أبوتريكة تاجر "الأحزمة الناسفة"

19-1-2017 | 23:47

 

لا شيء يمكن وصفه بالعبث، ومن خلط الجد بالهزل، أكثر من اعتبار أبوتريكة - أيقونة السعادة الأبرز في ملاعب الكرة المصرية منذ عقود - مجرد كيان إرهابي.

 

محمد محمد محمد أبوتريكة لاعب كرة، صوب كثيرًا نحو حراس المرمى، وأبكانا أحيانًا من الفرحة، لكنه لم يحمل أبدًا بندقية، أو سلاحًا؛ ليصوب الرصاص تجاه أي مصري- مسلم أو مسيحي- ولم يبكينا أبدًا من اللوعة على فراق المغدورين من أبنائنا.

 

تلاعب الفتى -الذي اعتبرته الجماهير معشوقها "الساحر"- بالمدافعين في الساحات الخضراء، لكنه لم يتلاعب بالألفاظ، ولم يصدر منه أي تلميح، أو تصريح بتبنيه العنف، حتى في ملاعب "الماكرة المستديرة"، فقد كان مشهودًا له أنه يترفق دائمًا بخصومه، ولا يذكر أي منا أنه ضُبطٓ متلبسًا بالخشونة مع منافسيه، ولذلك كان أميرًا للاعبين وليس للجماعة.

 

مشكلة الرجل الذي أسعدنا كثيرًا أنه صامت مثل "أبوالهول"، يعيش في عزلة مثل "هرم سقارة"، ولا يتنفس وسط "شلة" من الإعلاميين؛ الذين يرقصون أمام الكاميرات كل ليلة، حتى يدافعوا عنه، ولا يسهر كل مساء مع جوقة من أذرع الأجهزة الأمنية السادية، والسيادية، وشبه السيادية، فيحموه مقابل استخدامه في تغييب الناس.

 

لا يدور "أمير القلوب" على برامج الـ"توك توك شو"؛ ليفرض نفسه بمناسبة وبدونها على بيوت الناس من خلال الشاشة الصغيرة، لكنه فرض نفسه مقيمًا في الأفئدة دون استئذان بمواقف لا يمكن المزايدة عليها، حفظتها له الجماهير دون أن يطلب منها تفويضًا بذلك.

 

يحمل أبوتريكة وجهًا مريحًا يتسم بملامح الطيبين؛ يفضح الذين وصموه بالإرهاب، وأثبتوا على أنفسهم تهمة الكذب والتدليس، وسجلوا أسماءهم في صحائف العار؛ خدمة لشياطين لا نعرفهم بالتحديد، وإن كنا نتتبع أثرهم، كما تدل البعرة على البعير، وربما مر وقت طويل قبل أن نعرف أولئك الذين ينخرون في عظام الدولة كالسوس، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

 

دخل أبوتريكة نادي المائة؛ المعروف بنادي العظماء، الموثق في سجلات الاتحاد الدولي، ولم يدخل مكتب إرشاد جماعة "الإخوان" في ضاحيتي المنيل، أو المقطم، دخل التاريخ من أوسع الأبواب، ولم يدخل الجغرافيا السياسية الملتهبة، التي لا تضم إلا الأبواب الضيقة، والأزقة المظلمة، والأودية السحيقة، وشفا الجرف الهار.

 

ذهب الموصوم بالإرهاب إلى قطر- مع آخرين من رفاق الملاعب- معلقًا ومحللًا لمباريات الكرة، وليس لاعتصام "رابعة"، وصعد على منصات التتويج بالكؤوس والدروع، وليس لمنصة "مسرح العدوية" خطيبًا في "حب مرسي".

 

عند أطراف أقدام أبوتريكة تاريخ لا يمكن محوه بقرار قاض، ولا برغبة لجنة في الاستعراض والتزلف، فقد رفع أبوتريكة على صدره عبارة "تعاطفًا مع غزة"، ولم يرفع أبدًا "إشارة رابعة"، ومع ذلك فقد تبجح نفر من "القوم الظالمين" واعتبروه ضمن "الكيانات الإرهابية".

 

رئيس الجابون دعا أبوتريكة لحضور المباراة النهائية في بطولة الأمم الإفريقية التي تستضيفها بلاده حاليًا، وسيكون "الأمير" ضيفًا في المقصورة، فهل تستطيع الحكومة السنية أن تتهم رئيس الجابون برعاية الإرهاب؟! واستقبال الإرهابيين من عينة أبوتريكة ؟! هل نستطيع أن نلاحق رئيس الجابون في المحافل الدولية بتهمة "احتضان وتقبيل" أبوتريكة ؟!

 

هل ستتم محاسبة نجوم الكرة الذين انبروا للدفاع عن "أمير القلوب"، بتهمة الدفاع عن "إرهابي"؟! هل سنجد النجوم أحمد حسن، وأحمد حسام "ميدو" ومحمد صلاح الذي نشر صورته مع أبوتريكة بعد أن أصبح "إرهابيًا"، وربما وجدنا الإعلامي وائل الإبراشي في أروقة المحاكم بالتهمة نفسها؟! وهل يمكن إصدار أحكام جماعية ضد رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين أمطروا "تريكة" بدفقات الحب والتأييد؟!

 

يا حمرة الخجل كم نفتقدك في مصر، التي تصدر فيها قرارات مهمتها الوحيدة - فقط - استثارة حواس ومواهب المصريين في السخرية والتندر!!

 

يجب ألا يضع أي جناح في النظام نفسه في مواجهة لاعب له في بحور المصريين "جزيرتان" هما الموهبة والأخلاق، وهما ليسا موضع خلاف أو نزاع، ولن تنظرهما محكمة أو تحكيم، بل هما ثابتتان في الأفئدة، كما الأوردة والشرايين.

 

المأساة أن نضطر أن نواجه أبناءنا بحيلة الكذب، بدلًا من فضيلة الصدق، فحين سألني طفلي "هما ليه بيقولوا على أبوتريكة إرهابي؟!" لم أستطع أن أشرح له شيئَا، وفضلت الهروب، والاستعانة بالـ"ريموت"؛ لأبتعد به عن حلقة "العاشرة مساء"، التي كانت تناقش الموضوع، وأن أدعي أنه حصل لبس، وسوء فهم، ولجأت لـ"الغلوشة".

 

لم أستطع أن أشرح لأني أنا نفسي لم أستطع أن أفهم، ولم أستطع أن أفسر لطفل - لم يتجاوز العاشرة - كان كلما لمس الكرة يصيح في صخب: "إوعوا أنا أبوتريكة "، لماذا أصبح مثله الأعلى فجأة إرهابيَا يُقذف بأصابع الاتهام بدلا من أكاليل الغار؟!

 

اقتلوا أبوتريكة ، وألقوه في غيابات إرهابكم، لكن لن يخلو لكم وجه الشعب؛ لأننا لن نكون مثل إخوة يوسف، ولن نترككم تلقوه للسيارة، سندافع عن الرجل الذي أسعدنا ضد إرهابكم العميق، سندافع عن أحد أفراحنا القديمة، وربما الأخيرة.

 

لن يستطيع أحد أن يقول "ماحدش يتكلم في الموضوع ده تاني" سنتكلم- نحن العصاة- وسنشهد على أبوتريكة بما عرفنا، وليس بما أُمِر به أحمد- لا مؤاخذة- موسى.

 

إذا لم يعد أبوتريكة من قطر- حيث يعلق على بطولة الأمم الإفريقية- وإذا فضل أن يعيش في تركيا، فلن يستطيع أحد أن يلومه، لكنه يقينًا سيعود؛ لأن "رأسه بلا بطحة" سيرجع الفتى الذهبي؛ لتكون عودته بصقة في وجوهكم؛ وليمنحنا بابتسامته الصافية "أحزمة ناسفة" للوجوه العكرة.. يقدمها هدية لمحبيه كتاجر للسعادة، وليس ككيان إرهابي.

مقالات اخري للكاتب

"الممولون والأمنجية"

لم أكن أريد أن أدلي بقلمي في السجال الدائر على خلفية انتخابات نقابة الصحفيين، لكن لغة الحوار التي ليست من "اللغات السامية" لم تترك لي فرصة لحياد مزعوم، أو حتى لالتقاط الأنفاس من معركة طويلة ومنهكة.

لماذا يجب أن تبقى الحكومة؟

توقفت طويلا أمام عدة مقالات من صحفيين محسوبين على الحكومة -أو يدعون ذلك-، وإشارات لإعلاميين يبحثون عن أدوار خارج الأستديوهات، يصب معظمها في اتجاه "إغراق الحكومة"، على خلفية "تعويم الجنيه".

رسائل سائق تاكسي من نجع سعودي

أشرت له فتوقف مبتسمًا وركبت معه، مساء الجمعة ١١ نوفمبر، وتبادلنا كلمات ثم سطور إلى أن غادرت سيارته، بعد أن اختنق صوته وهو ينظر خارج النافذة، محدقًا في صفحة النيل -متنهدًا- على شاطىء غير بعيد من وسط مدينة سوهاج.

ببغاء يقف على المنبر

وقف الإمام على المنبر ممسكًا ورقة بيضاء من غير سوء، ليلقي إلينا بآية جديدة من آيات التخلف في بلادنا، دون سحر أو شعوذة، لكنها آية تتشح بالدين، وتلتحف بمحاربة التطرف، وتدعي تحصنها بالمصلحة العامة، وتأتي إلينا بخبر غير يقين.

وطن للراقصين فقط

إذا كان الرئيس لا يعلم باقتحام النقابة قبل وقوعه، فعليه أن يطيح فورًا بوزير الداخلية، وبمن فعل ذلك؛ تبرئة للنظام كله، ليبقى سؤال مهم: متى يعرف الرئيس أن في أجهزة الدولة من يعمل ضدها، جهلًا أو غرورًا أو تآمرًا؟

أنا وزيركم الأعلى

لم تكن الطريقة التي أقيل بها وزير العدل السابق، مألوفة في تاريخ الحكومات المصرية، التي كانت تفضل عبر تاريخها، تسريح وزرائها بإحسان، إذا استعصى عليها إمساكهم بمعروف، حفظًا لعهود ليست أبدية، واحترامًا لعرىً يجب إظهار أنها وثيقة.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]