فاقد الشيء لا يعطيه.. فى وصف دونية إعلاميي الفتات

17-1-2017 | 12:53

 

يصف ألفر أدلر، وهو طبيب نمساوي، أسلوب مواجهة النقص بأسلوب الحياة، ويرى أن كُل إنسان يولد ويملك شعورًا بالنقص، بحسب وصفه، والذي يبدأ في طفولته ليستطيع استيعاب وجود الناس حوله، مما يُمكنه أن يعطي القوة له لإبراز قدراته وتطويرها.

في الحالة المُقابلة أيضًا يُمكن أن يُصاب الفرد أيضًا بعقدة الدونية التي ترسم كيانه من خلال إحدى أساليب العجز، سواءً كان عضويًا أو نفسيًا أو حتى اجتماعيًا، بحيث تؤثر على سلوكه وتركيبة فكره وجسده الفيزيولوجية، مما يدفعه أحيانًا إلى إبراز ما حققه أو ما يعتقد بأنهُ مُحق مِن وجهة نظره الضيقة ليصل بنفسه إلى حالة التجاوز التعويضي وتحقيق كينونته أو إلى التعصب عن وجوده فقد وصولًا به إلى حالة جنون العظمة التي تكون وبالًا عليه.

لا يجد القارئ السوري أو الكُردي بصورةٍ أدق غرابة حين يقرأ الأحرف المُترابطة أعلاه؛ لأنها بدأت تُصبح حالةً متلازمة مع حياته، وباتَ يجدُها مُمارسةً في أبسط أمور حياته اليومية ويتماهىّ معها مِنذ سنوات سِت مرت مِن عمر الثورة السورية.

فقبل بداية الثورة كان الإعلام حكرًا على مؤسسات وأفراد يتبعون بشكلٍ مباشر إلى حزب البعث الذي كان حاكم وسيد سوريا الأول وله كلمة الفصل في العمل المؤسساتي، سواءً كان في النطاق الإعلامي أو المؤسسات الأخرى، بوصف آخر: كان العمل الإعلامي في سوريا مُرتبطًا فقط في وصف السلطنة، والعمل على البروباجندا الترويجية للعمل الحزبي فقط، وإن كان غير ذلك فإما سيكون متواجدًا خلف القُضبان أو مُغادرًا عبر الطُرق غير الشرعية لخارج القُطر.

بعد أذار من عام 2011 ظهرت حالة جديدة مِن العمل الإعلامي في سوريا وبخاصة رغبة المؤسسات الإعلامية الكُردية و العربية والعالمية في الحصول على مشاهد مِن الحراك السلمي في سوريا، خرجت مجموعة صحفيين أو بالمعنى الأصح " مواطنين صحفيين"، حاولوا إيجاد صورة مُطابقة للإعلام البديل بجوهره ومزاياه المُتعددة؛ فالإعلام البديل يعد نافذة حقيقية تُمثل توجهات الغالبية العُظمى من الأفراد المُهمشين في سوريا بحيث يكون بديلًا في التعبير عن تطلعات وتوجهات الفرد نحو الحُرية، وهو في الحالة الطبيعية إيجاد وسائل اتصال بديلة عن حالة الكَبت الإعلامي الذي كان مفروضًا على الحالة العامة في سوريا؛ فالإعلام البديل تظهر أهميته في بلدان تخيم عليها رقابة شديدة، ومن هنا نؤكد أهمية هذا الإعلام البديل الذي يحاول أن يجد مساحة تحت الضوء لإخراج الأخبار دون مقص الرقيب، هكذا وصفها جمال عيد.

ويقول خوان كول: الإعلام البديل هو شيء لا يمكنه أن يكون الأصل الرئيس للأخبار أو للمعلومات؛ لأنه في أكثر الأحيان موقع شخصي، بحسب الآراء المُدرجة والأبحاث التي كُتبت عن الإعلام البديل فإنه غالبًا لا يكون مصدرًا موثوقاً للأخبار أو المعلومات، وإنما يكون بديلًا حتى إيجاد الحالة الصحية للإعلام، والعاملين في هذا النطاق ليس بالضرورة أن يكون صحفيًا مُحترفًا أو حاملًا لشهادةٍ أكاديمية ويمكن غالبًا أن يكون مؤقتًا في عمله.

كان لظهور الإعلام البديل حالةً إيجابية نوعًا ما في إيصال رسائل من هم في الداخل السوري إلى الخارج، ونقل مُعاناتهم بصورةٍ واضحة. ولكنها تبلورت أيضًا بعديد السلبيات، بخاصةً مِن العاملين في هذا المجال، الذين تحولوا إلى آلةٍ تُمارسُ الغوغائية بأبهى صورِها، وتعتقد أنها باتت اليد الفاصلة في إقرار إمكانية الفرد في عدمِها، وفرض رأيه على مُتابعِه واعتبار نفسه مِن الطبقة النخبوية التي يكون بإمكانها تسليط الضوء على مُعاناة الأفراد العاديين، حتى وصلت بِه إلى مرحلة مُشابهة لجنون العظمة؛ حيث بات الصحفي "المواطن الصحفي" يُبالغ في وصف نفسه بما يخالف الواقع، فيدعي امتلاك القدرة والإمكانية وذهنية استثنائية عن الأفراد العاديين، ويصف نفسه كصاحب لقدرات جبارة ومواهب إعلامية مُميزة، ويقوم بذلك بإقصاء كُل من يخالفه الرأي، وهي بالحقيقة التي يُمكن أن تُرى بالعين المُجردة هي وصف دقيق لحالة مرض جنون العظمة، التي هي جزءٌ لا يتجزأ مِن مرض يُصيب العقل البشري.

تدخل هذه التوصيفات الأخيرة في سلبيات العمل الإعلامي، والتي يُمكن أن تتجزأ لنواحي مُتعددة، وتكون هي ذاتها مِن سلبيات مُمارسة أشخاص هُم لا يملكون القُدرة على العمل الإعلامي، فتجد الصحفي "المواطن الصحفي" يعمل على منتجة مواد غير مُناسبة للمهنية الصحفية والمواثيق التي بُنيت عليها الصحافة، فغالب المواد الإنتاجية للقنوات التليفزيونية أو المواقع الإلكترونية تكون غير مُناسبة للأطفال، وهو ما يُمكن أن يكون تعديًا على المهنية ويصعب غالبًا على الأهل مُراقبة الأطفال في هذه الحالات ويُمكن أن تؤدي به إلى مشاكل نفسية، إضافة إلى التعامل الخطأ من قبل المواطن الصحفي مع مواقع التواصل الاجتماعي، محولًا صفحاته الشخصية إلى منبر إعلامي، وغالبًا ما تكون ذات أخبار غير دقيقة وقليلة التفاصيل، بذلك تكون الصفحة مصدرًا في نشر الرعب والخوف بين المتابعين له؛ فبعد ظهور وسائل الاتصال الحديث يُمكن للمرء أن يصل إلى المعلومة بسهولة وفي أيّة منطقة كانت، وعبر وسائل وطرق مُختلفة.

تكمن الحلول الجُزئية في التعاطي مع المواطن الصحفي الذي يكون غائبًا عن أدنى شروط ممارسة الصحافة في أن الإنسان يجدر به أن يكون جاهزًا على الدوام للتعاطي مع وسائل الإعلام، وأثناء متابعة المواطنين الصحفيين، وعلى الصحفي المواطن أن يُدرك طبيعة عمل المؤسسات الإعلامية وهيكليتها، وأن يكون أكثر استعدادًا للتعامل مع وسائل الإعلام المُختلفة، والتعامُل معها بثقةٍ أكبر بحيث تكون مُتمتعة بالمصداقية والمهنية، أيضًا تكون بعيدة عن الحالة الغوغائية والابتعاد عن التعامل مع المتابعين بالفوقية، وعدم اعتبار الآخر المُختلف عدوًا وحرفًا ناقصًا أثناء التعامل معه.

إذن، اليوم في ظهور وسائل الأعلام المختلفة والثورة المعلوماتية، لا يمكن للفرد إبعاد نفسه وفصلها عن وسائل الإعلام؛ لأنها باتت تشكل جزءًا مهمًا من حياته، وعليه: يجب أن تكون مُمارسة الصحفي متمثلة في الوقت الراهن بجملة من الأعمال والممارسات، مثل استيضاح أمرٍ مُعيّن، أو التقصّي عن أخبار أو إشاعات وفضائح مُرتبطة بمُنظمات مُعيّنة أو حتى بالمؤسسات التابعة للسلطة الحاكمة. وتكمن اهميتها في خلق بيئة صحية وتكون ذات حالة كمالية بين الفرد والصحفي والمؤسسة الإعلامية، وتكون بذلك مؤثرة على الرأي العام وتعزيز العلاقة بين الجمهور والمؤسسة الإعلامية، وإظهار الصحفي بالصورة المُثلى.

(لوران ليلي- كاتب صحفي كردي)

اقرأ ايضا: