"إن الحظ شاء".. أم كلثوم وناجى ولدا فى نفس اليوم لبكاء "الأطلال".. وتركا السنباطى لحيرة "انتظار"

31-12-2016 | 15:20

إبراهيم ناجي - أم كلثوم - رياض السنباطي

 

أحمد عادل

31 ديسمبر عام 1898.. مصر على موعد مع الليلة الأولى من السنة الأخيرة للقرن التاسع عشر، تستشرف نسائم المدنية الحديثة التى يحملها القرن الجديد ، لقد حباها الله فى ذلك اليوم فتى يدعى ابراهيم ناجى وفتاة تسمى أم كلثوم، جمعتهم الأقدار فاتفققت قبل أن يعز اللقاء، فبقى أثرهما خالدا فى وجدان المصريين الذين جعلوا من الفتاة هرما رابعا لبلادهم، أما الفتى فسيغدو شاعرا فذا يلهب قلوب العاشقين ويذرف عيونهم طالما الدمع روى عن أطلاله.

"رحلة الأطلال" الطويلة لأم كلثوم وناجى بدأت مبكرا لترسم معالم رحلة الإبداع انطلاقا من قرى المنصورة، فأم كلثوم تلك الفتاة الصغيرة تحمل صوتا لن يقف عند حدود قريتها "طماى الزهايرة" فخرجت تقصد القرى والنجوع لتنشد القصائد بصحبة والدها ، أما ناجى وإن ولد بحى شبرا القاهرى، فإنه أمضى سنوات طفولته وصباه بالمنصورة ليتأثر بالمناظر الخلابة للريف المصري التى ستترك أكبر الأثر فى قصائده الغزلية الرقيقة.

كانت الأسرة وظروف النشأة حاسمة لضمان مسيرة النجاح لأم كلثوم وناجي مع الغناء والشعر، ففى الوقت الذى امتهنت أسرة أم كلثوم تقديم الأدوار والمدائح النبوية لترسخ مكانتها بين الموسيقيين ، كان ناجى ينهل من مكتبة والده متنقلا بين الآداب العربية والغربية ، فقرأ دواوين الشعراء القدامى كالمتنبى وأبى نواس ، وما أن حصل على "البكالوريا" عام 1917 حتى اتقن الإنجليزية والفرنسية.

فى هذه الأثناء خفق قلب ناجى للمرة الأولى على إثر قصة حب بينه وبين ابنة الجيران، حيث وهب لها مجامع قلبه، وأحبها بكامل كيانه، إلا أن خبر زواجها بغيره ترك صدمته العنيفة على قلبه فخرج شعره مكلوما، محاطا بالأسى الذى طالما ارجعه ليد القدر التى تخط مصائر العشاق، فكتب الأبيات الأولى لـ "الأطلال"، وإزاء هذه اللكمة القوية أراد أن يصرف قلبه عن تلك النزعة الرومانسية بدراسة الطب، الذي وقف حائرا أمام خفقات قلب ناجى.

شكّل عام 1923 خطا فاصلا فى مسيرة أم كلثوم وناجى على حد سواء، فقد وضعت أم كلثوم حدا لطوافها بين البلاد مغنية فى الشوادر مرتدية عقالها، فطرقت قصور الأمراء واستقرت بالقاهرة ، أما ناجى فقد أنتهى لتوه من دراسة الطب ، وافتتح عيادته الخاصة ، معليا مبادئ الطب فساعد الفقراء ، وكان يقدم لهم الكشف والعلاج مجانا.

أقبلت الثلاثينات ومعها خطوة كبيرة فى انجاز "رحلة الأطلال" فأم كلثوم تخلصت تماما من تراثها القديم، فمزجت بين الغناء والتمثيل لتدخل عالم الفن من بابه الواسع بأفلام مثل "وداد" و"نشيد الأمل" و"دنانير"، أما ناجى فإن عمله بالطب وتقلده المناصب الإدارية فى وزارات كالصحة والأوقاف لم تحل أمام نزعاتة الأدبية، فبدأ رحلته مترجما لأشعار بودلير وروايات شكبير وديتوفسكى وغيرها من عيون الأدب العالمى.

ومن المنصورة إلى القاهرة أقبل وافد آخر شكّل ثالث أضلاع المثلث الذهبى لـ "رحلة الأطلال" ، أنه الموسيقار رياض السنباطى، فقد رحل "بلبل المنصورة" كما كان يسمونه ليلتحق بمعهد الموسيقى العربية، دخل الامتحان وأمام لجنة الاختبار وقف رياض مستعرضا صوته وقدراته اللحنية، فأجمعت اللجنة على تعيينه أستاذا بالمعهد فى مادة العود، وهو الذى أقبل تلميذا للدراسة!.

إلا أن هذا الثلاثى"أم كلثوم ـ رياض ـ ناجى" الذى أبدع رائعة "الأطلال" لم يكن لينطلق دون دعم من "أمير الشعراء" أحمد شوقى، فقد أعطى الفرصة لرياض السنباطى كى ينطلق فى تلحين القصائد ليحصد لقب"امبراطور القصائد العربية" دون منازع ، حين منحه قصيدة "مقادير من جفنيك حولن حاليا.. فذقت الهوى من بعدما كنت خاليا" ، ثم القصيدة التى أهداها شوقى لأم كلثوم ولحنها السنباطى وهى "سلوا كؤوس الطلى هل لامست فاها ..وسلوا الراح هل مست ثنايها؟!" ، ثم قصيدة "إلى عرفات الله" ، و"نهج البردة" و"ولد الهدى" ، وجميعها غنتها أم كلثوم بعد وفاة شوقى. 

أما تأثير شوقى على شعر ناجى فيرجع إلى تزعم شوقى وتأسيسه لمدرسة "أبوللو الشعرية" التى ينتمى إليها شاعر الأطلال إبراهيم ناجى،فعلى وقع اتهامات "تقليد القدماء" راحت سهام طه حسين والعقاد تنفذ إلى شعر شوقى وحافظ ابراهيم وخليل مطران من مؤسسس المدرسة الكلاسيكية فى الشعر .

حمل شوقى لواء الشعراء من جديد، ورفع شعار"التجديد" ، وأعلن من قصره "كرمة ابن هانئ" فى العاشر من أكتوبر عام 1932عن تأسيس مدرسة شعرية جديدة أطلق عليها اسم"ابوللو" ، وضمت بين صفوفها إبراهيم ناجى، إلا أن الأقدار لم تمنح شوقى الفرصة لاستكمال ما بدأه فتوفى بعد أربعة أيام فقط من الاجتماع الأول لـ"أبوللو" لتمنح رئاستها لخليل مطران ، ويصبح ناجى وكيلا لها .

ناجى كواحد من أبرز شعراء "أبوللو" مزج بين تراث القدماء ومحاولات المحدثين مثل شوقى وتجارب شعراء المهجر كجبران خليل جبران ، ومثلما نالت سهام نقد العقاد وطه حسين من شوقى فى وقت سابق، فقد نالت تلامذته أيضا، وفى القلب منهم إبراهيم ناجى، فقد اتهمه العقاد بسرقة شعره، ووصفة بـ "الميوعة" ، أما طه حسين فقد وصفه قائلا:"هو شاعر هين لين، حلو الصوت ، عذب النفس، لكن أشعاره أشعار صالونات لا تتحمل أن تخرج إلى الخلاء فيأخذها البرد من جوانبها".

لم تلبث الأطلال أن أخذت طريقا أشد قسوة عندما خفق قلبه حبا للفنانة زوزو حمدى الحكيم ـ التى اشتهرت بأداء دور سكينة فى سلسلة أفلام ريا وسكينة- وكانت قد طلقت من أمير الصحافة العربية محمد التابعى بعد زواج سرى لم يستمر طويلا، وصار الحب أكثر التهابا عندما كان ناجى يتولى رعاية والدتها، ليكتب لها على "الروشتات" أبيات من الأطلال التى جاوزت أبياتها 130 بيتا، إلا أن هذا الحب سرعان ما زاد من حرمان شاعر الأطلال لأنه كان حبا من طرف واحد.

زوزو حمدى الحكيم


روشته دواء كتب فيها ناجى الأطلال لزوزو حمدى الحكيم



أصيب ناجى بداء السكر فى ريعان شبابه، كما تعرض لحادث سيارة فى لندن، فأثر ذلك على نفسيته وصحته كثيرا، ثم كانت الطامة الكبرى حين فصل من وظيفته عام 1952، وعاش فى ضنك قبل أن يتنكر له أقرب الناس إليه، فتوفى فى 25 مارس عام 1953 ، ودفن إلى جانب جده لأمه الشيخ عبد الله الشرقاوى فى مسجده إلى جوار مقام سيدنا الحسين ـرضى الله عنه ـ .

هكذا رحل ناجى بعد أن انتهى من انجاز الأطلال شاعرا ليختمها راثيا روحه وقلبه قائلا:
يَا حَبِيبِي كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاء... مَا بِأَيْدِينَا خُلِقْنَا تُعَسَاءْ
رُبَّمَا تَجْمَعُنَا أَقْدَارُنَا...... ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَمَا عَزَّ ٱللِّقَاءْ
فَإِذَا أَنْكَرَ خِلٌّ خِلَّهُ .............وَتَلَاقَيْنَا لِقَاءَ ٱلْغُرَبَاءْ
وَمَضَى كُلٌّ إِلَى غَايَتِهِ... لَا تَقُلْ شِئْنَا! فَإِن الحظ شاء

حينما توفى ناجى لم تكن "الأطلال" سوى قصيدة رومانسية حبيسة فى ديوانها تنقل مأساة حبيب محروم ، وكان على الثنائى"أم كلثوم والسنباطى" أن يكملا تلك الرائعة التى استغرقتهما معا، كان السنباطى ينظر إلى الأطلال بعين الخوف والتحدى معا، فقد كان خائفا من ان تنال مصيرا مشابها لقصيدة "أغار من نسمة الجنوب على محياك يا حبيبى" والتى لم يتجاوب معها الجمهور كثيرا، ولم تغنها أم كلثوم سوى مرة واحدة ،رغم اكتمال بنائها اللحنى، أما التحدى فيكمن فى عودة أم كلثوم لطابعها "السنباطى" بعد نجاح منقطع النظير مع ألحان محمد عبد الوهاب فى رائعة لقاء السحاب"انت عمرى".

أم كلثوم والسنباطي


السنباطي بجوار العود



لقد تنقل السنباطى بصوت أم كلثوم فى بستان رحب النغمات، منتشيا بين عدد من المقامات الموسيقية كالهزام"راحة الأرواح" و"الراست" ، و"النهاوند" ثم أبكى وأشجا حين انعطف بصوتها إلى مقام "الصبا" لينتقل بعد ذلك مقامى "الكرد" و"النوا" ، والحصيلة لحن عبقرى منقطع النظير، فرض نفسه بقوة على سائر أغانى أم كلثوم، حتى أنها شدت بالأطلال 21 مرة خلال 3 سنوات فقط، وتوافق النقاد على أن أم كلثوم لم تغن قبله أو بعده ما يدانيه فى القوة والرصانة.

كان 13 عاما قد انقضت على وفاة ناجى، وفى ليلة السابع من أبريل عام 1966 ، قدم الإذاعى الكبير جلال معوض لقصيدة الأطلال ممهورة بتوقيع ناجى والسنباطى وأم كلثوم، ونجحت القصيدة أيما نجاح، وحين سمعتها ملهمتها "زوزو الحكيم" تفاجئت أن القصيدة ما هى إلا بعض الابيات التى كتبها ناجى على ظهر "روشتاتها القديمة"!.

هكذا شاء الحظ الذى ذكره ناجى كثيرا فى "اطلاله" أن يعانق صوت أم كلثوم وألحان السنباطى كلماته الشجية فتصبح نشيدا حارا للوداع، ولكن لم يشأ أن تغنى أم كلثوم قصيدة"انتظار" نوأم "الأطلال"، التى اختارت أم كلثوم كلماتها، وأسندتها إلى رياض مهمة تلحينها، وتقول كلماتها :
أنا فى بُعدك مفقود الهدى ..ضائع أهفو إلى نورٍ كريم
أشترى الأحلام فى سوق المنُى..وأبيع العمر فى سوق الهموم
لا تقل لى فى غدٍ موعدنا ..الفغد الموعود ناءٍ كالنجوم

وبالفعل قام السنباطى بتلحينها وسجلها على شريط كاسيت أعطاه لأم كلثوم فى مرضها الأخير ، لكن حالتها الصحية لم تسمح بآدائها، وتوفت فى الثالث من فبراير عام 1975 ، لتؤديها بدلا منها الفنانة سعاد محمد..هكذا كانت رحلة أم كلثوم وناجى التى اتفقت على "الأطلال" ولم يمهلهم الوقت لآداء"انتظار".

مادة إعلانية

[x]