تلك هي قصيدة الفجر

28-12-2016 | 11:05

 

من أجلِ أنْ أنامَ،
مزّقتُ قصيدتي التي كتبتُها عن ذكراكِ
ورميتُها في بئري السِّرّيّةِ، أعني ذاكرتي.
*
سقطتْ دمعتُكِ فحملتها الريحُ إلى ذاكرتي.
طارتْ ذاكرتي فحملتْ ذكراكِ إليّ.
يومها تعرّفتُ إلى شيء يُدعى الحرف الأسْوَد،
أعني السِّحْر الأسْوَد.
*
يا ليتني لم أزح الغيمةَ ليلتها عن مكانِها
ولم أخرجْ لأراكِ تفيضين وتموتين.
*
بسببِ حُبّكِ المُفاجئ،
بسببِ حُبّكِ المُزلزِل،
صارت الشمس
تغيبُ في ذاكرتي منتصفَ النهار
لكنّها تُشرقُ الليل كلّه!
*
لغتُكِ نبعُ سلامٍ،
نعم.
لكنّها حرب على الطمأنينة.
*
لا تتعجّبي من حرفي العاشقِ لكِ أبداً
ومن نقطتي التي نسيتكِ أبداً.
ففي هذه ال(أبداً)
تكمنُ روحُ الشِّعر
وأمطارُهُ التي تتساقطُ عليَّ.......... أبداً.
*
مِن أجلِ أنْ لا أنساكِ
سأقيمُ احتفالاً سنويّاً للذكرى.
وسيكونُ الدخول إليه مَجانيّاً بالطبع
لحروفِ العشقِ ونقاطِ المعشوق.
*
كنتُ أسمعُ أخبارَ الزلازلِ في التليفزيون
وأكتبُ قصيدةَ حُبٍّ عنكِ.
ولم أجد اختلافاً كبيراً
فقد كانَ حُبّكِ من النوعِ المُزلزِلِ للذاكرة.
*
لم استطعْ أنْ أعرفَ مقياسَ حُبّكِ
على مقياسِ ريختر الزلزاليّ
لكنّي أعرف تماماً مقياسَ حُبّكِ
على مقياسِ الحرفِ المتكوّنِ من سبعين نقطة.
*
الحياةُ مُملّةٌ حدّ اللعنة.
لا علاجَ لها إلّا بالحُبّ
حتّى لو كانَ من دونِ الحاء
أو من دونِ الباء،
أعني من دونِ نقطةِ الباء.
*
الحياةُ أغنية
ضحكتُها الحاء
ودمعتُها الباء.
*
الحياةُ خرافة
وجدَ التاجرُ حَلّاً لها بالدولارات
والجنرالُ بالانقلابات
والرسّامُ بهذيانِ الألوان.
أمّا أنا فوجدتُ حَلّاً لها
بتمجيدِ حرفِكِ ليلَ نهار.
*
القصيدةُ كأسٌ.
قيلَ إنّها لا تسرُّ الناظرين.
وا حسرتاه.
وهي قُبْلَة
قيل إنّ نبيذَها مُحرّمٌ أو ممنوع.
وا خيبتاه.
وهي حرفٌ.
قيل إنّه عاجز أنْ يفصحَ عن نَفْسه.
فكيفَ يفصحُ عن نقطتي التي امتلأَتْ بالأنين؟
وا................. أسفاه.
*
كلّما أكتبُ قصيدةً جديدة
أطلبُ من قلبي أنْ يتوقّفَ قليلاً
لأمنحها الحياة
فيفعل عن طيبِ خاطر.
الآنَ وقد صرتُ أكتبُ الشِّعْر دونَ توقّف
ليلَ نهار
صرتُ أخافُ أنْ يذهبَ قلبي فلا يرجع،
صرتُ أخافُ أن يذهبَ ليكتبَ قصيدةَ الموت.
*
أكاذيبُ عشقنا تتجدّدُ كلّ يوم
فهي أجملُ الأكاذيبِ على الإطلاق.
أكاذيب أخترعها آدم
وفرحتْ بها حوّاء وضحكتْ بل رقصتْ.
رغمَ أنَّ هذه الأكاذيب
ضيّعتْ عليها وعلى آدم الجَنّة.
*
سأعلّمُ حرفي
كيفَ يمسح كلَّ شيء من الوجود
حتّى نَفْسه.
فهذا أسهل من الغوصِ أبدَ الدهر
في ذاكرةٍ ملأى بوميضِ السكاكين
وعواءِ الذئاب
وصراخِ القِرَدَة.
*
سأعلّمهُ كيفَ يحتالُ على اللغة
فلا ينطق إلّا بكلامٍ يلبسُ بعضُه بعضاً
قناعاً من الغموضِ والإبهام.
*
سأعلّمُ حرفي أنْ يحتالَ على نَفْسه
فيمسح من الوجودِ نقطتَه الوحيدة
دونَ أنْ تبكي له عين
بل دونَ أنْ يرمش له جفن.
*
سأعلّمُ حرفي أنْ يرقص
على إيقاعِ حروفِ شعوبٍ انقرضتْ
وبقيتْ صورُها مُعلّقةً في الكهوف.
*
سأعلّمهُ أنْ يكتبَ مرثيّةَ الحُبّ
على الحائطِ الذي أُزِيلَ قبلَ أنْ يتمّ
وضع أحجاره الوهميّة.
*
سأعلّمُ حرفي أنْ ينسى اللغةَ كلّها
والنقاطَ كلّها
فيتكلّم بلغةِ الكمانِ والناي والدفّ
ويقرأ المخفيَّ والمستور
بلغةِ الطبول.
*
سأختارُ لحرفي مكاناً قصيّاً في الذاكرة
حيث دجلة تسبحُ امرأةً بشفتين من لهبٍ وشوق
وحيث الفرات قد كفَّ عن سذاجته
فلم يعدْ يُهيّئ لها قلبَه كعشاء ربانيّ.
*
أنْ نرقصَ معاً،
أنا والحرف،
طفلين عاريين على شاطئ البحر.
تلك هي قصيدة الفجر.
-------
أديب كمال الدين
(شاعر عراقي مقيم في أستراليا)

اقرأ ايضا: