الإنفلونزا القاتلة قبل 99 عامًا

19-1-2017 | 14:36

طباعة

حين تجد أن الإصابة بدور الإنفلونزا خلال الشتاء أمر معتاد، فما إن يدخل بيتا حتى يأخذ كل من فيه "كعب داير" يأخذ دورته الثلاثية، ثم يغادرك إلى باقي أفراد الأسرة، من دون خوف أو قلق..

لكن هل تتخيل أن هذا الفيروس كان يومًا ما كابوسًا يحصد أرواح الملايين..

ففي أواخر عام 1918 واجهت البشرية كارثة صحية كانت بمثابة "هولوكوست ميكروبيولوجى مدمر"، أودت بحياة أكثر من 70 مليون إنسان، أغلبهم في أوروبا وأمريكا..

تخيل كان القاتل السفاح أحد فصائل مجموعة فيروسات الإنفلونزا الشهيرة، والذي أصاب في فترة وجيزة أكثر من 150 مليون إنسان؛ مات نصفهم بصورة بشعة خلال أيام بالفشل التنفسي الرئوي الحاد والحمى.

هذا الفيروس شديد الخطورة والوحشية، بدأ ضربته في تجمعات معسكرات الحرب الأمريكية في الحرب العالمية الأولى، وتجاوز ضحاياه قتلى المعارك! ويحمل اسم "الإنفلونزا الإسبانية"؛ لأنها الدولة الوحيدة التي أعلنت بداية تفشي المرض بها، بينما أخفت دول أخرى إعلان ظهوره؛ لأسباب إستراتيجية عسكرية؛ لأن الحرب لم تكن قد وضعت أوزارها بعد.

أول حالات الوباء كان في 7 سبتمبر 1918 في أحد معسكرات التجنيد خارج مدينة بوسطن الأمريكية، لإعداد الشباب لخوض المعارك الدائرة في أوروبا ـ حيث أعتادوا تصدير حروبهم إلى الخارج ـ حين عانى أحد المجندين من حمى شديدة وأعراض غيبوبة، شُخصت الحالة على أنها التهاب فيروسى بالمخ، وكان شائعا آنذاك، لكن فوجئ الأطباء في اليوم التالي بتحويل 12 جنديًا جميعهم يعانون من نفس الأعراض.

وقبل انتصاف الشهر تضاعفت المأساة، مع اجتياح الوباء المدنيين في أماكن متفرقة في أمريكا الشمالية.

وعندما أعلنت أسبانيا عن تفشي وباء الإنفلونزا بها كان ذلك في حقيقة الأمر بعد أسابيع من ظهور الحالات الأمريكية، وانتشر ليصيب معظم بلدان أوروبا، وكان أغلبها في الموجة الثانية للوباء التي حدثت في خريف عام 1918 إلى بداية عام 1919.

لكن المثير للاهتمام أن الوباء أودى آنذاك بحياة كل سكان بلدة في القطب الشمالي، هي " بريفج ميشان"، حين أرسل رهبان أحد الأديرة إشارة استغاثة للقوات الأمريكية القريبة لدفن جميع سكان هذه القرية المنكوبة في مقبرة جماعية في الأرض الثلجية، حيث إن تربة هذه القرية يكسوها الثلج الدائم.

وتمضى السنون، ففي صيف 1951 بعد أكثر من ثلاثة عقود، زارت آلاسكا بعثة علمية من جامعة أيوا الأمريكية، أحد أعضائها كان شابًا صغيرًا سويدي الأصل يدعى"جوهان هالتن" التحق في عام 1949 بالجامعة ليدرس علوم الميكروبيولوجي؛ وتشاء المصادفة أن تزور البعثة هذه المقبرة الثلجية، وتأثر الباحث الشاب برواية أهل القرية عن مأساة الماضي، وقرر مواصلة دراسته في محاولة لكشف كيفية قيام هذا الفيروس بقتل أكثر من 70 مليون إنسان في أربعة أشهر.

بعد سنوات عدة، وتحديدًا في عام 1991، وضع فريق علمى بقسم الفيروسات بجامعة واشنطن بروتوكولًا علميًا لمحاولة البحث عن فيروس الإنفلونزا الإسبانية الذي سبب المأساة البشرية قبل 99 عامًا، وإعادته للحياة ليخضع للتقنيات الحديثة التي لم تكن موجودة في الماضي لمعرفة أسرار شراسته.

ترأس الفريق جيفري توبنبرجر أستاذ علم الميكروبات بجامعة واشنطون، وقال حينها "لقد وضعنا خطة بحثية علمية دقيقة لدراسة خصائص فيروس 1918 القاتل، ولكن أين نجده بعد ثمانية عقود من الزمان؟؟..

لقد قضينا سنوات عدة من البحث والتقصي حتى حصلنا على عينات محفوظة في الفورمالين من المعامل العسكرية الأمريكية، تم أخذها من جثث بعض الجنود، واستطعنا بعد مجهود ضخم الحصول على الفيروس في بعض منها، لكنه كان محطمًا لتأثير الفورمالين عليه، وأصبنا بخيبة أمل كبيرة؛ حتى كانت المفاجأة الكبرى؛ وهى الحصول على الفيروسات كاملة من عينات عن طريق العالم جوهان هالتن".

كيف حدث ذلك؟
تذكر هالتن زيارته لبلدة ميشان قبل40 عامًا، وظن أن حفظ جثث الموتى في الثلج الدائم ربما تُبقي على الفيروسات طوال هذه السنين، فعاد بمفرده هذه المرة إلى آلاسكا وعمره 71 عامًا.. وسُمح له بفتح المقبرة، واختار جثة كاملة لسيدة بدينة للحصول على أجزاء من الرئة ربما يكون الفيروس مازال كامنًا فيها، فربما حافظت دهون الجسم مع البرودة المستمرة على أنسجة الرئة، وعاد بالعينات إلى زملائه.

وفى عام 1997، ولأول مرة في تاريخ البشرية وبطريقة غير مسبوقة يتم عزل ميكروب، ويُعاد إلى المعامل الحديثة بعد ما يقارب من 80 عامًا، ليتم فصل فيروس إنفلونزا 1918؛ للتعرف على أسراره التي حملها، وكيفية تدميره القاتل لأنسجة الرئة في فترة وجيزة..

وأخيرًا يبقى التساؤل.. هل سلالة فيروسات الإنفلونزا - ومن بينها إنفلونزا الخنازير والطيور وغيرها من الفيروسات الشرسة - قد تسربت إلى العالم بفعل فاعل؟ أم ما حدث هو التطور الطبيعي لفيروسات الإنفلونزا؟ أم هي طفرة الإنفلونزا التي كانت تترقبها الصحة العالمية كل عقدين أو ثلاثة، وربما تسعة عقود من الزمن؟..

تساؤلات سنجد الإجابة عنها حتما ولو بعد حين، وأصابع الاتهام ستظل تلاحق معامل الأبحاث الغربية، فلا يمكن تبرئة ساحتها من المسئولية عن تسريب فيروسات فتاكة، ويكفيها دليلًا أنها أحيت فيروسًا من العدم، وأعادته للحياة بعد عقود طويلة من الخمول.

طباعة

مقالات اخري للكاتب

عفوًا.. إنه زمن الصُحف الإلكترونية!

تواجه الصحف المطبوعة اليوم صراع البقاء على قيد الحياة، في مواجهة الصحافة الإلكترونية، فقد توقع فيليب ميير، في كتابه "نهاية الصحيفة" "أن يشهد عام 2043 نهاية آخر صحيفة ورقية في أمريكا، عندما يقذف بها أحد القراء جانبًا بعد أن تكون قد أنهكته قراؤتها".

"ظروفك صعبة.. أوعى تبيع حتة من جسمك"

واقعة القبض على عصابة بيع الأعضاء التي حدثت قبل أيام، لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، وأخشى أن تكون ردود الفعل التي صاحبت الجريمة مجرد هوجة لا تلبث أن تهدأ، ثم نستيقظ من جديد على وقع كارثة أخرى.

حكايات من دفتر الآلام

الحديث عن واقعة ضبط عصابة المتاجرة بأعضاء المصريين قبل أسبوع نكأ الجراح التي يكابدها المرضى وعائلاتهم في مصر، واستدعى من ذاكرتي قصصًا وحكايات مأساوية لشطر من معاناتهم في وقت كان اليأس يحاصرهم أينما كانوا، حتى بدا لهم باب للأمل ليبعث لهم فرصة استئناف ما بقي من حياة، ولو كان ذلك بمثبطات المناعة..

صحافة المواطن

من المؤكد أن مارك جوكربيرج حين راودته فكرة إنشاء موقع للتواصل بين طلاب جامعة هارفارد لتبادل الأخبار والصور والآراء، لم يكن يتخيل أن موقع "فيس بوك" حين أطلقه بعد ذلك بعامين وتحديدًا فى 2004، صار أهم وسائل التواصل الاجتماعى بين أكثر من ملياري شخص حاليًا، متجاوزين أي عوائق أو حدود للزمان والمكان.

فضائيات تسويق الوهم

ذات ليلة لم تفلح فيها محاولات الفرار من الأرق، كان "ريموت" الفضائيات خيارًا لاستدعاء النوم، لكنه زادني أرقًا على أرق، حين دفعني للتقلب بين عشرات، من المسميات الفضائية لقنوات تحمل أسماء وكأنها "مقاه في حارات شعبية"..

قراءة فى إنجازات الطب عام 2016

برغم كل الآثام السياسية والاقتصادية التي لم تكد تخلو دولة منها في كل العالم، في خلال عام 2016، إلا أنه وحده الإنجاز العلمي الذي يضيف نقطة بيضاء في ظل السواد الحالك الذي يوصم به أي عام رحل، فيودعه كل البشر بوجه غير الذي استقبلوه به..

الأكثر قراءة