وزير الثقافة الجزائري لـ"بوابة الأهرام": الربيع العربي "حمل كاذب".. واليد الخفية تحرمنا من "نوبل"

19-12-2016 | 08:43

وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي

 

الجزائر - ياسر بهيج

للجزائر مكانة عريقة وسامية في التاريخ الثقافي العربي ، بما تملكه من أدبائها وأديباتها النابهين والنابهات، على مر العصور، الذين تَرَكُوا بصمة محليًّا وعربيًّا وعالميًا. وعقب انتهاء فعاليات صالون الجزائر للكتاب أخيرًا ، أجرت " بوابة الأهرام " مع وزير ثقافة .aspx'> ال ثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي ، حوارًا خاصًا شاملًا ، تناول جوانب وقضايا عديدة في ثقافة .aspx'> ال ثقافة والتعليم والسياسة والفنون.. وهذا نص الجزء الأول من الحوار..


* مارأيكم في الربيع العربي ؟ وهل أثر على ثقافة .aspx'> ال ثقافة الجزائري ة؟
- لا لم يؤثر، وأعتقد أنه طلع "حمل كاذب" (يضحك) ، وبرأيي أن الربيع العربي الحقيقي هو الثورة الجزائري ة ، مشروع التحرر الكبير من استعمار ظل جاثمًا على صدرك ١٣٠ عامًا ، أما الربيع الآخر فهو مجرد احتجاجات، ومطالبات لها مسميات عديدة ، لم تحقق شيئًا ، والدليل النتيجة التي وصلنا إليها.

* مارأيكم فيمن يقولون إن عدم حصول أديب عربي على نوبل ، منذ فوز محفوظ بها في العام ١٩٨٨ وحتى الآن ، لمدة قاربت الـ٣٠ عامًا ، بسبب أن الأدب العربي متهم في عيون الغرب بأنه هو من يفرز الاٍرهاب؟!
- إنها "اليد الخفية" التي تتدخل دائمًا ، في اللحظات الأخيرة ، لتحرمك كعربي من الفوز بها ، واعتراف العالم بامتيازك ، وهذا مايحدث للعرب عادة في الامتيازات الكبرى ، في أي مجال ، وسأستشهد بـ٣ مواقف حدثت في السنوات الأخيرة ، الأول عندما ترشحت مصر في العام ٢٠٠٤ لاحتضان مونديال الكرة ٢٠١٠ ، لتخرج أصوات تقول : "كيف تنتظمون المونديال في بلد به إرهابيون ، ومتعصبون ؟!" فتدخلت السياسة في الرياضة ، لتأخذها جنوب إفريقيا ، وكان صفر المونديال المشهور ، في عهد الصديق العزيز الدكتور علي الدين هلال وزير الرياضة المصري وقتها.
والموقف الثاني ، كان عندما ترشح الفيلم الفلسطيني "الجنة الآن" للفوز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي ، والجميع مجمعون عليه ، فإذ باليد الخفية تتدخل لتمنع عنه الجائزة ، بحجة أنه من بلد ثلاثة أرباعه يدعمون العنف والإرهاب! وتفوز بها جنوب إفريقيا. والثالث والأخير في الأدب ، فمنذ ٣ أو ٤ سنوات ، كان هناك إجماع على أن أدونيس سيفوز بنوبل ، حتى أن الفضائيات والقنوات التلفزيونية أجرت تحقيقات مصورة عن حياته .. طفولته .. عائلته .. وفي آخر لحظة تتدخل اليد الخفية لتخرج من جعبتها قصيدة قديمة كتبها في ١٩٧١ ، بعنوان "قبر من أجل نيويورك" ، وتقول : "كيف تمنحون الجائزة لشاعر تنبأ بضرب نيويورك وتدميرها ؟!" ، لتذهب الجائزة لجنوب إفريقيا أيضًا ، التي فازت بها نحو ٣ مرات ، رغم أن القصيدة قديمة جدا ، مضى عليها أكثر من نصف قرن !

* وما الحل؟
- نحن مطالبون بمحو تلك الصورة السيئة التي وصمتنا بالعنف والإرهاب في عيون الغرب ، بالترجمة .. ترجمة إبداعات أدبائنا وكُتَّابنا للغاته ، وترجمة أفلامنا ، والوصول للأسواق الأدبية والثقافية والفنية في الدول الغربية ، فكل هذا سيساعدنا - لاشك - على كسب أصدقاء لنا في الأوساط المختلفة بتلك الدول ، بخاصة الإعلامية والثقافية ، فعلينا ألا نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا ، بل لابد أن ندافع عن أنفسنا ، ونسخر كل إمكاناتنا ، ونسلك شتى السبل للوصول إلى أهدافنا ، فنحن قلب العالم ، وأمامنا الآن شبكة الإنترنت ، ولكن كيف نصل من خلالها ، و٣٪‏ فقط من ٤٠٠ مليون عربي في العالم ، هم من يستخدمونها ، في حين أن السويد بمفردها تمثل ٨٪‏ من محتوى مستخدمي الإنترنت حول العالم ؟! فكيف سنصل بتلك النسبة الضئيلة ؟! لذا علينا أن نطور أنفسنا ومضاميننا على الإنترنت ، بترجمتها من محتواها العربي للغات الآخرى ، حتى نصل للآخر ، وإلا سنظل دائمًا في عيونهم المجتمعات التي تنتج القاعدة، وكل ألوان الإرهاب. ونعود مرة أخرى للتعليم لنقول إنه أيضًا الورقة الرابحة - بجانب الترجمة - لتغيير تلك النظرة.

* وكيف نقضي على الإسلاموفوبيا في الغرب ونصحح الصورة ؟
- لابد من معالجة النموذج الناجح ، بمعنى أن نعالج أنفسنا أولًا ، ثم نعتمد أسباب القوة في مجتمعاتنا ، لنصل إلى الآخر ، ولكن كيف نحقق ذلك ؟! الغرب دائمًا يعيش في هذا الخوف ، وهناك تقرير قرأته في العام ٢٠٠٧ ، يتحدث عن "تحول أوروبا" ، يقول : "إن الإسلام ينتشر بسرعة في أوروبا ، وبعض بلدانها ستصير مسلمة تمامًا في ٢٠٥٠" ، لذا كلما ظهرت تلك الأصوات والدراسات والإحصاءات ، يظهر بالمقابل اليمين المتطرف ، باعتبار الإسلام خطرًا محدقًا بهم ، جاء من الشرق ليغزو أوروبا، وتلك ردة فعل طبيعية لظهور المتطرفين في هولندا ، كمثال ، وغيرها من بلدان القارة العجوز ، لأنهم نتاج انتشار هذا الفكر ، لذا علينا أن نعيد قراءة الفكر الإسلامي السهل ، الذي يملك قابلية الانتشار في الغرب.

* متى يغزو الأدب العربي جميع الأقطار العربي ة ، ولنأخذ البلدين مثالًا ، بمعنى متى نرى الروايات الجزائري ة في أيدي الشباب المصري ، وبالعكس ، بخاصة بالنسبة للأدباء المحدثين ، لأن القدامى معروفون؟
- المسألة في الأساس عملية تجارية بحتة ، فالكتاب ينظر له في قانون التجارة على أنه سلعة تنتقل بين البلدين ، تخضع للعرض والطلب ، مثلها مثل أي سلعة ، كالدواء ، أو الملابس .. إلخ ، ولكي نصل للانتشار ، يجب أن تتوافر لدينا مؤسسات توزيع قوية ، قادرة على أن تصل لكل البلدان ، وقوانين محفزة على التجارة ، وهناك بعض الأقطار المرنة في هذا الأمر ، في حين تحتاج أخرى لوضع قوانين تسهل من عملية تمرير الكتاب منها وإليها.

* إذن .. متى يتوحد العرب ثقافيًّا؟
- نحن ، للأسف ، منذ سقوط الأندلس ، عاجزون عن فك شفرة المستقبل ، ولكن يجب أن ندرك أننا نعيش في عالم متغير ، فيه "يأكل الذئب من الغنم القاصية" ، فَلَو كل واحد فكر بمنطقه المحدود ، فإنه لن يحقق المأمول ، لذا فلا مفر من الاتحاد في كل شيء ، ومنها ثقافة .aspx'> ال ثقافة ، وسيكون لنا شأن عظيم ، لأننا - كما يقول المفكر الإسلامي الكبير الدكتور علي الشلش ، صاحب نظرية القلبانية : "إن العرب هم قلب العالم ، تجمعهم لغة واحدة ، وجغرافيا واحدة ، وهم قادرون على أن يحققوا الطفرة المطلوبة في الحضارة والنهضة ".

* وكيف ندخل إلى المستقبل؟
- ندخل المستقبل بنهضة، وكل المحاولات التي تمت في زمن المفكرين ، والنهضويين الرواد ، أمثال محمد علي ، ومحمد عبده ، ورفاعة الطهطاوي ، وغيرهما ، لم نستطع من خلالها أن نطرق أبواب المستقبل، ما سبب إحباطًا للأجيال الجديدة ، ثم نسأل أنفسنا : لماذا الإحباط؟! إن الإحباط الذي بلغته أجيال من المحيط للخليج سببه عجزنا كل تلك القرون عن إيجاد مفاتيح لولوج المستقبل ، والوصول إلى ما وصل إليه الغرب من تطور ، وما بلغه الشرق من حداثة ، ماجعل الأجيال الجديدة تعود للماضي للبحث عن مفاتيح المستقبل.

* وأين موطن الخلل في ذلك؟
- الخلل في التعليم ، فعلينا أن نراجع منظومات التعليم في بلادنا ، وقلتها وأكررها أكثر من مرة :" لقد تمنيت لو أن هذه المليونيات التي تخرج للشوارع ، لها مطالب سياسية ، واجتماعية ، أن تخرج مليونية واحدة تطالب بتحسين التعليم في بلاد العرب ، لأن رهان المستقبل يمر عبر التعليم ، والمدرسة، وتطوير مناهجنا الحالية ، التي ما زالت مغرقة في الماضي ، فالماضي نعتز به ، ولا يمكننا القفز عليه ، لأنه صنيعة رجال نفخر بهم ، لكن نحن كأجيال ما الذي حققناه؟!

* وما الحل ؟
- علينا أن ندرس تجارب ناجحة في الغرب والشرق ، ونخرج بالمناهج الأنجح ، وسأتحدث عن سنغافورة كنموذج ، هي مجرد جزيرة ، تعدادها ٥ ملايين نسمة فقط ، ولكنها تخصص سنويًّا لتحسين التعليم ومناهجه مابين ٧ و ٨ مليارات دولار ، وتطور بالذات المواد التقنية ، والتطبيقية كالرياضيات ، والفيزياء ، وغيرهما ، لذا فلا غرابة في أن تكون سادس بلد التجارة العالمية ، وهي جزيرة معزولة في المحيط ، وذلك لأنها نجحت في إيجاد المفاتيح المطلوبة للتقدم ، وعدم الانغماس في الماضي.

* ولماذا لانضع مناهج عربية مشتركة ، وليكن منها منهج التاريخ ، بخاصة في العصر الحديث ، لإلقاء الضوء على إسهامات الدول العربي ة لبعضها البعض ، لتعريف الأجيال الجديدة بها ؟
- دعني أقل لك إنني في العام ٢٠٠٩ ، كنت وقتها وزير ًا للإعلام في الجزائر ، وشاركت في اجتماع لوزراء الإعلام العرب ، وكانت الفكرة المطروحة على مائدة الاجتماع وقتها، هي إنشاء قناة تليفزيونية عربية، فقلت للوزراء المشاركين: "لن نتفق على نشرة أخبار واحدة! فمن سيقبل بأن يكون خبره الثاني أو الثالث ؟!" ، لذا أعتقد أننا لن نتفق في هذا ، لأن لكل بلد خصوصية في التاريخ ، و ثقافة .aspx'> ال ثقافة ، لكن هناك عوامل مشتركة - بلا شك - بين الدول العربي ة ، وعلينا أن نحافظ عليها .

* إذن .. التعليم يحتاج لقِمَّة عربية شأنه شأن السياسة والاقتصاد والإعلام وغيرها .. أليس كذلك؟
- صدقت بالفعل ، نحتاج كعرب لقمة تربوية تعليمية ، في أقرب وقت ، كي نحافظ على التقاطعات المشتركة بيننا كثوابت في التدريس ، وخلافه ، مع احترام خصوصية كل بلد.

* أأنتم مع الانفتاح على العالم؟
- بالطبع ، لأنه أفضل رد ، دفاعًا عن الشخصية العربي ة المتهمة بالتحجر ، والتطرف ، والانغلاق ، والتكفير ، فيجب أن نتعامل مع العالم بلغة أرقى وأنقى وأكثر تأثيرًا ، لأننا إذا انغلقنا ، فسنظل هكذا في عيونهم ، وليس أرقى من أن نخاطبهم بالأدب العابر للقارات ، بالأعمال الناجحة الجيدة ، التي تمكنا من الحصول على جوائز كبرى ، فالجائزة، في النهاية ، لها ظلالها السياسية ، ولها ، أيضًا ، محمولها الآخر ، وهو النبوغ والتفوق ، وأنها منتج مجتمع حداثي مستنير.

* هل يقضي الكتاب الإلكتروني على الورقي خلال السنوات المقبلة؟
- لكلٍّ منهما ميزة .. بعض الإحصاءات تكشف عن أن العالم ، في غضون ٥٠٠ سنة ، أنتج قرابة ٥٠ مليون عنوان ، منذ نشوء مطبعة جوتنبرج أول مطبعة في التاريخ ، وحتى الآن ، وهذا يعني أن البشرية أنتجت كمًّا هائلًا من المعارف والفنون ، كلها عبارة عن كتاب ورقي ، وجاءت الثورة الرقمية فحررت الفكر من قبضة الورق ، بمعنى أنني الآن ككاتب لو وجدت صعوبة في طبع عملي ، فيمكنني في ثوانٍ وضعه على الإنترنت ، بدون أن يكلفني شيئًا ، بل وأجد التفاعل الذي انتظره ، ومن أقصى منطقة بالعالم. أما من ناحية غلبة أحدهما على الآخر في وطننا العربي ، فأعتقد أن الكتاب الإلكتروني مازال أمامه سنوات وسنوات ليكون قادرًا على منافسة نظيره الورقي ، تقريبًا من ١٠ إلى ١٥ سنة ، ففي السوق الاقتصادي للكتاب العربي نجد الإقبال على طباعة الإبداعات ورقيًا ، وتسويقها ، وبيعها للناس بهدف الربح والانتشار ، أكبر من الإلكتروني ، الذي ما زال عليه محاذير كبيرة عندنا!

اقرأ ايضا:

مادة إعلانية

[x]