يعقوب الشاروني أديب الأطفال لـ"بوابة الأهرام": تركتُ "القضاء" من أجل "أحباب الله" (1-3)

4-1-2017 | 09:26

يعقوب الشاروني

 

حوار - خالد عبد المحسن

يعقوب الشاروني ، موسوعة عالم الأطفال وأدب الناشئة، والخبير العالمي بكل ما يتعلق بالطفل، ملاح ومرشد الآباء والمربين إلى العالم الخفي الذي يصعب الدخول إليه. صنع لنفسه عالمًا ومملكة من الفكر والعلم وال ثقافة عملًا ونشرًا محليًا وعالميًا، فكان التكريم المحلي والعالمي بجوائز وشهادات تشد من أزره وتربت على كتفه وتقوي عزيمته لإكمال الطريق وتؤكد له أنه على الدرب الصحيح.

كان لـ" بوابة الأهرام " هذا الحوار مع أحد رواد أدب الأطفال في مصر والعالم العربي..

في الجزء الأول من الحوار، يقول يعقوب الشاروني عن البدايات: فى بداية الستينيات رأيت ضرورة الحصول على منحة تفرغ للكتابة الأدبية، واستطعت أن أستصدر فعًلا قرارًا من وزير ال ثقافة بتخصيص منحة تفرغ لمدة سنة للكتابة المسرحية.
وكان الكاتب الكبير توفيق الحكيم قد رشحنى للحصول على هذه المنحة ، وكتب قائلاً "أزكى هذا الطلب بكل قوة ، لما أعرفه عن السيد يعقوب الشارونى من موهبة تجلت فى مسرحيته "أبطال بلدنا"، التى ظفرت بالجائزة الأولى فى مسابقة المجلس الأعلى للفنون والأدب".

لكن وزارة العدل رفضت بشدة أن يحصـل أحــد أعضاء الهيئـة القضائيـة علـى تفرغ للعمل الأدبى.  وانتقلت من العمل أمام المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة بالقاهرة ، إلى العمل أمام محكمة الاستئناف العالى بالمنصورة.

ويضيف الشاروني عن الانتقال من العمل القضائى إلى العمل فى ال ثقافة الجماهيرية: فى عــام 1967 ، أعلــن الدكتــور " ثروت عكاشة " وزيــر الثقافــة عندئذٍ ، أنه فى حاجة إلى عدد من الشباب الموهوبين فى الأدب والفن ، ليقودوا العمل الثقافى خارج القاهرة ، كمشرفين على قصور وبيوت ال ثقافة المنتشرة فى محافظات مصر .
وكانت تلك هى بداية "ال ثقافة الجماهيرية" التى أصبحت الآن "الهيئة العامة لقصور ال ثقافة " ، والتى حلت محل ما كان يُسمَّى قبل عام 1967 " بالجامعة الشعبية ".
وعندما طلب وزير ال ثقافة من وزير العدل انتدابي للعمل فى وزارة ال ثقافة ، لم توافق وزارة العدل إلا على الانتداب لمدة ثلاثة أشهر .
وبعد كل ثلاثة أشهر، تبدأ معركة الموافقة على مد الانتداب ، إلى أن انتهى الأمر بي إلى أن أطلب عام 1968 نقلي نهائيًّا إلى وزارة ال ثقافة ، فى ضوء نجاح تجربة عمله الثقافى فى بنى سويف ، وعندئذ وعده وزير ال ثقافة بإرساله فى بعثة إلى فرنسا لمدة عام ، لمعايشة الحياة الأدبية والثقافية هناك.

ويتذكر رائد أدب الأطفال كيف انتقل من الكتابة للمسرح إلى الكتابة للأطفال.. وأن الأطفال هم الذين اختاروه ليكتب لهم: عندما وافقت على العمل مديرًا عامًا للثقافــة فى بنى سويف ، وتسلمت عملي هناك مشرفًا على قصر ال ثقافة خلال شهر فبراير عام 1967، كنت أفكر أساسًا فى العمل الثقافى مع الكبار ، امتدادًا لاهتمامي بالمسرح والرواية والقصة وتذوق الفن التشكيلى .
لكن خلال عملي لمدة عامين مشرفًا على قصر ثقافة بنى سويف ، اكتشفت عدة حقائق مهامة عن مجتمع المهتمين بال ثقافة ، وعن قدراته الخاصة.

لقد اكتشفت ظاهرة كنت أسميها " ظاهرة الكثبان المتحركة " ، كتعبير عن الخط البيانى لاهتمام الكبار بالعمل الثقافى ومتابعته .
وكنت أقوم بجهود كبيرة لإقامة نادٍ للسينما يوم الأربعاء من كل أسبوع ، ونادٍ للأدب يوم الثلاثاء ، مع احتضان فرق الموسيقى والمسرح المحلية ، وإقامة معارض الفنون التشكيلية على نحو دائم.
وأخصص ستة أيام فى الأسبوع للعمل ليلا ونهارًا لكى يعايش الكبار مختلف ألوان ال ثقافة ، لكني كنت أجدهم يومًا ولا أجدهم أيامًا أخرى ، لهذا أطلقت عليهم اسم " الكثبان المتحركة " ، التى تتكون بفعل الرياح فى مكان ما من الصحراء ، ثم لا تلبث أن تنقلها الرياح إلى مكان آخر بغير أن تترك أثرًا يدل عليها.

وفى نفس الوقت فإنني، استمرارًا لاهتمامي ب ثقافة الطفل، الذى بدأته منذ وُلد أول أبنائي عام 1959 ، فقد أخذت على عاتقي أن أقدم بنفسي، صباح كل يوم جمعة ، حفلاً للأطفال ، فى قاعة مسرح وسينما قصر ثقافة بنى سويف.

لقد بدأ هذا الحفل بعدد لم يتجاوز (100) طفل، وعندما تركت بنى سويف بعد حوالى العامين، كان عدد الأطفال الذين يحرصون على الحضور لا يقلون عن ألف طفل وطفلة ، تضمهم قاعة المسرح والسينما المتسعة.
وكانت ساعات هذه الحفلات الأسبوعية، تتضمن فى معظمها مشاركة حقيقية وفعالة من الأطفال فى أنشطة مختلفة ، بالإضافة إلى ما كان أقصه فيها من قصص ، أحكيها بمصاحبة عروض شرائح الفانوس السحرى ( البروجكتور ) ، التى كنت أحرص أثناء إلقائها على أن يتم ذلك عن طريق الحوار بينه وبين الأطفال الحاضرين والاستماع إلى تعليقاتهم ومشاركتهم.

ويقول الشاروني : "عندما كنت أسير فى شوارع مدينة بنى سويف ، كثيرًا ما كنت أُقابل أطفالاً يتركون رفاق اللعب ويمدُّون أيديهم لمصافحتى، أسأل واحدًا منهم: "هل تعرفنى؟!"، يجيب فى ثقة: "فى صباح كل جمعة تسألنى وأجيب.. أشارك فى حكى الحكايات .. تجعل كل الأطفال يصفقون لى"، وبهذا يتضح أنه ممن يحرصون على الاستماع إلى حكاياتى والاشتراك معى فى الحوار صباح كل يوم جمعة ، من التاسعة إلى الحادية عشرة.


"بل كانت تحضر مع الأطفال كثيرات من أمهاتهم .. سألت مرة إحدى الأمهات: "هذه حفلة للأطفال.. لماذا تحرصين على حضورها؟"، قالت فى حماس: "ابنى يذهب إلى مدرسته ستة أيام فى الأسبوع ، لكنه لا يتحدث فى البيت بكلمة واحدة عن المدرسة طوال الأسبوع ، بينما يأتى إليك ساعتين صباح الجمعة ، لكنه يظل يتحدث عنهما طوال الأسبوع: ماذا سمع .. ماذا قال .. فيم سألته .. بماذا أجاب، ولماذا صفق له الأطفال ، لذلك جئت لأعرف السر الذى جعله يعيش مع ساعتيك طوال الأسبوع، ولا يتعايش ساعة واحدة مع أسبوع كامل فى مدرسته".

وبهذا اكتشفت مدى تأثيرى على الأطفال ، ومدى قدرتى على التواصل معهم من خلال حكى الحكايات . لقد اكتشف الأطفال موهبتى فى رواية الحكايات والحوار معهم، كما اكتشفت حاجة الأطفال إلى مَنْ يهتم بهم اهتمامًا حقيقيًّا.

وهكذا بعد أن هيأت نفسى لكتابة المسرح للكبار ، وحصلت إحدى مسرحياتى على جائزة الدولة الخاصة التى تسلمتها من الرئيس جمال عبد الناصر ، اختارنى الأطفال لأكتب لهم ، ولأحصل أكثر من مرة ، مصريًّا وعالميًّا ، على جائزة أفضل كاتب للأطفال.

ويقول الشاروني : هكذا اكتشفت أمرين مهمين، الأول: حاجة الأطفال إلى من يعطيهم اهتمامًا حقيقيًّا، وأن الأطفال على استعداد لأن يبادلوا هذا الاهتمام باهتمام مقابل وسخى.

والأمر الثانى، اكتشف قدرتي غير المحدودة على التواصل مع الأطفال ، وقدرتي على قص الحكايات لهم ، وقدرتي على إدارة الحوار معهم. وفى عبارة واحدة، اكتشفت قدراته فى التواصل مع الأطفال والحكى والكتابة لهم.

ويشير الشاروني إلى أن هذه التجربة العملية قد نبهته إلى موطن الموهبة الحقيقية عنده، وهى قص القصص والكتابة للأطفال ، والعمل الثقافى والفنى لهم ومعهم.
ويقول: كان نجاحي هذا مع الأطفال من أهم أسباب اقتناعي بسلامة اتخاذي قرار ترك العمل القضائى نهائيًّا، والاستمرار فى العمل بوزارة ال ثقافة ، وكان ذلك فى نهاية عام 1968 بعد فترة انتداب من عملي القضائى.

(يُتبع)## ## ## ## ##

اقرأ ايضا:

الأكثر قراءة