الجزائري حسن دواس لـ"بوابة الأهرام": الرواية "العربية" في الصدارة.. والجيل الشاب يعاني غياب النقد

11-12-2016 | 21:22

الجزائري حسن دواس

 

تونس - حوار: كارم يحيى

هذا ال حوار لـ" بوابة الأهرام " مع الشاعر حسن دواس ، الناقد والأكاديمي، محاولة لرسم ملامح الأدب الجديد في الجزائر . وهو سعي للنفاذ الى عوالم وإبداعات شعراء وقصاصين وروائيين غير أولئك الذين زاعت شهرتهم في المشرق العربي، وبخاصة مصر كمحمد ديب صاحب الثلاثية الروائية "الدار الكبير"، "الحريق"، و"النول" التي طبعتها دار الهلال بالقاهرة منذ عقود. وكذا الطاهر وطار و أحلام مستغانمي و واسيني الأعرج وغيرهم.


• ما مكانة وشعبية الأدب الجزائر ي المطبوع بالعربية في بلاده؟ وكيف تقارنه الآن مع الأدب الجزائر ي المطبوع بالفرنسية؟
ـ في البدا ية يجب الإشارة إلى أن ظاهرة التعدد اللغوي في الجزائر لا تقتصر على اللغتين العربية والفرنسية فحسب. وإنما، وبخاصة في المرحلة الراهنة، ظهرت كتابات أدبية جديدة باللغة الأمازيغية. وهذا هو الحال في العشرة سنوات الأخيرة بالتزامن مع تدريس هذه اللغة في المدارس والتعديل الدستوري الذي جعل الأمازيغية لغة رسمية ووطنية. لكن رغم ذلك تظل اللغة العربية هي الطاغية والمسيطرة على المشهد الأدبي الجزائر ي الحديث. وفي المرحلة الراهنة أدى الزخم اللغوي ثلاثي الأبعاد (عربي ـ أمازيغي ـ فرنسي) إلى ازدهار الترجمة بين هذه اللغات. فنجد النص الأدبي مكتوبًا بالأصل بلغة منها وسرعان ما تجرى ترجمته في الجزائر إلى اللغتين الأخرتين.

• لكن إذا أراد الشاعر أو الروائي أو القاص أن يصل الى قراء أكثر في بلاده الجزائر فبأية لغة يكتب ويطبع؟
ـ باللغة العربية.

• إذن تجاوزتم سطوة اللغة الفرنسية؟

ـ بعد التعريب وتخريج أقسام اللغة العربية في كل جامعة أعدادًا وفيرة من الطلاب أصبح القارئ الجزائر ي متمكنًا من لغته العربية. يقرأ ويكتب بها. وانحسرت اللغة الفرنسية بعد أن ظلت إلى عقد الثمانينيات تنافس اللغة العربية في الكتابة الأدبية.

• هل اجتاز الأدب الجزائر ي معضلة اللغة تمامًا أم مازال هناك ميراث للإستعمار والفرانكفونية؟

ـ طبعا ما زال للفرانكفونية ميراثها. نحن نتعامل مع اللغة الفرنسية ونكتب ونقرأ بها بصفتها "غنيمة حرب" وأداة انفتاح على الثقافات العالمية. ولكن يلاحظ أن ال ثقافة الجزائر ية بدأت تعنى باللغة الإنجليزية. وهناك الآن من يكتبون أدبًا جزائريًا بالإنجليزية مثل أحمد بو قرش الذي يقرض الشعر وصليحة نعيجة التي تكتب شعرًا وتترجم إلى الإنجليزية، وأصدرت أخيرًا كتابًا بالإنجليزية بعنوان "أنطولوجيا الشعر الجزائر ي". وقد ترجمت منتخبات من الشعر الجزائر ي إلى هذه اللغة. وأنا شخصيًا أكتب أيضًا بالإنجليزية وأترجم منها واليها. وأصدرت ديوان شعر بالإنجليزية بعنوان "أحلام ظمأى". كما ترجمت إلى الانجليزية ديوان شعر ليوسف وغليسي بعنوان "تباريح اللون الأخضر"، وديوانًا آخر للشاعر عبد الله حمادي بعنوان "يا امرأة من ورق التوت". وكل هذه الأعمال صدرت داخل الجزائر ومن دور نشر جزائرية.

• نعود إلى التأثيرات الفرانكفونية على الأدب الجزائر ي.. هل مازالت موجودة؟

ـ العلاقة بين الفكر واللغة وطيدة. والأدب الجزائر ي ومنذ زمن مضى يكتب بلغة فرنسية لكن بروح جزائرية. كانت اللغة الفرنسية كما يقول مالك حداد منفى يجب أن نتعامل معه في ظل ظروفنا التاريخية. ومائة وثلاثون سنة من الاحتلال الفرنسي الثقيل ليس من السهل محوها بين ليلة وضحاها. ولا ننكر أن الفرانكفونية في الجزائر تتحول أحيانًا على أيدي بعض الأدباء إلى ( فرانكفيلية) أي الوقوع في غرام كل ما هو فرنسي حضارة و ثقافة .

• ولماذا يكتب بعض الأدباء الجزائر يين حتى الآن باللغتين معًا الفرنسية والعربية؟

ـ حقًا هذه ظاهرة أدبية جزائرية أخرى قد لانجدها في بقية دول المغرب العربي. فهناك بعض الأدباء تحولوا من الكتابة بالفرنسية إلى العربية للوصول إلى جمهور أوسع من القراء كالروائي رشيد بو جدرة". وهناك من كان يكتب بالعربية وحدها ولجأ لاحقًا للجمع بينها وبين الفرنسية مثل الروائي أمين الزاوي. وكان مديرًا للمكتبة الوطنية ب الجزائر . وربما جاء ذلك في إطار محاولة تجاوز حدود القارئ الجزائر ي إلى قارئ خارج الجزائر . لدينا أيضًا الروائي محمد ساري الذي يكتب باللغتين العربية والفرنسية وحصل على جائزة " إسكال" الأدبية لعام 2016 عن روايته باللغة الفرنسية "أمطار من تبر". وهي صادرة عن دار جزائرية تدعى "الشهاب".

• الى أي حد تقبل دور النشر في الجزائر على نشر روايات باللغات العربية والأمازيغية والفرنسية .. أيها أكثر وأهم؟

ـ ليس عندي أرقام. لكن بالتأكيد ما تجري طباعته باللغة العربية هو أكثر بكثير. ثم تأتي الفرنسية في المرتبة الثانية. وتحل الأمازيغية ثالثة.

• هل ثمة رواية جزائرية يجري طباعتها باللغات الثلاث معًا؟
ـ لا .. لا أعتقد.

• هل تعرف الجزائر كالعديد من المجتمعات العربية ظاهرة صعود ال رواية وتصدرها للمشهد الأدبي؟

ـ الآن تهيمن ال رواية ومنذ نحو عشرة سنوات مقارنة ببقية الأجناس الأدبية. هي بحق تتصدر المشهد الأدبي ب الجزائر . كما يمكن ملاحظة ظاهرة تحول الشعراء إلى كتابة ال رواية . ولدينا هنا أمثلة كعيسي لحيلح الذي كتب رواية "كراف الخطايا" (وكراف تعني مطهر أو مزيل). وأيضًا وزير ال ثقافة الحالي "عز الدين ميهوبي " الذي تحول من الشعر إلى ال رواية فكتب "إرهابيس". لكن السنوات الأخيرة في الجزائر عرفت كذلك عودة الاهتمام بالقصة القصيرة.

• على مستوى اتجاهات الأدب الجزائر ي الجديد شعرًا ونثرًا ما ملاحظاتك كناقد وأكاديمي يؤرخ لأدب بلاده ويدرسه في الجامعة؟

ـ في الشعر والنثر معًا هناك اتجاه واضح نطلق عليه "أدب الأزمة". وهو يعالج فترة العشرية السوداء في تاريخ الجزائر مع الإرهاب والتطرف بين 1990 و 2000. وهو في معظمة يدخلنا إلى لون من الكتابة الاجتماعية السياسية. ولعل خير ما يمثل هذا الاتجاه هو رواية "الفراشة والغليلان " لعز الدين جلاولي".

وبخصوص الشعر يبدو أن هناك توجهًا واضحًا إلى قصيدة النثر. وكذا إلى "القصيدة الومضة " (الهايكو). أي تلك القصائد القصيرة جدًا. ومن أعلام هذا الاتجاه مسعود حديبي الذي برع في شعر الومضة. وكذا الحبيب يعقوب الذي يكتب بدوره نثرًا هو القصة الومضة.

• هل التجريب في كتابة الأدب الجزائر ي أوضح وأجرأ باللغات الفرنسية والإنجليزية والأمازيغية عنه باللغة العربية؟

ـ لا، التجريب في ال رواية العربية ب الجزائر متوافر بقوة. ومن أمثلته روايات كمال قرور مثل حضرة الجنرال، و "ألتراس". وقد استطاع هذا الروائي أن يوظف التراث والسيرة الشعبية في أعماله الروائية وبإسقاطات على اللحظة الراهنة سياسيًا وثقافيًا. كما استخدم ووظف اللغة الشعرية في نصوصه الروائية.
• كيف تصف ملامح أدب الجيل الجديد من الشباب في الجزائر الذين يكتبون بالعربية؟ ولماذا لم يحققوا شهرة في الفضاء العربي خارج بلادهم؟

ـ زخرت الساحة الأدبية الجزائر ية بعديد الأعمال للشباب. لكن كتاباتهم لم تحظ بالاهتمام النقدي الذي يمكنه إبراز ملامح هذا الجيل ورموزه. وبالنسبة للشعر تحديدًا هناك تطور واضح ترجم نفسه في حصد شعراء جزائريين لجوائز عربية عدة. هؤلاء الشعراء الشبان قدموا جديدًا على صعيد شكل القصيدة. فحتى الثمانينيات غلب على القصيدة الجزائر ية الشكل العامودي (الخليلي). ثم ازدهرت قصيدة التفعلية والقصيدة النثرية. ومن أعلام هذا الاتجاه الجديد الشاعر عبد الرحمن بو زربة صاحب ديوان "وشايات ناي"، والحاصل على جائزة سعاد الصباح، وكذا الشاعر "ياسين أفريد" صاحب ديوان "نبيذها ودمي"، والحاصل على جائزة الشارقة للإبداع الشعري.

• ولماذا لم يبلغ أي من أسماء الأدباء الشبان في الجزائر شهرة الطاهر وطار و أحلام مستغانمي وواسيني الأعرج مثلًا رغم أن عندهم فرصة ثورة وسائل الاتصال والإعلام؟

ـ أعتقد أن المشكلة تظل في غياب النقد الأدبي. فالشاعر أو القاص أو الروائي مهما انتشر على شبكة الانترنت وأصدر من مطبوعات وكتب سيظل في الشهرة دون من تفضلت بذكرهم طالما افتقد مصباح النقد الذي يضيء أعماله. وإذا توفر النقد الأدبي وجرى حل مشكلة تصدير الكتب الأدبية للخارج وترجمة أعمال هذا الجيل إلى اللغات الأخرى وبخاصة الإنجليزية سيكون لدينا أكثر من اسم كبير.

• هل ترى خصوصية للأدب الجزائر ي مقارنة بأدب المشرق العربي؟

ـ من الثورة الجزائر ية إلى الآن لدينا مايسمى بالأدباء الشهداء. هؤلاء الذين مزجوا الحبر بالدم مثل الشاعرين ربيع بوشامة والعربي التبسي، والقاص أحمد رضا حوحو. هؤلاء وغيرهم استشهدوا أثناء ثورة التحرير، ومازالت أعمالهم الأدبية تجد إلى الآن قارئها. أما الخاصية الثانية فأراها فيما تحدثت عنه سابقًا عن أدب الأزمة وارتباطه بالإرهاب وآثاره على المجتمع مع العشرية السوداء. لكن للأسف لا توجد دراسات نقدية بعد لتشخيص ملامح هذا التيار.

• ألا ترى الجامعات الجزائر ية تقدم إسهاما على مستوى المتابعة النقدية لأدب بلادها؟

ـ بالفعل هناك دراسات نقدية بالجامعات حاولت رصد ملامح الظاهرة الأدبية المعاصرة في الجزائر . وعلى سبيل المثال يمكنني أن أذكر رسالة ماجستير للدكتور عبد الغني خشاب عنوانها "ملامح الأزمة في الشعر الجزائر ي". وبالطبع يمكنني أن أذكر عناوين أخرى تفيد متابعة الجامعات لتطور الظواهر الأدبية عندنا. لكن المشكلة أن هكذا دراسات نقدية تبقى حبيسة المكتبات الجامعية ولا تحظى بفرص النشر الواسع كي تصل إلى القارئ العام خارج أسوار الجامعة.

حسن دواس ناقد وأكاديمي متخصص في الأدب بجامعة "سكيكده" الجزائر ية، ويترجم أيضًا عن الفرنسية والإنجليزية. له إسهامه في تعريف القارئ المصري بأدب بلاده. فقد أصدرت له الهيئة العامة للكتاب بالقاهرة في عام 2013 كتابه "حدث الهدهد.. قال: أنطولوجيا القصة القصيرة في الجزائر " الذي يقدم خريطة للقصاصين في بلاده ما قبل الاستقلال وبعده.

مادة إعلانية

[x]