نجيب محفوظ الغائب عن خريطة الحداثة.. أعمال "ما بعد التقاعد" المهملة

11-12-2016 | 14:37

نجيب محفوظ

 

محمد فايز جاد

95 عامًا عاشها الأديب الراحل نجيب محفوظ ، الذي تحل اليوم ذكرى ميلاده الــ105، كرس منها ما يقرب من خمسين عامًا للإبداع، بل ولعل إبداعاته لم تتوقف، بخاصة بعد أن خرج إلى النور أواخر العام الماضي، كتابه الأخير المنشور على جزءين "الأحلام الأخيرة"، الأمر الذي يبشر بأن ثمة كائنات لم تُكتشف بعد مازالت قابعة في عالم محفوظ المتفرد.


في حوار له مع الإعلامي الراحل طارق حبيب بالتليفزيون المصري، قال نجيب محفوظ إنه لو لم يكن مرتبطًا بالوظيفة الحكومية لربما كانت أعماله أفضل من حيث الكم والنوعية. فالسؤال، هل كانت أعمال صاحب نوبل بعد التقاعد مرحلة جديدة في حياته، أم أنها كانت استمرارًا للمسيرة نفسها؟ وهل توقفت القراءات النقدية لأعماله على المرحلة الأولى فقط دون الثانية؟ لعل قراءة لأعمال نجيب محفوظ في تلك الفترة جديرة بالإجابة عن هذه الأسئلة.

يؤرخ النقاد لبداية تيار الحداثة ، بدايته بمعنى الوجود الكثيف أو شبه الكثيف، في الرواية المصرية والسرد بشكل عام لفترة الستينيات، حيث ظهور أسماء جديدة نقلت السرد من شكله التقليدي، الذي ترسخ على يد نجيب محفوظ ، رائد الرواية، إلى مرحلة جديدة، لها سماتها المميزة، ولعل من أبرزها؛ تحرير اللغة من كل ما هو زائد، والخروج على الحبكة التقليدية، وربما محوها والتخلي عنها، وهو التخلي عن تصور الأدب بصفته تصويرًا للواقع إلى وظيفة جديدة.

وهي التمرد على الواقع ورفضه، ورسم عالم جديد مأمول، ولعل هذه الرغبة ازدادت بقوة بعد هزيمة الخامس من يونيو 1967، وما صاحبها من دراسة مكثفة وتشريحية للوعي العربي، والمصري بشكل خاص.

في فترة الستينيات نفسها، حين بدأت قيود الوظيفة الحكومية تخف، أنتج نجيب محفوظ عملين من الصعب وضعهما في إطار الواقعية الاجتماعية الذي ألفه، وهما روايتي "الطريق" 1964، و"الشحاذ" 1965.

في "الطريق" تتحرر لغة نجيب محفوظ بشكل كبير من قيود الحقبة الماضية، وتمضي في رحلة صابر الرحيمي، الباحث عن الأب، سواء الرمز للإله أو المعنى، بشكل سلس، متخفف من قيود الرطانة والبلاغة المفرطة، وتتضاءل إلى حد كبير نبرة التصوير الاجتماعي، رغم الإشارة للحرب العالمية، ليفسح المجال أمام رحلة الابن التائه لشاقة.

وفي "الشحاذ" تكون اللغة قد تخلصت تقريبًا من كل القيود، رشيقة بل ويتراجع السرد نفسه نسبيًا ليفسح الطريق للحوار، وتتجلى الانفعالات النفسية في رحلة الحرب مع العدمية، والبحث عن المعنى، لتصبح النفس هي البطل، لا الأماكن أو الطبقات الاجتماعية، وتبرز بقوة الهواجس والهلاوس والأحلام –وهي السمة المميزة بقوة للحداثة- لتتخذ شكلًا فانتازيًا أحيانًا.

ولعل مقارنة بين "الشحاذ" ل نجيب محفوظ و"زهر الليمون" للراحل علاء الديب، أحد رموز ما سماه الناقد الراحل إدوار الخراط بالحساسية الجديدة، أو ثلاثية الأخير الشهيرة تبرز تشابهًا ملحوظًا، ثم حالة من الضياع وفقدان المعنى، ولكن في حين يقع بطل نجيب محفوظ في الجنون بحثًا عن معنى، يقع بطل صاحب "وقفة قبل المنحدر" في فخ الرتابة والملل، والاستسلام للامعنى، وبخاصة في "زهر الليمون".

في "حكايات حارتنا" 1975، أي بعد التقاعد بأربعة أعوام، يستسلم نجيب محفوظ للحكي، أي الحكي البعيد عن الترميز والتصوير والتشريح الاجتماعي، مجرد الحكي للحكي إن جاز التعبير، وتبرز من بين الحكايات محاولات للتذكر، وربما البوح، ولكنها حكايات لو اقتطعت من سياق حياة نجيب محفوظ لكان من الممكن النظر إليها كقصص مستقلة، حداثية بشكل كبير، لا تقع في فخ الهدف أو الغاية التقليدي.

في عام 1981، قدّم صاحب " بين القصرين " عملًا مختلفًا بشكل كبير عن أعماله المعتادة، وهو "أفراح القبة"، حيث يتسيد الحوار الرواية مقصيًا السرد إلى مساحة ضيقة، ويصبح الحوار بين شخصيات الرواية، التي استخدم فيها تعدد الرواة كمنظور سردي، والحوارات النفسية العميقة، وتعرية الذات بقسوة، يصبحون هم الأبطال.

لطالما رأى النقاد، بل ويزال بعض النقاد حتى الآن يدافعون عن هذه الرؤية الكلاسيكية، أن استخدام الحوار بهذه الطريقة يخرج الرواية من جنسها الأدبي، ويدفع بها نحو المسرح، وهو رأي جائز بالنسبة للرؤية التقليدية لفن السرد، وهو أيضًا ما تمردت ضده الحداثة فيما يسميه إدوار الخراط بالكتابة عبر النوعية، مستخدمًا بعض أعمال الروائي والقاص بهاء طاهر كمثال عليها، وهو ما يمكن أن يكون تجاوزًا لإطار الرواية التقليدية، ودمجًا لها بفن آخر سواء أكان الشعر أو المسرح.

بعدها بعام واحد فقط، في 1982، قدّم نجيب محفوظ "ليالي ألف ليلة"، تلك الرواية التي تستلهم أحد أشهر نماذج التراث "ألف ليلة وليلة" في قالب روائي مليء بالغموض وربما الفانتازيا، بلغة بلغت درجة كبيرة من الشاعرية.

في " حديث الصباح والمساء " عام 1987، تمرد نجيب محفوظ كليةً على البناء التقليدي للرواية، فها هو ذا الكاتب الذي امتلأت جعبته بالكثير يبحث عن جديد، وها هو ذا الجديد يظهر في شكل رواية لا تمتلك حبكة أصلًا، إنما هي مجموعة سير لشخصيات مرتبة ترتيبًا أبجديًا، في خلط للأزمنة التي تشتت بين الشخصيات.

وتبدو الرواية في النهاية لوحة أشبه بلعبة "البازل" قادرة على تكوين شكل من مجموعة كبيرة من القطع، البدايات والنهايات، يتفرغ فيها نجيب محفوظ لسرد حياة الشخصيات بطريقة أقرب للحيادية، شبه تجريدية، ولعل هذه البدايات هي التي فطن إليها السيناريست محسن زايد في مسلسله الذي يحمل الاسم نفسه، فكانت محور العمل الفني الشهير.

وتتجلى الشاعرية أكثر ما تتجلى في عمل كـ" أصداء السيرة الذاتية " المنشور في 1994، حيث الحكايات القصيرة للغاية -ربما نصف صفحة أو صفحتين في أطولها- المحملة بشحنة شاعرية ضخمة، لغة مكثفة غاية التكثيف. رحلة مع عبد ربه التائه، والحكمة المتدفقة على لسانه.

هذا العمل الذي لم ينل حظه من التناول النقدي، والذي راح القراء يشرحونه بحثًا عن رمزية سطحية، مهملين – سواء القراء والنقاد- مقاطع سردية لعلها أقرب ما تكون لما يعرف بالقصة القصيدة، أحد أبرز أشكال الكتابة عبر النوعية، والذي اشتهر به القاص والروائي الراحل يحيى الطاهر عبد الله .

"قال الشيخ عبد ربه التائه:

حلمت بأنني واقف في حظيرة أغنام مترامية الأطراف. وكانت تأكل وتشرب وتتبادل الحب في طمأنينة وسلام. تمنيت أن أكون أحدها، فكنت جديًا بالغ القوة والجمال.

ويومًا جاء صاحب الحظيرة يتبعه الجزار حاملًا سكينه!".

عشرات، وربما مئات، الأعمال النقدية توجه للثلاثية ولأعماله الواقعية بشكل عام، ولكن هذه الأعمال لا تتطرق إلا لمامصا للأعمال المتأخرة، التي يبدو بعضها بذرة اتجاه حداثي، ويبدو بعضها عملًا حداثيًا مكتمل النضوج.

فهل نرى عملًا نقديًا يتوقف عند كتابات كالأصداء أو "حكايات حارتنا" أو حتى "أحلام فترة النقاهة" الأولى أو التي نُشرت بعد وفاته، يتوقف عندها كمرحلة جديدة، مستقلة نسبيًا، تقدم كاتبًا متطورًا، أم يبقى نجيب محفوظ رهن اعتقال أعماله الاجتماعية، وتبقى الأعمال المتأخرة إطارًا يزين اللوحة القديمة؟

اقرأ ايضا:

[x]