارونى بالأعمال الموسيقية ، وهم لا يعرفون أن يوسف الشارونى قد تأثر كثيرًا فى هذا بثقافته الموسيقية ، التى بدأت فى الجامعة ، ونقلها بوعى لمن حوله ، والتى طالما حدثت نفسى انها هى التى أوحت إليه بهذا الشكل الجديد الحديث لقصصه .


* واللافت للنظر أنه مع هذا التناغم الذى يقوم عليه عدد كبير من قصص يوسف الشارونى ، فان هذا هو الشكل الذى اختاره ليعبر من خلاله فى معظم قصصه عن " التمرد " .
إن شخصية يوسف الشارونى ، على الرغم مما يبدو عليه شخصيًّا من هدوء ، حافلة بالتمرد . لقد تمرد يوسف أصلاً على الشكل الواقعى للقصة ، كما تمرد على الشكل الرومانسى ، وبدأ كتاباته القصصية منذ البداية الأولى بالقصة الحداثية ، وبأكثر الأساليب معاصرة فى القصة القصيرة ، حتى أطلق بعضهم على كتاباته أنها " قصص تجريبية " .


- أما من ناحية الموضوع ، فان روح التمرد هذه تسفر عن نفسها بوضوح فى شخصيات وموضوعات قصصه ، خاصة فى مجموعته القصصية الأولى " العشاق الخمسة "، ويظهر التمرد هنا كنوع من الاحتجاج على ما يحيط الإنسان من ضغوط وأوضاع وتحديات . إن معظم شخصيات يوسف الشارونى يبدو فيها روح التمرد بوضوح . انها تتمرد على الواقع الذى نعيشه ، وتسعى إلى تغييره .


  • ولعل أوضح مثال على ذلك قصته " مصرع عباس الحلو ". إنها قصة إنسان يريد أن يتحرر من واقع يرفضه . إنسان يعيش حياة رتيبة خاملة، ليس لها هدف ، ثم يتحول نتيجة الحب والطموح إلى إنسان متمرد ، يرتكب الفعل الإيجابى عندما يحاول القضاء على من حاولت ، ومن حاولوا معها ، احباط مشروعه للتحرر ، عندئذ يشعر أنه حصل على قمة تحرره وساهم فى تحرر العالم كله .
    - ومن خلال هذا التناغم بين العالم النفسى الداخلى والعالم المرفوض الخارجى ، ومن خلال هذا التمرد والاحتجاج والرفض الذى تعبر عنه الشخصيات ، فى بناء فنى متكامل ، نجد أنفسنا أمام أعمال فنية توحى بمواقف إيجابية تعطى الأمل فى التغيير وتحث عليه . إنها احتجاج على الواقع ، قد يفقد فيه البطل الحب أو الحياة أو العقل ، لكن قصص يوسف الشارونى ، من خلال ذلك كله ، وبما يختار الكاتب من ألفاظ وعبارات وصياغة ، تؤكد دائمًا ، ومن خلال الفن ، أنه فى قدرة الإنسان أن يغير دائمًا هذا الواقع إلى الأفضل .

  • لقد وجدت دائمًا ، أنه بالرغم من البناء الفنى المحكم لمعظم قصص يوسف الشارونى ، فإنه يوجد خلف كل قصة شىء يريد أن يقوله . وأوضح هذه الأشياء ، أنه فى قدرة الإنسان أن يغير الأوضاع التى تقيده وتكبله والتى لا يرضى عنها .

  • - نؤكد هذا بمثال آخر ، من قصة " رسالة إلى امرأة " ، فى مجموعته القصصية الثانية . إننا نرى فيها بوضوح صورة أخرى من صور الدعوة إلى التمرد . إنها من أوائل القصص فى اللغة العربية التى عبرت عن حاجة المرأة إلى التمرد والتحرر ، وضرورة هذا التمرد .

  • إن قصة " رسالة إلى امرأة " ، من أوائل الأعمال الأدبية العربية التى توجهت مباشرة إلى المرأة ، لكى تغير من واقعها الذى تستسلم فيه إلى المصير الذى يفرضه الغير عليها .. مصير يرسمه أفراد الأسرة ولا تملك أمامه شيئًا . لقد استسلمت بطلة القصة ، لكن القصة نفسها تؤكد أن فى استطاعة المرأة أن تقاوم وأن تنتصر.

اقرأ ايضا:

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة